الإثنين 2026/3/9 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
مرايا رمضان زيدان الكاذبة
مرايا رمضان زيدان الكاذبة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبو عون

تفتّحت زهرة رمضان عبد الحميد زيدان الشِّعريّة في قلب محافظة (سأوت/ أسيوط) المصريّة حارسة التَّسامح والتعايش السلميّ بين الأديان، ومازالت تتفتح أوراقها وتستطيل ساقها لتربّت على كتف السحاب، وتتراقص على إيقاع موجة خليليّة، ولم تكسر عُودَها ريح الحداثة التي هبَّتْ على شِعْر قوم فأهلكته وأسقطت هيبته، وقصفت منارات قداسته فصار مَسْخًا.

في قراءتي لقصيدته (المرايا الكاذبة) سقطت فكرة من آثار جاك دريدا على سطح القصيدة فاستضاء النصّ، وأيقنتُ أن القصيدة هي التي وضعت سن ريشتها في وريد الشاعر، وكتبت الشاعر، وليس هو من كتبها؛ حيث الكتابة أصلٌ وليست فرعًا؛ بل جوهرٌ سبق (ضمير المتكلم)؛ ومن ثمَّ نجد الكتابة تُهيمن على صوت الشاعر؛ لتتحوّل إلى أداة وجود لا انعكاس لوجود الشاعر:(ورق القصائد قد تقطب وجهه)؛ لتؤكد أنّ لها وجهًا سبق وجود وجه الشاعر، وأنّ وظيفة القصيدة تتمحور حول تشكيل الهويّة وتغييرها في آنٍ واحد: (بدّلتُ وجهي عند كل قصيدة)؛ وبناءً على ما تقدّم يمكننا القول: إنَّ قصيدة المرايا الكاذبة كتبت الشاعر، وليس هو من كتبها.

ووفق رؤية جاك دريدا ومع التماهي في قراءة القصيدة نكتشف أن رمضان زيدان يتحلل في شبكة العلاقات اللغوية، وتتنقل ذاته الشاعرة بين مجموعة من الصور الشعرية المتناقضة، ويترك نفسه للغةٍ لتعيد ترتيب الشاعر بوصفه وظيفة نحويّة والذي يمارس لُعبة لغوية معقدة للكشف عن (الهويّة واللغة والقصيدة)، في ظل دوران القصيدة في فضاء لا مركز له، وليس لها مرجعية ثابتة.

وعلى منحى آخر لعبت اللغة الصافية دورًا محوريا في الكشف عن الـ(أنا)، وكيف كانت تتبرعم في تُربة الاستعارات المتضادة:(موسى – فرعون/المصلوب – العاصي/ الجنوب – الشمال/ الرمل – العصا)، ولكن في ظل هذه الاستعارات لايمكننا القبض على الهُويّة لسبب بسيط: لأنها دائرة بلامركز، وأنّ الـ(أنا) انعكاس صارخ لذوات متعددة تتماهى في خلفية النص، وتغزلها اللغة.

ومن ثَمَّ نجد الـ(الأنا) بِناءً لغويا متشظيًّا وليست جوهرًا، وإن كانت في ظاهرها تبدو مركزًا للكلام؛ ولكن رؤية جاك دريدا تُرينا كيف يتقوّض هذا المركز ويتداعى من الداخل:(وأعود تحملني خُطاي/ الآن لا وجه سيعرفني به/ لا وجه لي / أنا السراب/ ما كنتُ بل كانت خطاي الراغبة).

وعلى المقلب الآخر نجد القصيدة تمارس سلطتها، فترجيء المعاني تارةً، وتمارس سطوتها تارةً أخرى، وتعطل ديناميكية وحركية المعاني دائمًا، ومن ثمَّ نجد كل صورة شعرية داخل القصيدة تنقلنا إلى صورة أخرى، بل تؤجل معناها إن لم تنقض غزلها: (أنا السراب إذ الحقيقة غائبة) والسراب هنا تعبير عن غياب الدلالة، ويحيلنا إلى الحقيقة التي تحيل بدورها إلى غيابها، والمعاني تصير لكينونة أخرى، أو تتحوّل إلى أشياء غير مكتملة:(أمضي إلى اللاشيء) وهذا (اللاشيء) ليس معنى بل انكسار للمعنى. ونلحظ أيضًا أن القصيدة تنبني على حركة الانزلاق بين الدلالات. وبدلا من أن تكون المرايا أداة لتثبيت الهُويّة تتحوّل إلى أداة تنفي الهُويّة: (وجهي/ مرايا/ كاذبة).

