| النـص : منذ عام 2003 اتجه العراق نحو تبني اقتصاد السوق باعتباره الخيار الاقتصادي الذي يقوم على حرية الاستثمار والمنافسة وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وذلك بعد عقود من الاقتصاد المركزي الذي كانت فيه الحكومة اللاعب الرئيس في الإنتاج والتوزيع والتسعير. وقد جاء هذا التحول استجابة للمتغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدها البلد، إضافة إلى توصيات المؤسسات المالية الدولية بضرورة تحرير الاقتصاد وفتح الأسواق أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية.يقوم اقتصاد السوق على مبدأ أن العرض والطلب هما اللذان يحددان الأسعار وتخصيص الموارد، بينما يقتصر دور الدولة على وضع التشريعات، وحماية المنافسة، وتوفير البيئة القانونية والأمنية التي تشجع النشاط الاقتصادي. وفي التجارب الناجحة عالمياً، لم يكن اقتصاد السوق مرادفاً لانسحاب الدولة بالكامل، بل كان قائماً على شراكة متوازنة بين القطاعين العام والخاص.ويمتلك العراق العديد من المقومات التي تؤهله لإنجاح هذا النموذج الاقتصادي. فهو يمتلك ثروة نفطية ضخمة تمثل مورداً مالياً مهماً، إضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي يربط الخليج العربي بتركيا وإيران وسوريا والأردن، فضلاً عن امتلاكه أراضي زراعية واسعة، وموارد مائية، وسوقاً استهلاكية كبيرة، وطاقات بشرية شابة يمكن أن تكون محركاً للتنمية إذا ما أُحسن استثمارها.إلا أن الانتقال إلى اقتصاد السوق لم يكن انتقالاً متكاملاً، بل جاء في كثير من الأحيان بصورة جزئية وغير مدروسة,فقد فُتحت الأسواق أمام الاستيراد بشكل واسع قبل أن يكون القطاع الإنتاجي المحلي قادراً على المنافسة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الصناعات الوطنية وإغلاق العديد من المصانع، مقابل تدفق السلع الأجنبية بمختلف أنواعها، سواء كانت ذات جودة عالية أم منخفضة.ومن أبرز السلبيات التي رافقت تطبيق اقتصاد السوق في العراق غياب البيئة المؤسسية التي تشكل أساس نجاح هذا النظام. فالفساد الإداري والمالي، وضعف الأجهزة الرقابية، وتعقيد الإجراءات الحكومية، وعدم استقرار التشريعات، جميعها عوامل حدّت من قدرة القطاع الخاص على النمو، وأضعفت ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.كما بقي الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، في حين لم تشهد القطاعات الإنتاجية الأخرى، كالزراعة والصناعة، تطوراً يوازي متطلبات اقتصاد السوق. وأصبح الإنفاق الحكومي هو المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، بينما ظل القطاع الخاص يعاني محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الإنتاج.ومن الملاحظ أيضاً أن الخصخصة، التي تعدّ إحدى أدوات اقتصاد السوق، لم تُنفذ وفق رؤية اقتصادية واضحة، بل ارتبطت في بعض الحالات بمخاوف من فقدان الوظائف أو انتقال الأصول العامة إلى جهات محدودة، دون تحقيق الكفاءة الاقتصادية المنشودة. كما أن ضعف شبكات الحماية الاجتماعية جعل شرائح واسعة من المواطنين تنظر إلى اقتصاد السوق باعتباره سبباً في ارتفاع الأسعار وزيادة البطالة، بدلاً من اعتباره وسيلة لتحقيق النمو والازدهار.إن نجاح اقتصاد السوق في العراق لا يتطلب مجرد تحرير التجارة أو تقليص دور الدولة، وإنما يحتاج إلى بناء مؤسسات قوية تطبق القانون بعدالة، وتحارب الاحتكار والفساد، وتوفر بيئة استثمارية مستقرة. كما يتطلب إصلاح النظام المصرفي، وتطوير التعليم والتدريب المهني، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الحوافز للإنتاج الوطني بدلاً من الاعتماد المفرط على الاستيراد.وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تضطلع الدولة بدور المنظم والمحفز، لا أن تكون منافساً للقطاع الخاص أو منسحبة بالكامل من المشهد الاقتصادي. فالتجارب الدولية الناجحة أثبتت أن الأسواق الحرة تحتاج إلى دولة قوية في مؤسساتها، عادلة في قوانينها، وفاعلة في سياساتها الاقتصادية.ختاماً، يمكن القول إن المشكلة في العراق ليست في مبدأ اقتصاد السوق ذاته، وإنما في آلية تطبيقه, فالاقتصاد الحر لا يحقق أهدافه تلقائياً، بل يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وإدارة كفوءة، وقضاء مستقل، وسياسات اقتصادية متوازنة تحمي المنتج الوطني وتدعم المنافسة العادلة, وعندها فقط يمكن أن يتحول اقتصاد السوق من شعار اقتصادي إلى مشروع تنموي قادر على تنويع مصادر الدخل، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة التي يتطلع إليها العراقيون.
|