قيام الحسين في المسرح العربي والعالمي: من الواقعة التاريخية إلى الرمز الإنساني الخالد!!
( إشارات توضيحية)
![]() |
| قيام الحسين في المسرح العربي والعالمي: من الواقعة التاريخية إلى الرمز الإنساني الخالد!! ( إشارات توضيحية) |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : شوقي كريم حسن
منذ استشهاد الإمام الحسين بن علي سنة 61 هـ/680 م، لم تبقَ واقعة كربلاء حدثاً تاريخياً محصوراً في زمانه، بل تحولت إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قدرةً على إنتاج المعاني وإلهام الفنون والآداب. وإذا كانت الرواية والشعر قد وجدا في الحسين فضاءً رحباً للتعبير، فإن المسرح، بما يمتلكه من طاقة درامية تقوم على الصراع والمواجهة والتضحية، وجد في مأساة الطف مادة تكاد تكون مثالية لبناء التراجيديا الإنسانية.لقد تجاوز الحسين، في التجربة المسرحية العربية والعالمية، حدود الشخصية التاريخية ليغدو رمزاً للعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وهو ما منح حضوره الفني بعداً يتجاوز الانتماءات الدينية والطائفية، ليلامس الضمير الإنساني العام.عرف المسرح العربي الحديث حضوراً واسعاً لشخصية الحسين، وكان أبرز من تناولها الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيتيه الشهيرتين «الحسين ثائراً» (1964) و«الحسين شهيداً» (1969)، اللتين جمعهما لاحقاً تحت عنوان «ثأر الله». وقد قدم الشرقاوي الحسين بوصفه صوت الضمير الإنساني، وجعل من كربلاء مواجهة أزلية بين الحق والسلطة، وبين الإنسان الحر والاستبداد، مستلهماً المصادر التاريخية الإسلامية، ولا سيما روايات الطبري، مع منحها أبعاداً فكرية معاصرة. وقد عدّ علي الراعي هذه التجربة واحدة من أهم تجليات استثمار التراث في المسرح العربي الحديث. وفي العراق، حيث تشكل واقعة الطف جزءاً من الذاكرة الثقافية والإجتماعية، أتسعت دائرة الاشتغال المسرحي على الحسين، فبرزت أعمال محمد علي الخفاجي، ولا سيما مسرحية «ثانية يجيء الحسين» التي قدمت الإمام بوصفه حضوراً دائماً يتجدد في كل عصر، وليس مجرد شخصية تاريخية انقضى زمانها. كما ظهرت نصوص عديدة لعبد الرزاق عبد الواحد، وجبار صبري العطية،، وغيرهم من المسرحيين الذين سعوا إلى إعادة قراءة كربلاء بوصفها سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً.وتشير الدراسات الأكاديمية العراقية إلى أن المسرح الحسيني لم يكتف بإعادة تمثيل الحدث التاريخي، بل أسهم في إنتاج رؤية فنية جديدة تستثمر الشعر والرمز والأسطورة، وتربط الماضي بالحاضر، حتى أصبحت كربلاء بنيةً ثقافية وجمالية متجددة،.ولم يقتصر حضور الحسين على المسرح العربي، فالتعزية الفارسية،تعد من أبرز الظواهر المسرحية الطقسية في العالم، وقد لفتت إهتمام كبار منظري المسرح الغربي، وفي مقدمتهم ريتشارد شخنر، وبيتر بروك، وجيرزي غروتوفسكي، الذين رأوا فيها نموذجاً متفرداً للمسرح الاحتفالي والطقسي، يجمع بين الأداء والإنشاد والتفاعل الجماهيري، ويحقق ما كانت تسعى إليه التراجيديا الكلاسيكية من تطهير وجداني وأخلاقي.كما وجد عدد من الباحثين تشابهاً بين مأساة الحسين والتراجيديا اليونانية، ولا سيما مع شخصية «أنتيغون» عند سوفوكليس، حيث يواجه البطل سلطةً تمتلك القوة، لكنه يتمسك بقانون أخلاقي أعلى من قانون الدولة، الأمر الذي يمنح المأساة طابعاً إنسانياً كونياً.ومن هنا لم يعد الحسين في المسرح رمزاً دينياً فحسب، أصبح صورة للإنسان الذي يرفض المساومة على القيم، ولهذا وجد مفكرون عالميون مثل لويس ماسينيون، وإدوارد براون، وأنطوان بارا، في شخصيته نموذجاً أخلاقياً وإنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا والعقائد.وإذا كانت التجارب العربية الكبرى قد رسخت حضور الحسين في المسرح، فإن العقود الأخيرة شهدت ظهور أصوات عراقية جديدة حاولت أن تتجاوز السرد التقليدي للواقعة، وأن تبحث عن لغة مسرحية حديثة تجعل من كربلاء سؤالاً وجودياً وثقافياً، ومن بين هذه التجارب تبرز تجربة الروائي والكاتب المسرحي العراقي شوقي كريم حسن، التي تمثل اتجاهاً معاصراً في الكتابة المسرحية الحسينية.ففي مسرحية «ظمأ المفازات» لا تظهر كربلاء بوصفها حدثاً منغلقاً على الماضي، بل بوصفها عطشاً وجودياً دائماً، حيث يتحول الظمأ من حالة جسدية إلى إستعارة كبرى عن عطش الإنسان إلى العدالة والخلاص. أما في «الموازن» فإن البنية الدرامية تنشغل بإشكالية الاختيار الأخلاقي والميزان بين الحقيقة والزيف، في حين تتجه مسرحية «شاهد المعنى» إلى تعميق البعد التأويلي للحدث الحسيني، إذ يصبح الشهود الحقيقي هو المعنى نفسه، لا الوقائع المجردة. وفي «حطب السماء» تتخذ اللغة طابعاً شعرياً كثيفاً، وتغدو المأساة الحسينية فضاءً رمزياً تتقاطع فيه الأرض والسماء، والإنسان والمطلق.وتتميز هذه الأعمال بمحاولة الابتعاد عن النقل التاريخي المباشر، والاقتراب من الرؤية الرمزية والفلسفية، حيث يتحول الحسين من شخصية تاريخية إلى طاقة دلالية مفتوحة، تستدعي أسئلة الإنسان المعاصر عن الحرية، والخذلان، والمعنى، والمصير. إن أهمية الحسين في المسرح العربي والعالمي لا تكمن في كونه موضوعاً دينياً فحسب، وإنما في قدرته الفريدة على إنتاج الدراما، وعلى تحويل المأساة إلى طاقة أخلاقية وجمالية. ولهذا ظل حاضراً في النصوص والعروض، وظلت كربلاء قابلة لإعادة الاكتشاف في كل عصر، لأن الصراع بين الحق والباطل، وبين الإنسان والسلطة، وبين الحرية والخوف، ليس صراعاً تاريخياً منتهياً، بل تجربة إنسانية متجددة.
|
| المشـاهدات 33 تاريخ الإضافـة 18/07/2026 رقم المحتوى 72280 |
توقيـت بغداد









