الأربعاء 2026/7/22 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.07 مئويـة
نيوز بار
الثروة تحت الأرض والعتمة فوقها معادلة العراق الصعبة
الثروة تحت الأرض والعتمة فوقها معادلة العراق الصعبة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب مصطفى طارق الدليمي
النـص :

في بلدٍ يعوم فوق واحد من أكبر احتياطيات النفط في العالم يقيس المواطن يومه بعدّاد آخر لا علاقة له ببورصة النفط عدد ساعات الوطني وعدد ساعات الأمبيرات وعدد ساعات الظلام الكامل هذه هي المفارقة العراقية التي تتكرر كل صيف بلا كلل ثروة تُقاس بالبراميل والدولارات وحياة يومية تُقاس بصوت المولدة الأهلية في الزقاق

فالنفط كما هو معروف يظل العمود الفقري الذي يقوم عليه الاقتصاد العراقي بأكمله إذ تكاد إيرادات الدولة تعتمد عليه كلياً فيما يبقى ما عداه من قطاعات إنتاجية كالزراعة والصناعة على هامش الصورة الاقتصادية العامة وقد حاولت الحكومة في موازنتها الأخيرة أن تسلك مساراً أكثر تحفظاً في تقدير أسعار النفط العالمية في محاولة معلنة لترشيد الإنفاق العام وتوجيهه نحو القطاعات الأساسية بدلاً من تضخيم النفقات التشغيلية كما جرت العادة في السنوات الماضية غير أن هذا التحفظ لم يمنع بروز عجز مالي يُتوقع أن يستمر في الظهور عاماً بعد عام ما يدفع الحكومة إلى الاستدانة من الداخل لتغطية الفارق بين ما تجنيه وما تنفقه في نمط تكرر منذ سنوات طويلة دون أن يجد له حلاً جذرياً حيث تكشف أزمة الكهرباء المتجددة كل صيف حجم الهوة الفعلية بين الثروة المعلنة والخدمة الفعلية على الأرض فالفارق بين ما يحتاجه العراقيون من كهرباء في أوج الحر وما تستطيع محطات التوليد إنتاجه يبقى فارقاً واسعاً بأي مقياس وهو ما يدفع ملايين الأسر إلى الاعتماد على المولدات الأهلية بوصفها الحل الوحيد المتاح وهي كلفة إضافية يصل سعر الأمبير إلى 25 الف الذي يتحملها المواطن من جيبه الخاص بعد أن عجزت الدولة عن توفيرها من عائدات النفط ذاتها ويرتبط جزء كبير من هذه الأزمة باعتماد العراق شبه الكلي على الغاز المستورد من الجارة إيران لتشغيل محطات توليد الطاقة وهو ملف كشف هشاشته مراراً مع كل توتر إقليمي يعصف بالمنطقة وقد فاقمت التوترات الأخيرة في المنطقة وما رافقها من اضطراب في حركة الطاقة والملاحة من حدة الأزمة حتى وصفها بعض المتابعين للشأن العراقي بأنها من أسوأ المواسم التي تشهدها البلاد منذ سنوات في ملف الكهرباء.منذ عام 2003 ما انفكت الوعود الحكومية تتكرر بـ"وداع المولدات" وتحقيق "الاكتفاء الذاتي" من الطاقة لكن المشهد الميداني لم يتغير جوهرياً إذ تتجدد الاحتجاجات كل صيف في مدن الوسط والجنوب احتجاجاً على تردي التجهيز الكهربائي في ملف بات يوصف بأنه أمني وسياسي بقدر ما هو خدمي بحت لما يحمله من قابلية للاحتقان الشعبي وتوظيفه سياسياً بين الحين والآخر.وتحاول الحكومة العراقية معالجة الأزمة عبر مسارات متعددة منها التعاقد على سفن عائمة لتوليد الكهرباء إضافة إلى مفاوضات مستمرة للربط الكهربائي مع دول الجوار، وخطط طموحة للتوسع في الطاقة الشمسية بالشراكة مع شركات عالمية كبرى غير أن هذه المشاريع على الورق لا تزال تصطدم بعقبات فنية وتمويلية وبيروقراطية تحول دون ترجمتها إلى حلول عاجلة تخفف من وطأة الأزمة الحالية فتبقى الوعود أسرع من التنفيذ والمشاريع أبطأ من حاجة الناس إليها.وما يجمع بين ملف الموازنة وملف الكهرباء هو أنهما يعكسان الإشكالية البنيوية ذاتها اقتصاد ريعي شبه أحادي المصدر يجعل استقرار الخدمات العامة رهينة لتقلبات سوق النفط العالمية وللتوترات الإقليمية المحيطة بالبلاد بدلاً من أن يكون نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد ينظر إلى ما بعد النفط فحين يتعثر تصدير النفط أو تتراجع أسعاره تنكشف هشاشة البنية التحتية للخدمات فوراً لأن الجزء الأكبر من الإيرادات يُوجَّه لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية بدلاً من الاستثمار في مشاريع إنتاجية تُنوّع مصادر الدخل وتُحصّن الخدمات الأساسية من الصدمات الخارجية.وتبقى المعادلة معلقة بين خيارين يتردد صداهما في كل نقاش مالي حكومي إما الاستمرار في النهج التوسعي بالإنفاق مع ما يحمله من مخاطر اتساع العجز والمديونية على المدى البعيد أو اعتماد سياسة أكثر انضباطاً تتطلب تعظيم الموارد غير النفطية وترشيداً صارماً للنفقات التشغيلية وبين هذين الخيارين يظل المواطن العراقي هو من يدفع الفاتورة الأكبر سواء في صورة خدمات متراجعة أو في صورة فواتير المولدات الأهلية التي باتت جزءاً ثابتاً من ميزانية كل بيت عراقي في انتظار يوم يتحول فيه النفط من عبء يُدار بردود الأفعال إلى ثروة تُستثمر بخطة تنظر إلى الغد

 

 

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 21/07/2026   رقم المحتوى 72490
أضف تقييـم