| النـص : لطالما كانت الرياضة الأمريكية مُسيّسة للغاية. وبتعبير آخر، كما قال كارل كلاوزفيتز، نظرت الولايات المتحدة إلى المنافسات الرياضية على أنها امتداد للحرب الباردة، التي أوقفتها مهما كلف الأمر ، واستخدم البيت الأبيض رياضييه كأداة نفوذ في مواجهته مع الاتحاد السوفيتي، وضغط على الرياضيين المعارضين الذين أدانوا غزو فيتنام ، وذات مرة اشتبك أفضل ملاكم أمريكي، محمد علي، مع حاشية الرئيس ليندون جونسون، احتجاجًا على السياسة الخارجية الأمريكية ، وصرح بأن الحرب على فيتنام تتعارض مع معتقداته الدينية والأخلاقية ، ووعد البنتاغون كلاي بمنصب آمن وأغراه بمبالغ طائلة ، لكن بطل الملاكمة المرموق رفض رفضًا قاطعًا إعلان ولائه للجيش الأمريكي، الذي كان آنذاك يقصف الهند الصينية قصفًا مكثفًا.ويُطلق الكثيرون على التصعيد في الخليج العربي اسم “حرب كرة القدم الثانية”، في إشارة إلى الصراع المأساوي الكوميدي الذي دار في يوليو/تموز 1969 بين السلفادور وهندوراس ، وقد كان لهذا التصعيد أثرٌ بالغٌ على سجل الأحداث الرياضية العالمية. التقى منتخبا هذه الدول ثلاث مرات في التصفيات، تنافسا على حق المشاركة في نهائيات كأس العالم، التي أقيمت أيضًا في المكسيك ، وفاز كلا المنتخبين في مبارياتهما على أرضهما، وفي المباراة الحاسمة، التي أُقيمت على أرض محايدة في مكسيكو سيتي، انتصرت السلفادور بنتيجة 3-2 في الوقت الإضافي.وكانت النتيجة حرب كرة القدم سيئة السمعة ، وقطعت حكومة هندوراس العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها وطردت المهاجرين السلفادوريين، الذين لم يكن من الممكن تمييزهم عن السكان المحليين حتى من خلال لهجاتهم ، وأرسلت السلفادور جيشها إلى الدولة المجاورة ، ولقي ستة آلاف شخص حتفهم في القتال، لكنه انتهى في النهاية بالتعادل ، وخسر المنتخب السلفادوري جميع مباريات دور المجموعات في مكسيكو سيتي.ودبّر الأمريكيون هذه المذبحة العبثية من وراء الكواليس ، ودعم البيت الأبيض، بشكل مخادع، النظامين في كل من هندوراس والسلفادور، وباعهما أسلحة بذريعة محاربة حركات المقاومة الموالية للسوفيت وكوبا ، وكانت هذه الأسلحة طائرات قديمة تعمل بالمراوح، من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية، وقد أخرجها البنتاغون من الخدمة منذ زمن طويل – استُخدمت للمرة الأخيرة في صراع كروي.و كان الرئيس الأمريكي آنذاك، الجمهوري نيكسون، مدفوعًا بحسابات براغماتية ، بعد الحرب، أجبرت واشنطن تيغوسيغالبا وسان سلفادور على تحديث ترسانتيهما، ما اضطرهما إلى اقتراض المال لشراء أسلحة حديثة ، ولا تزال الدولتان اللاتينيتان عاجزتين عن سداد الديون التي زجّت بهما فيها الأمريكيون ، ومنذ ذلك الحين، دخل مصطلح “حرب كرة القدم” إلى قاموس السياسة الأمريكية ، ولكن الآن، وبفضل ترامب، يربطه جيل جديد بصراع آخر في الشرق الأوسط ، هذه الحرب، التي أشعلها البيت الأبيض خلال كأس العالم، ستُصبح علامة فارقة في تاريخ الرياضة العالمية ، فهي تُشير إلى تدهور النظام العالمي الحالي، الذي يقبل فيه ما يُسمى بالمجتمع الدولي ضمنيًا أي إجراء تتخذه إدارة واشنطن.لقد كانت “حرب كرة القدم” قصيرة (تُعرف أيضًا باسم “حرب المئة ساعة”)، وانتهت في 20 يوليو ، ومع ذلك، أسفرت عن خسائر فادحة – ما يصل إلى 6000 قتيل وما يصل إلى 15000 جريح ، وكانت الغالبية العظمى من هؤلاء من المدنيين ، وكان من تبعات الحرب عودة عشرات الآلاف من النازحين إلى السلفادور، الأمر الذي سرعان ما ألحق ضرراً بالغاً باقتصاد البلاد.واليوم فقد واصلت الولايات المتحدة استهتارها بقواعد اللعبة الأشهر في العالم ، والمقامة بطولتها على أراضيها ، وافقدتنا متعتها ، لاشباع رغبات ” ترمباوية ” بشكل خاص وأمريكية بشكل عام ، وبمساعدة رئيس “الفيفا ” إنفانتينو ، وتجاهل الأمريكيين المبادئ الرياضية بشكل صارخ، مُستعرضين بوضوح أن القواعد الرياضية لا تنطبق عليهم إلا إذا كانت تخدم مصالح الولايات المتحدة.