
![]() |
بمناسبة ذكرى وفاة الكاتبة والصحفية المبدعة سلام خياط يسرّ " فنارات" نشر مقالها المهم الذي كتبته عن المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان المحرر عبد الحسين شعبان دعوة رحبة رحابة سماء ونبيلة نبل صلاة |
![]() ![]() ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
النـص : سلام خياط أديبة وصحافية عراقية - لندن لعلّها مجرد صدفة أن يولد طفل في مدينة تاريخية كالنجف، وفي حيّ من أحيائها بالذات، يدعى "عكد السلام". وربما هي محض مصادفة أخرى، أن يدرس ذاك اليافع إياه في مدرسة ابتدائية اسمها "السلام"، وفيما بعد "وادي السلام". ولكن هل هي الصدفة وحدها أن ينتقي ذلك الغلام، الذي شبّ عن الطوق، وبلغ بوابة الوعي، اسمًا آخر غير ما اختاره له أبواه. فينتقي دون الأسماء طرًا اسمًا حزبيًا، "سلام"، ظل يلازمة شابًا، ويلتصق به صفةً وهو رجل؟ حين حمل راية السلام، وطاف بها أرجاء المعمورة داعيًا لنشر العدالة وتعميم فرص السلام. بلى: إنه استهلال طفولي، ربما، لكنه استهلال دلالته عميقة الغور في تشكيل النسيج المتين البالغ الشفافية، الذي سيغلب على طبع وتطبّع الرجل، الذي يكرّم في شخصيته الشعب العراقي المستباح الحقوق. ما هي وشيجة دم تربطني بالدكتور شعبان لا، ولا أواصر قرابة أو نسب تشدّني إليه، وسيلتي إليه، ووسيلته إلي كلمة صدق ونقاء ضمير وإنسانية هدف. لم التقه إلّا مرات معدودة، ليس عبر مجالس سمر أو حفلات لهو أو على موائد طعام أو شراب، بل عبر ندوة أو حوار أو على صفحات كتاب يكتبه فأقرأه أو اكتبه فيقرأه، وتلك والله أسمى آصرة تجمع إنسانًا بإنسان. وقد ترقى على علاقات الدم والنسب والقربى والصداقات العابرة في هذا الكون الصاخب المتضارب النزعات، المشحون بالنزاع والثرثرة والنفاق والأباطيل والتصريحات الجوفاء والشعارات الخالية المضامين، عالم الجور واللّاعدالة واللّامساواة، وتغييب الحقوق وكبت الحريّات. يأتي رجل حرّ من أية أدلجة، شجاع دون ادعاء، (مع حق الاحتفاظ بأسماء القلة القليلة من رجال ونساء أحرار وشجعان)، يجاهر بأصدق نبرة وأعلى صوت، يعتلي كل منبر، ينتسب للمحرومين والمعذّبين والمستضعفين ومهضومي الحقوق، يحضّ ويحرّض على التصدي لكل أنواع القهر، والانتفاض ضد أي ظالم، واستعادة الحقوق، وتغليب روح العدالة، وإشاعة مبدأ سيادة القانون، وصولًا لتحقيق السلام على هذه على هذه الأرض، لينعم بنوها بخيراتها، ويتنعم بما فيها من جمال.