وبالعودة إلى أدبيات رولان بارت وجاك دريدا معًا نلحظ تواري الذات المُتكلِّمة وموت المؤلف بإعلان فناء (الهُويّة الثابتة)، وبقاء الكتابة كدوّامة إبداعيّة تبتلع الشاعر الذي لم يَعُد مركزًا، بل مجرد حركة داخل شبكة العلامات: (وبقيت تخدعني المرايا الكاذبة)؛ فالذات هنا صارت أثرًا لا جذور لها، والكذب غدَا مُعادلا للانزياح الدلاليّ، والمرايا أضحتْ تساوي اللغة.

وعلى صعيد تفكيك الخطاب الوجوديّ لاحظنا كيف تتشبث الذاتُ بالمرجعيات (الأخلاق/ النيل/ موسى/ الجنوب)؛ لكنّها تعود فتنقض غزل منظومة المرجعيات بنفسها، بما يشي لنا بأنَّ (المعنى مُؤسَّس عَلى عدمِ استقراره)، وتتنقّل بنا القصيدة على حركيّة بندول الساعة الحائطية ما بين ثيمة الحزن وثيمة تفكك الوجود:(أحتاج معجزة الحياة/ جسدي على هذا الصليب معلق/ الآن تنكرني الجهات جميعها/ لا وجه لي). إذن القصيدة ليست عن ضياع الشاعر بل عن ضياع المعنى والهُويّة.

وعلى صعيد تفكيك الثنائيات الهرميّة داخل القصيدة، والتي تم تقويضها (1) (الحضور – الغياب):[الحقيقة غائبة = الغياب هو الأصل/ المرايا كاذبة = الحضور انعكاس زائف/لا وجه لي= غياب الحضور]. إذن الحضور أثر للغياب. (2)(الجنوب – الشمال) فالجنوب يرمز لللخصوبة والأصل؛ ولكنه يتحوّل إلى (القحط/ الجنوبي الذي أخلاقه/ امتداد منابع النيل نحو الشمال)؛ إذن لا أصل بلا امتداد، ولا جنوب بلا شمال، فكل طرف يعيد إنتاج الأخر. (3) (المقدس- الدنيويّ) وهنا تشتد جدلية الصراع بين (موسى وفرعون- المقدس والسلطة) ويظلان في حالة شد وجذب، ولا أحد ينتصر، بل كليهما له وظيفة بلاغية لا جوهران مقدسان. (4) (الشاعر – القصيدة) وأيضا في إطار جدلية الصراع تتحوّل القصيدة إلى خصم، للشاعر وهو ليس كاتبا للقصيدة، بل هي التي تكتبه: (غابت سدى خلف الشموس الغاربة / قد خانني شعري/ ورق القصائد قد تقطّب وجهه).

كانت هذه القراءة محاولة لتقويض أي ادعاءات بثبات المعاني، وليست بحثا عن المعنى الحقيقي للقصيدة، بل أيضا محاولة لفهم جوهر التفكيك الدريدي فاكتشفنا: أنه لا هويّة بل مرايا كاذبة، ولا حقائق بل اختلافات، ولا حضور بل مجرد آثار. ومن ثمّ تحولت القصيدة إلى نصّ تحكمه الاختلافات، ويتفكك عبر ثنائيات تتبادل الأدوار، وكتابة تستعيد سيادتها على الصوت، وتختفي الذات لصالح النص، وبلا هوية ثابتة.

المشـاهدات 912   تاريخ الإضافـة 30/11/2025   رقم المحتوى 68558
أضف تقييـم