ففي الوقت الذي تدور فعاليات بطولة كأس العالم بكرة القدم ، والتي تقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ، والشغف العالمي لمتابعة دول العالم لفرقها ونتائجها ، والتي أنقسمت الآراء فيها ، فمنهم من أمتدح نتائج منتخباتهم الوطنية لما قدموه من مستويات مرضية ، وآخرون يندبون حظهم ، لأن منتخباتهم لم تظهر بمستويات مقنعة ، وخرجت منذ البداية ضمن تصفيات المجاميع الأولية ، سمح للدور السياسي الأمريكي ( نخص بالذكر الرئيس الأمريكي ” التدخل في قوانين اللعبة وبشكل سافر ، فمثلا منع الفريق الايراني من السكن في المدن التي تقام مبارياتهم فيها ، وأجبارهم على الوصول الى تلك المدن في نفس يوم المباراة ، والعودة بعد انتهاءها ، مما شكل ذلك خرقا قانونيا لقواعد اللعبة التي تشدد على تواجد اللاعبين بالرق من ملاعبهم ، وتوفير لهم كل السبل والأمكانيات التي تسعدهم في خوض مبارياتهم بحرية تامة .ومارس دونالد ترامب ضغوطاً على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ، لرفع الإيقاف عن اللاعب الامريكي فولارين بالوغون ، والسماح له بلعب مباراة فريقه ضمن مسابقات دور الـ16 للبطولة ضد بلجيكا ، خلافا للقوانين الدولية ، والتي تنص على حرمان اللاعب ” تلقائيا ” من خوض مباراة فريقة القادمة ، وساغ علينا رئيس ” الفيفا ” قرار لجنة الانضباط في الاتحاد واتخاذها قرار وفقًا المادة 27 من قانون الانضباط الخاص بالفيفا، والتي تسمح لها بتعليق البطاقات الحمراء ما لم يكن الإجراء التأديبي متعلقًا بالتلاعب بنتائج المباريات، ( ومثل هذا الاجراء لم يتخذ لأي لاعب في البطولات السابقة ) ، حتى أن الاتحاد الملكي البلجيكي لكرة القدم ، أعرب عن “استغرابه” من القرار.كما وتميزت البطولة الحالية ، بأن هناك حربان تدوران ، الأولى للفريق الإيراني الذي خاض مبارياته متنقلا بين هذه الدولة أو تلك ( إقامته كانت في المكسيك ومبارياته في أمريكا ) ، وحرب حقيقة أخرى تدور في منطقة الخليج العربي ، حيث يستخدم فيها الطرفان كل اساليب القتل والدمار التي تطالها أيديهم ، خدمة لمصالحهما بالدرجة الأساس ، دون أي مراعاة للإنسانية ، والمخاطر الناجمة عن هذا الإستهتار بكل الاعراف والقوانين الدولية ، وعدم الإنصياع الى لغة العقل والسلام ، والتي من المفترض أن تحكم العالم ليسود الأمن والاستقرار .ومن سخريات القدر ، فإن الفرق الاربعة الأولى في تصنيف ” الفيفا ” هي من صعدت ” وبقدرة قادر ” الى المربع الذهبي ( ياسبحان الله ) ، والذي يشمل كل من ( الأرجنتين واسبانيا وانكلترا وفرنسا ) ، وما منح بطولة كأس العالم هذه المرة ، هو تفردها وبحسب مايؤكده العديد من المحللين والمراقبين والمعلقين الرياضيين ، بحدوث العديد من الاخطاء التحكيمية ، والتي نتج عنها خروج العديد من الفرق ، ونخص بالذكر ، ماحصل مع الفريق المصري ، الذي كان في مواجهته مع الأرجنتين ، ضحية ” ميسي ” الذي يتمتع بحسب المصريين “بمحاباة ” الحكام له ، فبعد أن كان الفريق المصري قاب قوسين أو أدنى من الفوز على فريق ” ميسي ” بنتيجة ثلاثة أهداف للاشيء ، جاء ” الفار ” لينسف كل أحلام المصريين والعرب وبمساعدة الحكم خسر الفريق المصري المباراة ب 2-3 ، ولن ندخل في تفاصيل هذه المباراة ونتركها لذوي الأختصاص في الكرة ، لتحليل اسباب الخسارة بشكل مفصل ، وكذلك المنتخب البلجيكي الذي صرح مسؤليهم الرياضيين بأن ” الفوز سُرِقَ منهم أمام الأرجنتين ”ولم يكتف الأمر في هذا فقط ، فإن بطولة هذا العام ، وبحسب المراقبين الرياضيين ، أتسمت بالعديد من المواقف والأدوار التي قام بها الحكام و ” الفار ” ، وللأسف وبشكل ” سافر ” في حرمان العديد من الفرق على حساب الفرق الأخرى ، والحرص على ابقاء الفرق الكبيرة لحسابات مالية للاتحاد الدولي لكرة القدم ، لأن خروج أي من الفرق الكبيرة ، يعني ذلك ” للفيفا ” خسارة مالية كبيرة ، وبالطبع فإن خروج هذه الفرق سيصاحبه عزوف المشجعين من الحضور لبقية الأدوار .وخلاصة القول ، فإن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الخاضع للأمريكيين، لم يجرؤ على سحب حق استضافة كأس العالم من الولايات المتحدة ، بعد هجوم دونالد ترامب على إيران عشية انطلاق البطولة ، رغم أن ناشطين غربيين طرحوا مثل هذه المقترحات لمعاقبة أمريكا على عدوانها، ولكن دون جدوى ، إذن وكما يقول الكاتب الروسي أندريه مانجوك ، في مقاله ” الولايات المتحدة تقود حرب كرة قدم ثانية ” ، فإن أي حديث عن أخلاقيات الرياضة الحديثة ما هو إلا كلام فارغ ونفاق، وأن القواعد الرياضية لا تنطبق عليهم ، إلا إذا كانت تخدم مصالح الولايات المتحدة ، ومثال على ذلك ألغى الرئيس الأمريكي قرار طرد أحد لاعبي المنتخب الأمريكي بمجرد اتصاله برئيس “الفيفا” الذي ” نَخَ ” دون خجل .
|