دعوة رحبة رحابة سماء نبيلة نبل صلاة نشر مبادئ العدالة والتسليم بحقوق الإنسان، ليس على بقعة محدودة، هي أرض أهله في العراق أو أراضي قومه وملته في البلدان العربية والإسلامية. إذْ يتسع مدى الرؤية لتتجلى كل دول المعمورة العالية العمارات المطأطئة فيها رؤوس البشر، اللامعة القشرة والمنخورة المشوهة من صميم النفس والروح والضمير. حين تهاتفني صديقتي... ) بالمناسبة، هي في أمريكا، وأنا في لندن، مهاد الحريّات والديمقراطية والقوانين)، وتحدثني عما يجري من انتهاكات وتجاوزات وقمع وإكراه وتغييب آراء واعتقال بالشبهة، والإدانة قبل المحاكمة والاتهام دون دليل.. و.. و.. أخاف. افزع.. ترتجف يدي وقلبي يرتعش! أتوسل اليها أن تختصر أو تكف... أرجوك دعينا من هذا... فقد لا نعدم أحدًا يسجّل أحاديثنا الساعة. وقد يأتي من يقتادني أو يقتادك بتهمة معاداة السامية أو سب الذات الإلهية أو نؤخذ بجريرة كراهية القطب الوحيد الأعظم ووفق معيار من لم يكن معنا فهو عدونا. حين أغلق الهاتف أستحي من ذاتي ويقرعني ضميري، ولا أملك إلّا أن أكابر لئلا أسميه خوفًا، خنوعًا أو خضوعًا أو جبنًا أو انحناءة ذل وخذلان. من زمن الريب والشبهات هذا، يأتي رجل شجاع (مرة أخرى... مع قلة قليلة من أفراد أحرار وشجعان)، لا يعدم وسيلة يشجب بها الظلم والاستبداد والعدوان، إلّا ركب مركبها واعتلى موجتها، بعالي الصوت وصدق النبرة وسمو المسعى، يجاهر بأحقية الإنسان في الحياة... حقه في التنقل، حقه في التفكير، حقه في المواطنة... يجاهر برأيه في الهاتف، فيما يكتب في الصحف أو ينشره في الكتب، فيما ينظمه أو ينظم له من ندوات وحوارات ولقاءات لا يكل ولا يمل، لا يبرر ولا يعتذر، كأنما وجد ضالته وسر وجوده عبر قضية الدفاع عن حقوق الإنسان، من كان وحيث ما كان. بدلًا من استعراض عضلاته، تحدث بأصالة غامرة عن عائلته ومنبته، ثم تحدث بوفاء نادر عن رفاق مسيرته زملائه وصحبه، ممن تعمقت صداقتهم أو بهتت منها الألوان، ثم أردفها بتجربته عبر انتمائه المبكر. ذكر الجواهري وشمران الياسري وسعدي يوسف ومظفر النواب والعبلّي والحيدري والجادرجي وآل الخرسان وآل بحر العلوم وآل الشبيبي، عشرات العشرات غيرهم ممن شاركوه طعم الفرح وذاقوا معه مرارة الخيبات. تحدث عن الروافد الكثيرة، التي صبت في قرارة روحه، وشكلت مسرى ومحتوى النهر العذب من الأفكار والنزاعات والرؤى، التجرد، النزاهة، الإخلاص في العمل، الموضوعية. من شرفات الشرق تنقل إلى بوابات الغرب، قباب ذهب ومنائر من شمس، بيوت وزنزانات، مدن وحواري وأزقة ومقاهي ومطارات، قطر وطائرات. وجوه ومفارقات من عمق الذات إلى سطوح المعاصرة، المنفلوطي، وسلامة موسى، ماركس ولينين وإنجلز، مكسيم غوركي وجاك لندن، تولستوي وسارتر وديبوفوار، كولن ويلسن وبريخت، تروتسكي والياس مرقص. من تشايكوفسكي إلى بالية البولشوي. من الوطن "الحلم" إلى اللّاوطن "الواقع"، من الشام إلى بيروت إلى براغ إلى عدن إلى جنيف إلى القاهرة إلى نيقوسيا إلى باريس إلى استوكهولم إلى برلين إلى موسكو... إلى إلى. من أناشيد السجون الأممية إلى قصائد مظفر النواب المفرطة في العاطفة والتشبيب. تلك المحطات وغيرها كثير، وقف هنيهةً أو طويلًا على ارصفتها الدكتور عبد الحسين شعبان، وأثرت حصّالته. شكلت نسيج أفكاره، وبلورت في قرارة روحة الأهداف والمبادئ ذات البعد الإنساني القانوني، أهداف سيعتلي صهوتها حتى آخر شوط وآخر رمق. وجاءت الهزائم تترى وعلى عجل فانتكاسة الحزب