الأحد 2025/8/31 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 29.95 مئويـة
نيوز بار
أماني منصور دراما شعريّة
أماني منصور دراما شعريّة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

ناصر أبوعون

 

في سائر نصوص الشاعرة المصرية أماني منصور نجد الحوار بصورتيه المنولوج والديالوج - أو ما يسمى اصطلاحا بـ(العُرْف اللحنيّ أو الصوتيّ الاجتماعي)- هو البوابة الرئيسة والعتبة الأولى التي يمكن للقاريء أن يدلف منها إلى أبنية القصيدة المتعددة التكوينات، وربَّما هذا المنحى في منهجية الكتابة لدى الشاعرة يعود لأسباب ترجع إلى بداية تكوينها الثقافيّ أو الممارسة المهنية في مجال التربيّة، أو ربّما رغبتها العارمة في تفكيك عالمها المُعاش والسعي حثيثًا نحو إعادة تشكيله وِفْقَ رؤى إبداعيّة أكثر انفتاحًا على سائر الأجناس الفنيّة متوسلةً في ذلك بمرونة وشساعة البِنَى التركيبيّة للعبارة في اللغة العربية. ومن جماليات الاشتغال على هذه التقنية أنْ وصلت بقصيدة أماني منصور إلى سِدرة ومنتهى الذّروة الدراميّة؛ وعند هذه النقطة تحديدًا تَتَبّدّد غيوم الإثارة والخطابية والبروباجندا من النصّ الشعريّ تحت شمس الحقيقة. على نحو ما نقرأه في هذا المقطع:[ذات قصيدة، فقدتُ قلبي/ أخذَتهُ الحروفُ وهاجرت/ حيث أسرت الروح، إليك..في محرابك../ تلوت ورد المحبة.. حفظت آيات العشقِ../ تيممت بطيفك حين عزّ اللقاء/ رقص قلبي كتبريز من نشوة التوحد/ عكف بمقامك وخلّاني وحيدة].

والرائع أيضًا في نصوص أماني منصور أننا نجد حالة من تضفير احترافيّ للحوار بالسَّرد تارة، وتناوب السّرد والحوار تارةً أخرى، وفي حالة ثالثة توظِّف الشاعرة السَّرد كمُقدمة تمهيديّة، وهذا يقتضي منها إبطاء الإيقاع، وهمِن ثَمّ يستدعي التحوّل بالخطاب الشعريّ نحو استلهام الذات واستبطانها، والدخول في حالة صوفيّة من التأمل، والتوغل في التفاصيل بغيةَ إحداث نوع من الانسجام بين الأسلوب الحكائي واستنطاق البوح المكبوت كلّما اقتربت خطوةً خطوةً من المونولوج الداخليّ مع خلق جوٍّ من الانسجام والتناغم بين الحوار والسرد.. وهنا تستوجب القراءة الواعية الإصغاء لما تقوله هنا الشاعرة:[الذكريات خائنة..تُجيد الاحتفاظ بالألم/ تستدعيه كلما حاولنا التغاضي / كلما حاولنا الإنكار مبتسمين لنحفظ الود/ أسكُنُ في جنبات الريح/ فتسكن بين جنبيّ/ تعوي كذئب جائع يلتهم سكوني/ تخبرني ألا ملجأ من عصف الذكرى/ وحده القلب من يقف عاريا محاولا الصمود في غرفة مظلمة]..

 وفي موضعٍ آخر تطغى على نصوص أماني منصور طاقة روحيّة مُشِّعة من (شعرية اللغة)؛ حيث تصبح الصور الشعريّة انعكاسًا للمعاني، وتستطيل أشجار الكلام في حديقة النصّ وتتفيأ ظلالها المجازات المتناسلة من رحم الإيقاع والسرد والحوار معًا، وهناك تحت هضاب البصيرة الصادقة يتدفق ماء الشعر من أنهار الحواس، ويسيل الإيقاع، فتتسع الرؤية وتتفجّر اللغة، ويثور بركان المعاني من تحت حمم الألفاظ المنصهرة تحت رماد التأويل.. على نحو ما نقرأه في هذا المقطع [حين ينزف القلب/ تترجل الأخيلة عن صهوة المعنى/ لا جدوى من المجاز/ لا فائدة للصور/ الكلماتُ خناجٌر تزيد النزف/ في عتمة الليل].

وفي مواضع أخرى من نصوص أماني منصور يتهادى الإيقاع بطيئًا، ثم فجأة، يلهث ويَقُدّنا من قُبُلٍ لنلحق به؛ حيث يتلاشى أحد أطراف الحوار، وبعده يتلاشى الطرف الثاني، ثم تظهر شمس السَّرد لتكشط ضباب الحوار من المشهد كليةً، فيتناثر كالسحب العِجَاف في سماء النصّ، ويمكن قراءته على شَكْل برقيَّات قصيرة؛ على مثال هذا المقطع.. [في ليال طال فيها غياب القمر../طال فيها ليل الشتاء/ بات قلبي يرتجف/ لم تكن المسافة بيننا سوى نقرة إصبع../عبارةٌ تومض في قلبي/ تطوي أميالا ومسافات وعمر ضائع/ نقرة.. تعيد السابق من الأحلام/ تنثره على قلبي لتزهر].

وفي الأخير يمكننا القول إنّ الشاعرة اماني منصور في نصوصها استعارت "تقنيات السرد والحوار" من بذرة الحكاية التي نبتت في شعرنا العربي القديم، ومن حالة المشهديّة التي ترتكز عليها الدراما في تعاطيها مع المشكلات المجتمعية، وعلاقات القربى بين الشعر وسائر الفنون، وخاصةً الدراما التي تشحنه بالتوتّر والصراع الداخلي، وأيضًا من القصة القصيرة وسوى ذلك.

المشـاهدات 243   تاريخ الإضافـة 31/08/2025   رقم المحتوى 66163
أضف تقييـم