السبت 2026/10/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 25.95 مئويـة
نيوز بار ›
مونتين مخترع المقالة الفلسفية برنارد سيف (فيلسوف / أستاذ فخري لفلسفة الفن في جامعة ليل)
مونتين مخترع المقالة الفلسفية برنارد سيف (فيلسوف / أستاذ فخري لفلسفة الفن في جامعة ليل)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب ترجمة إيمان شربا
النـص :

لم يكن ميشيل دي مونتين صاحب الروح الحرة ينوي تقديم فكرة جاهزة. فإذا كتب كان ذلك لتهذيب عقله وتطوير ذاته. وهكذا ابتكر نوعاً فلسفياً سيحقق نجاحاً باهراً  يعبر أسلوب الفيلسوف أو شكل كتابته عن فكره لذا يكفي أن نتأمل الحوار الأفلاطوني والتأمل الديكارتي والمنهج الهندسي لسبينوزأو الحكمة النيتشوية في أعمال ميشيل دي مونتين فلم يعد الأمر مجرد مسألة تعبير بل مسألة جوهر فكتابة مونتين هي الفكرة التي تعبر عنها قصة الأصل التي تقدم لنا في الفصل الثامن من الكتاب الأول من المقالات من كتاب (عن الخمول) يجعل الكتابة علاجاً. إذ يعتقد مونتين الذي تقاعد في سن الثامنة والثلاثين إلى مكتبته أنه يستطيع الاستمتاع بخمول أدبي سعيد. على عكس توقعاته، يكتشف أن عقله الخامل لا ينتج سوى أوهام ومخلوقات خيالية؛ ثم يقرر تدوين هذه الحماقات حتى يتمكن من التأمل فيها، وإحراج عقله ليتخلص منها.

انضباط العقل

وهكذا نشأت المقالات من اكتشاف وقرار اكتشاف أن العقل البشري مضطرب بطبيعته وأنه يجب إشغاله بشيء ما لمنعه من الانحراف وقرار الكتابة من أجل تهذيب عقله.

على الرغم من أن الفصول الأولى من كتاب المقالات أقل تناقضاً مما يزعم أحياناً إلا أنها أقرب إلى إعادة صياغة حكايات متفرقة منها إلى عرض لأفكار شخصية عميقة وعلاوة على ذلك كان مونتين يتمتع بخبرة واسعة في الكتابة (عمل قاضياً لمدة أربعة عشر عاماً، صاغ خلالها العديد من الأحكام ومارس التعليق القانوني كما ترجم كتاب ( اللاهوت الطبيعي)  لريموند سيبوند وكتب مقدمات للطبعة التي نُشرت بعد وفاة لا بويتيه. لكن شيئاً فشيئاً انغمس مونتين في هذه العملية واكتشف نفسه  فيلسوفاً عفوياً وموفقاً.

أفكار سياقية

ينبغي تسليط الضوء على أربع سمات بارزة في كتابات مونتين.

 أولاً يكشف نص مونتين باستمرار عن نتائج واضحة دون شرح كيفية توصلهم إليها، يعرض مونتين أفكاره ضمن سياق ابتكارها نقاش، لقاء، قراءة نص، اضطرابات وحروب، اكتشاف العالم الجديد، عادات غريبة.

لهذا السبب يطلعنا على الكثير من نفسه، وعن علاقته بالمال، وصحته، وميوله الجنسية. إضافة لذلك يتسم أسلوب مونتين بالتقلب والاستطراد أُحب هذا الأسلوب الشعري بقفزاته الواسعة أسلوبي، وعقلي، يتيهان بالطريقة نفسها . هذه الفقرة ذات دلالة خاصة فكتابة مونتين هي تعبير عن الفوضى الطبيعية لعقله ورد فعل منهجي ضد تلك الفوضى. يتشكل الفكر من التجربة الحميمة ولكنه بطريقة ما يتعارض معها. كما أن شعرية الاستطراد تحمل دلالة الخيار الفلسفي (احتجاجاً على دوغمائية الفلسفة المدرسية). وهناك نقطة أخرى حيث يقتبس مونتين كثيراً (يوجد أكثر من 1300 اقتباس في المقالات معظمها باللاتينية). هذه الاقتباسات تنقل بحرية (وهذا يختلف تماماً عن الانتحال) فمونتين يستوعبها بل وأحياناً يحرفها لخدمة أغراضه الخاصة .

لا يُعدّ عمله عمل مؤرخ فلسفة، بل عمل روح حرة تفكر من منظور ثلاثة أنواع من التجارة (عنوان الفصل الثالث من الكتاب الثالث): التجارة مع الرجال، ومع النساء، ومع الكتب. وأخيراً، تشكّل المقالات نصاً تأملياً. فمن طبعة إلى أخرى، يضيف مونتين تعقيداً، ويدخل فروقاً دقيقة، واستطرادات جديدة وتحولات غير متوقعة في المنظور.

يسهم تاريخ نشر المقالات في إثراء معنى هذا الكتاب الفريد. وفي هذا التأمل الذاتي، يعيد المؤلف بناء نفسه قائلاً: ( لم أصنع كتابي بقدر ما صنعني كتابي. كتاب متجانس مع مؤلفه. كما أن لقوة كتاباته دلالة أخلاقية رفض الأكاذيب والخداع والهيمنة.

عمل سخي

هكذا ابتكر مونتين نوعاً فلسفًاً مقدراً له مستقبل  باهر

 المقالة. تشير الكلمة إلى نص نظري غير أكاديمي وتجربةٍ لنقاط قوته (الفحص والاختبار) وأيضاً إلى محاولة أولى، وتجربة تعليمية. هل المقالة بطبيعتها تثير الشك وبيرونية، كما يعتقد الباحث الكبير أندريه تورنون؟ على أي حال إنها فعل التقييم في جوهره. وتتلاقى هذه السمات المتنوعة نحو خاصية مركزية للعقل وفقاً لمونتين الكرم. هذا المصطلح ليس إيجابياً تماماً وأقصد في المجال الفكري. فبينما يدل على الطاقة، وحيوية الحياة، وعدم الرضا المثمر، فإنه يشير أيضا ًإلى التهور وقلة الوضوح  وهيمنة الحركة والسرعة على التأمل العميق لنتأمل فصل (في التجربة). لكن قوة كتابات مونتين، التي لا يمكن لأي قارئ منتبه أن يبقى غير حساس لها، لها أيضاً دلالة أخلاقية رفض الأكاذيب، والخداع والتمويه ( أنا عدو للأفعال الخفية والمزيفة، وأكره الخداع )، ورفض التفسيرات الدنيئة، ورفض الهيمنة.وانطلاقاً من هذه الطريقة في الفلسفة، التي اكتسبها من خلال كتاباته، قام مونتين بنظريته في (فن المحادثة)  والذي ربما يكون أجمل فصل في المقالات ، وهو بمثابة المفتاح لكتابات مونتين وفكره.

المشـاهدات 81   تاريخ الإضافـة 10/10/2026   رقم المحتوى 72715
أضف تقييـم