الشيوعي العراقي، هزيمة حزيران، قصف المفاعل النووي العراقي، ضراوة الهجمة الصهيونية، أحداث تشيكوسلوفاكيا، وربيع براغ، تفكك الاتحاد السوفيتي، تهاوي صروح التجربة الاشتراكية، الإسفار عن وجه الآيديولوجية الصهيونية دون مواربة،.. و.. و جرته كل تلك الأحداث طوعًا أو قسرًا. في الشعور واللّاشعور إلى إعادة التفكير واعادة تقييم المواقف وفرز صحيح للتجربة وخطل التطبيق. ولعلّي به وقد امتدت بصيرته، وتشعبت كشعاع عبر موشور ضوء، كمن يصحو من حلم يقظه: الإيمانية المطلقة بالشيء وضده بدأت تبهت، والانحياز المسبق للآراء والأفكار أخذ يتفكك، القناعات الراسخة القديمة بدأت تهتز، فلا الشك شك مطلق، ولا اليقين يقين مطلق. وكان حريًا بالذهن الفطن أن يأخذ موقفًا حازمًا وحاسمًا ممّا كان وفيما سيكون. حين قرر وارتأى خلع جبته السياسية غير نادم أو نادب حظ أو ملقيًا قبعة على صف احد لم يخلعها قسرًا أو اضطرارًا أو قهرًا أو تحت طائلة تعذيب وإكراه، أو تلويح بمغنم أو مكسب، بمنصب أو مال كما فعل ويفعل كثيرون. خلع جبتة عن قناعة ورضى، وحين خلعها، ارتدى جلده فحسب... لم يستبدل الجبة بعباءة، ما اعتمر عمامة أو كوفية وعقالًا، ما لبس طاقية أو خوذة أو قبعة. ترك رأسه طليقًا متحررًا من كل بوصلة، عابرًا الجهات الأربع نحو الاتجاهات أجمع منحازًا لقضية الإنسان، ظل حاسر الرأس معرضةً أفكاره للنور والضوء ولقاحات الطلع. عشرون أثرًا إنسانيًا ترك وما يزال واعدًا بالمزيد. آثاره تدل عليه، على منهجيته في البحث ودقته في المعلومة والرقم والتواريخ، وأمانته في النقل وصدقه في تحري المرجع أو المراجع. يكتب في السياسة ببلاغة أهل الأدب، ويكتب في الأدب برهافة أهل الفن، ويكتب في القوانين نبرة الشعر، وما الكتاب الذي قدم له عن احوال الإنسان وحقوقه في العراق غير قصيدة، رجع طويلة. حزن جليل مكابر يعلن عن موت الضمير العالمي عما يجري في العراق من مظالم يندى له جبين كل من له جبين. ومن يلاحظ دور النشر التي نشرت كتبه العشرين في عموم دول المشرق والمغرب لا يعجب إذا غاب اسم دار نشر عراقية في العاصمة بغداد تجرأت وأقدمت على نشر كتاب واحد من تلك المجموعة، التي تميزت بدقة المعلومة وقانونية الاتهام. وبعد... فأين المهرب إلى عالم لا خوف فيه ولا حيف ولا عنف.. لا ظلم ولا ظالمين، لا قامعين أو مقموعين. عالم لا استعلاء فية لطبقة على طبقة ولا لمذهب أو طائفة على انقاض مبدأ أو طائفة. عالم جميل آمن نظيف أضاميم ورد بدل قاذفات قنابل، عناق وقبل بدل الطعن من الخلف، مدارس ومشافي بدل مشاجب الأسلحة، حق العمل مكفول، حق الحياة مقدس. حلم..! نعم.. إنه حلم عبد الحسين شعبان وصحبه من دعاة حقوق الإنسان على امتداد المعمورة. لا..! إنه ليس حلم المتواكلين والكسالى والمتواطئين وذوي المصالح الخاصة وقصيري النظر..! نعم.. إنه حلم العاملين تحت الشمس، الذين اتقنوا كلمة لا ورفعوا سبابة التحذير! حلم حاملو رايات حقوق الانسان.. أليس هذا ديدن الفلاسفة والحكماء وقادة الرأي والمصلحين والمفكرين؟ أليس هذا مسعى الرجل الذي يكرمه اليوم مشكورًا البرنامج العربي لحقوق الانسان؟ ................................... من كتاب عبد الحسين شعبان - صورة قلمية: الحق والحرف والإنسان، البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2004. 13 / 3 / 2003 |
المشـاهدات 649 تاريخ الإضافـة 13/01/2024 رقم المحتوى 37477 |

![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |