الخميس 2026/8/6 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 36.67 مئويـة
نيوز بار
100 تريليون دينار بذمة شخصيات وجهات ، السلف بلا تسويات بوابة للفساد
100 تريليون دينار بذمة شخصيات وجهات ، السلف بلا تسويات بوابة للفساد
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب باسل عباس خضير
النـص :

 

 

 

السلف في الوحدات الحسابية ،  حساباً ( مدينا )  يستخدم لصرف مبالغ مالية بصورة مؤقتة لإنجاز غرض محدد ، على أن تتم تسويتها خلال مدة زمنية معلومة بموجب المستندات المؤيدة ، ويتم إغلاقها وتسويتها محاسبياً إما بقيدها مصرف نهائي  أو بإعادة المبالغ غير المصروفة أي المتبقي منها ، وتُعد السلف من الحسابات التي أجازها النظام المحاسبي الموحد وفق معايير المحاسبة والإبلاغ المالي الدولية المطبق حالياً في العراق ، كما أجازت المادة ( 13/ ثانياً ) من قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019  استخدامها  في حال تأخر إقرار الموازنة العامة ، بهدف ضمان استمرار الصرف على المشاريع الاستثمارية المستمرة استناداً لذرعات العمل المنجزة أو التجهيز الفعلي للمشروع ، بعد التأكد من توافر السيولة النقدية والتخصيصات ضمن مشروع قانون الموازنة النافذ و للسنة اللاحقة .ورغم مشروعية استخدام السلف عند الضرورة ، ووفقاً لطبيعة نشاط الجهة الحكومية ، فإن الحرص على معالجتها وتسويتها في مواعيدها المحددة يعد أمراً أساسياً ، لأن تراكمها يفقدها صفتها المؤقتة ، ويحولها إلى أموال خارج الرقابة الفعلية ، ويؤدي ذلك  إلى تجميد جزء من المال العام ، ويصعب إعداد الحسابات الختامية بدقة ، ويضلل التقارير المالية ،  فضلاً عن أنه قد يفتح الباب أمام الاختلاس والتلاعب بالمستندات ، أو تحميل سنوات مالية لاحقة نفقات لا تخصها ، وتعود أسباب  تأخر إجراء  التسويات إلى ( ضعف الرقابة ، وتهاون الإدارات ، وتأخر إنجاز الأعمال ، أو التعمد في إبقاء السلف مفتوحة ) ، ويذهب بعض المختصين في المحاسبة والتدقيق إلى وصف حسابات السلف والأمانات بأنها  واحدة من أكثر الحسابات حساسية ، لما تتطلبه من متابعة مستمرة حتى إتمام التسويات ، ولكونها تتأثر بكفاءة الإدارات وتغيير المسؤولين ، فإنها يمكن أن تتعرض للتساهل بحجة التعجيل في إغلاق القيود المحاسبية ، لذلك فإن تراكمها  رغم المتابعة ، يمثل عبئاً كبيراً على أجهزة الرقابة المالية ، وفي هذا السياق ، صرح السيد رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي في تموز 2026 ، بأن هناك نحو ( 100 ) تريليون دينار عراقي صُرفت كسلف منذ عام 2004 إلى شخصيات وجهات مختلفة ، ولم تتم استعادتها أو تسويتها حتى الآن ،  كما تناولت المحكمة الاتحادية العليا هذا الموضوع في قرارها المرقم ( 170 / اتحادية / 2022 ) ، إذ أكدت عدم جواز استخدام حساب السلف للصرف على أي غرض ما لم يتوافر التخصيص اللازم في الموازنة ، كما شددت على عدم جواز اتخاذ مجلس الوزراء قرارات تثقل الخزينة العامة بأعباء مالية بالمخالفة لقانون الموازنة وقانون الإدارة المالية .وتعود أسباب تراكم السلف وعدم معالجتها إلى عوامل عدة ، أبرزها طبيعة إعداد الموازنة الاتحادية من قبل وزارتي المالية والتخطيط ، إذ ما تزال تعتمد في الغالب على موازنة الأبواب مع تكرار الأسلوب ذاته من سنة إلى أخرى ، باستثناء تغيير الأرقام ، في حين أن كثيراً من الدول انتقلت منذ سنوات إلى موازنات البرامج ، أو المشاريع ، أو الموازنة الصفرية ، أو موازنة الأهداف ، وغيرها من الأساليب الحديثة ، أما السبب الثاني فيتمثل في اتساع مساحة الاستثناءات التي تمنحها مراكز اتخاذ القرار استجابة لظروف مختلفة ، وغالباً ما تتم تغطية آثارها المالية عن طريق السلف ، ويرتبط  السبب الثالث بمسالة  التأخر المزمن في إعداد ومصادقة الحسابات الختامية للدولة ، فالمحاسبة المبكرة بعد انتهاء السنة المالية كفيلة بتشخيص مواطن الخلل ، والإسراع في إجراءات التسوية ، ومساءلة المقصرين ، ويكفي أن الحسابات الختامية لسنوات عديدة ما تزال من دون مصادقة منذ عام 2012  ، ويضاف إلى ذلك غياب الموازنة الاتحادية في بعض السنوات ، ومنها موازنة العام الحالي ( 2026 ) ،  الأمر الذي يوسع دائرة الاجتهاد والاستثناءات ،  فضلاً عن ضعف الالتزام بمبدأ إبراء الذمم المالية لشاغلي المناصب والدرجات الوظيفية، رغم أهمية هذا الإجراء في كشف الالتزامات المالية المترتبة عليهم ، كما لا يمكن إغفال ضعف كفاءة بعض الأجهزة المالية والرقابية ، وعدم استثمار خريجي تخصصات المحاسبة والتدقيق والرقابة المالية في تطوير الأداء المؤسسي .إن السلف ستبقى إحدى أهم بوابات هدر المال العام والفساد ما لم تُعتمد منهجية إصلاح متكاملة تبدأ بإعادة النظر في أسلوب إعداد الموازنة الاتحادية ، وهي فرصة ينبغي استثمارها عند إعداد موازنة عام 2027، بعد التأكد من عدم صدور موازنة عام 2026 ،  كما ينبغي تقليص الاستثناءات إلى أضيق الحدود ، ومنع فتح حسابات تبقى معلقة لسنوات دون تسوية ، ومن الضروري أيضاً إدراك أن الاعتماد على الرقابة البعدية التي يمارسها ديوان الرقابة المالية الاتحادي ، على أهميتها ، لا يكفي لمعالجة هذه المشكلة ،  بل إن وجود كوادر متخصصة في الحسابات والتدقيق تمارس الرقابة السابقة والمرافقة للصرف يمثل حلاً عملياً وفعالاً ، ولا سيما في بيئة تعاني من تحديات الفساد ، كما أن منح الأولوية في التعيينات الحكومية ينبغي أن يشمل خريجي تخصصات المحاسبة والرقابة والتدقيق ، لما لهم من دور أساسي في إدارة وتنظيم  المال العام ، وتبقى المعالجة الجذرية رهناً بالإسراع في مصادقة الحسابات الختامية ، والتطبيق الجاد لمبدأ إبراء الذمم المالية في جميع مستويات الدولة ،  وبات من الضروري إدراج المخالفات المتعلقة بإهمال السلف أو استغلالها ضمن القضايا التي تُحال إلى هيئة النزاهة والسلطة القضائية ، ضماناً للمساءلة وحمايةً المال العام .

المشـاهدات 2319   تاريخ الإضافـة 01/08/2026   رقم المحتوى 72675
أضف تقييـم