الأحد 2026/7/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.58 مئويـة
نيوز بار
أفق اللغة وتحريك الواقع الحسيّ في (لغة بأعضاء داخلية)
أفق اللغة وتحريك الواقع الحسيّ في (لغة بأعضاء داخلية)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

حامد عبدالحسين حميدي/ العمارة

كتاب (لغة بأعضاء داخلية) شعر أمل عايد البابلي الصادر عن دار السومري 2026، يشكّل رؤية في تنشيطِ نمط مسار المفردة والتركيب الشعريّ في قصيدة النثر ضمن اختزالية مكثّفة، وعلى وفق معطيات متداخلة، فاللغة التي مالت إليها البابلي في مجموعتها لغة مكثفة لمخزونٍ تراكميّ، في فضح حجم الذات الأنثوية المتمرّدة بالهدوء والوعي المتكامل، فالاشتغال الدلاليّ لديها اعتمد على توظيفِ طابعٍ فلسفيّ مغاير في أكثر نصوصها، ثمّ أنها تتجرّد بل ترفض لغة الأنثى الضعيفة التي طالما اتسمتْ عليها العاطفة الوجدانية الطاغية، فـ (البابليّ) ليستْ هي الأنثى التي تبحثُ عن أحلامها وفارسها الذكوريّ ولحظات العشق الضائع في خبايا الروح، بل نجدها تدخلنا في متاهاتِ عالمٍ يعجّ بذاكرة الغموض والأفكار المتقافزة هنا وهناك، فالفكرة لديها مطروحة بنضوج المعنى الدلاليّ ذات الصبغة الايحائية، لتضعها أمام المتلقي لتشعره أنه في رحلة استثنائية لعالمها الخاصّ المختلف جدّاً، لتمنحه فرصة الولوج إلى سبر أغوار متن نصّها الشعريّ الذي أخذ حيزاً كبيراً في كشوفات الذات المتخمة بالتساؤلات الإنكارية المتكرّرة، فكلّ ما ينبع من ذات وفضاء الشاعرة داخلياً وخارجياً تحوّل الى صورة شعرية مكتّظة بالتأملات ويوميات حياة حافلة ومملوءة بالغموض والمنفى الداخليّ والحزن العميق الذي تجلّى في أكثر قصائدها النثريّة من خلال( المحو/ العدم/ البوح/ الصفر/ الحبّ الأخير/ الصمت/ العزلة/ العتمة... إلخ)، إذ إنها تضفي حركة ذات ديمومة مستمرة لصورتها الشعرية، لترتبط اللغة لديها بمفهومات أكثر تشعباً حينما توسّعت ادراكيات النصّ في( كبرتُ/ وصار الرحيل عضواً إضافياً في جسدي) ص07، فنلاحظ الشاعرة كيف استطاعت أن تحرّك مفردة (الرحيل) لتأخذ بعداً لغوياً في جسدها كتحفيزه عضواً جديداً يمتلك القدرة على المحاكاة الحسيّة.

لقد فتحت الشاعرة أفقاً واسعاً أمام فكرة (اللغة) وارتباطها بـ (الأعضاء الداخلية) التي أخذت مدى أكثرُ اتساعاً، فالأعضاء الداخلية ليست أعضاء الإنسان بالمعنى الشائع، وإنما تعدّت ذلك الى أن كلّ ما يرتبط بها من عناصر خارجية ذات تأثير استنطاقي دلاليّ، هو محور أساس في تعضيد اللغة المرتبطة بالتفكير والإدراك العقلي، والجوانب الاجتماعية، والتواصل الذي يعتبر ركيزة مهمة في هذا الجانب أيضاً. (حتى اللغة تشكُّ فيكَ، /تستخدمكَ كجملة ٍ تجريبية/ ثم تحذفكَ وتبقي الأثرَ للدلالة.) ص63، ("أنتم تستحقون"/جملة ٌ بلا مرجع ٍ،/ تتدلّى من سقفِ اللغة/ كحبل ٍ بلا جريمةٍ  واضحة.) ص71.

إنّ التجربة الشعرية لدى الشاعرة (أمل عايد البابلي)، في بناء القصيدة النثرية لتجربة ثريّة في جوانب كثيرة، ولا سيما التعبير عن الفكرة بالصورة والرّمز والإيحاء، حيث تتحوّل الصورة الى واقع حسيّ يضجّ بالمثيرات الدالة، لتنبض في خبايا الرمزية الشعرية والإحياء كبناء فنّي رصين.( كأنّ الأرضَ فكرة ٌ مستقرة / ليس كذباً.../ …بل ترتيب ٌ مُتقن/ للفراغ داخل الوعي.) ص46. إذاً /هذه التحوّلات لدى الشاعرة في تطويع الجملة الشعرية بمهارة فنية عالية لتكسبها بعداً دلالياً واعياً من حيث إحداث مجالات في حدود السّياق الشعريّ. (أطفالي/ يمضغون أطرافي ببطءٍ طقوسيّ ،/ كأنّي خبز ٌ قديمٌ/ في ذاكرة ِ مجاعة،) ص10، إنّ هذه الصّورة المرسومة فنياً بوعيٍ إدراكيٍّ كبيرٍ، تشي لنا بالجوع والعدم والفراغ والنّهم الذي خامر عقلية الأطفال الغضّة، لتنعكس في عيونهم شكليّة الأطراف البشرية إلى صورة (خبز قديم)، رغم الاختلاف ما بين شكليّة (الأطراف والخبز)، فالأطراف ليست دائرية الشكل كما هو معروف لدينا، لكنّ شدّة الجوع حوّل كلّ شيء - ذهنياً- حسبما نتصوّره في مخيلتنا وبحسب اشتهاء احتياجاتنا المهيمنة، ثمّ أنّ مفردة (يمضغون) أعطتنا تحريكاً جمعيّاً واضحاً في رسم ملامح الصورة لحركة الفكّ، وبما تمثله من رغبة جامحة في التهام وطحن كلّ ما يدور في المخيلة واقعاً أو تخيلياً والتي تكوّرت في ذاكرة الجوع المدقع.

 

المشـاهدات 25   تاريخ الإضافـة 12/07/2026   رقم المحتوى 72144
أضف تقييـم