الإثنين 2022/7/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 43.95 مئويـة
نيوز بار
هذا مظفّر النوّاب .. المنفي من القلعة والمحراب
هذا مظفّر النوّاب .. المنفي من القلعة والمحراب
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

المسافة التي حمل فيها نعش مظفّر النوّاب من غربته الى العراق‘  وبين المسافة التي حملنا فيها العراق حلما كغرباء كانت طويلة وشاقة.

اتذكر جيدا كيف التقينا لأول مرة انا ومظفّر النوّاب.

كنت اسكن في شقة وسط دمشق مع الصديق الشاعر علي البزاز‘ حينما فاجئني البزاز بدعوته لمظفّر النوّاب من اجل امسية خاصة‘  في المكان الذي كنا نسكن فيه واختصر اللقاء‘  على مجموعة محددة من الاصدقاء‘ في ذلك المساء البهيج صلينا للغرباء.

كان مظفر ينوح كحمامة ضريح مهجور من الحناء والزيارات.

حتى اوشك نواحه ان يرتطم بالنجوم.

"هضيمه تحنن الشامت عليه ‘ وتشتمت بيه جثير كزازك بروحي ‘ واكولن هاي حنيه من اتلك بالحلم يسمر ‘ يجي القداح بيديه واعتك واطبج بحركه رفيف الريه ع الريه واكلك وين ها الغيبه ‘ سنه وبالحلم منسيه يطيف اشويه عاشرنا ‘ الصبح دنياك مكضيه" حين ذلك توقف كل شي القلق والانتظار والموت والعتمة.

نحن الغرباء الهابطون من احزاننا ننحدر في هذا المتكأ المعزول‘ من العالم لننشد تأوهاتنا وجراحاتنا.

كان مظفّر يشتعل في ذلك المساء لتنبعث من فهمه قصائد‘  لها طعم القصب والطين والبراري والعتب والحب

"حلاوة ليل محروكه حرك روحي حمرية كصب وعتبها اهواي ولا مريت ولا نشديت ولا حنيت وكالولي عليك اهواي  وعودان العمر كلهن كظن وياك يا ثلح اللي ما وجيت تعال بحلم احسبها الك جيه واكولن جيت يل عيناك فحل الكطه الكاطع جول يلي شوفتك شباج للقاسم ودخول السنة من الكاك يا في النبع واطعم عطش صبير ولا فركاك"

هذا هو مظفّر النوّاب ‘ ثقافة وشعراً وافكاراً وتراثاً وحساسية وعناداً ومبدأ وجرأةً ونضالاً وتمرداً وحكمةُ والهاماً وفلسفةً‘  " شلون اوصفك وانته دفتر وانه جلمه "هذا هو القرمطي الذي رفض كل العطايا والهبات والاغراءات.

هذا هو فقيه الشعر الذي كتب في رثاء الامام الحسين ( ع )‘ "كيف يحتزُ رأسُ العراقِ وكيف تقطّعُ أوصالُهُ ويطوف يزيد به في البلادِ وواهٍ من الإنكسارِ المريرِ بعين الرجالِ يمدون أيديهم لزمانِ لكم أكرموهُ ولم ألقَ مثل العراقِ كريماً خجولْ"

يموت مظفّر وهناك من يأتي ليمّثل بموته ليقتله مرتين‘  مرة عندما تُرك غريبا ومغتربا عن وطنه واهله.

" يا غريب الدار ‘ انها الاقدار ‘ كل ما في الكون مقدار" ومرة اخرى عندما تم استثمار موته وشحنه كبضاعة في صندوق خشبي.

وهذه واحدة من سخريات القدر ان يموت الشاعر‘  في احدى الدول التي اغضب شيوخها شعره.

حيث ينقل للعراق وبدل ان يقوم المشيعون بدفنه‘  قام هو بندفنهم ليعود بالريل  فجرا قبل ان تفز القطا‘  وقبل ان يصحو حمد ‘ وقبل ان تفوح رائحة الهيل‘ وقبل ان تتحنى الظفيرة بليلة مهر.

تركهم يعودون لمكاتبهم وقصورهم وحماياتهم‘  ليدفنوا فيها ومضى هو الى ابديته السرمدية.

"ياريل طلعوا دغش ‘ والعشق جذابي ‘ دك بيّه كل العمر ‘ ما يطفه عطابي تتوالف ويه الدرب وترابك ترابي وهودر هواهم ولك ‘ حدر السنابل كطه انا ارد الوك الحمد ما لوكن لغيره يجفلني برد الصبح وتلجلج الليره"

اين تولي وجهك يا مظفّر وقلبك المدفون‘  تحت الرمال الحارقة يرتعش من غضبه.

مع من تمضي والتهمة مرة شيعي ومرة شيوعي.

من يسمع صراخك ؟ الجواسيس ‘ ام العملاء ‘ ام الادعياء‘ ام من يريدون بيع الوطن خردة ؟ انت المنفي ( من القلعة ومن المحراب ).

لكنك تبقى نصير الاحرار والثوار.   نصير احلام الفقراء واليتامى.  لم تتعبك المنافي لكن المرض اتعبك.  " متعب مني ولا اقوى على حملي " لن يموت مظفّر النوّاب الحالم بوطن حر وآمن " وما زلت كما بالامس ‘ الوّح بالقلب لهم  ثم وداعُ يبقى ‘ ثم رحيل يترك في الروح محطة ".

المشـاهدات 98   تاريخ الإضافـة 24/05/2022   رقم المحتوى 14427
أضف تقييـم