قصة قصيرة :
.....أشـواك الـسـوسـن ....![]() |
| قصة قصيرة : .....أشـواك الـسـوسـن .... |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : وسيلة أمين سامي / اليمن
عندما ارتمى المساء في أحداق نهاري سارعت الشمس للاختباء في موطنها النائي البعيد ، أسرعت خطوات القمر لتدل نظراتي الحيرى لذاك القبر الصغير الرابض بصمت ووداعة في أقصى المقبرة . زمن طويل مضى مذ تركت هذا المكان . عدت الٱن لتفتح الذكريات جفنيها وتلفظ ظلام النسيان وتحتضن شروق ماض بعيد . تبعثرت الأيام في أزقة ( حارة المظفر ) في مدينة تعز القديمة التي يتوسطها المسجد الجامع المعروف بجامع (المظفر ) الذي أضفى على المدينة جمالا وسحرا بديعين ، مايزال هناك أطفال يحملون أوعية لجلب الماء ، ماتزال أوردة هذه البقعة تتمزق من الظمأ ، ويقاسي أهلها كثيرا شحة الماء . عصفت النسمات متناسية رقتها وعذوبتها تملأ المكان بصوت أشبه بالأنين ، وحول القبر الصغير أينعت زهور الأقحوان بألوانها الأشبه بأولى زفرات الشفق ومالت بأعناقها النحيلة وكأنها تحاول محو وحشة المكان . اقتربت خطواتي أكثر ، رأيت اسمها مازال محفورا على شاهد قبرها : ( سوسن ) استيقظت ذكراها ، ذكرى تهدهدها الأنات ، ويتماهى الحزن مع خيوط أثوابها . شممت الماضي ، لمسته ، رأيته يتعملق في وجه النسيان ، مازال الماضي غضا طريا لم تجعده كل تلك السنون التي مرت وداست عليه ، عدت أركض في دروب الطفولة ، ( سوسن) رفيقتي .. كثيرا مالهونا معا في أزقة حارتنا القديمة ، حملتنا ضحكات الفرح وتمادى بنا الخيال حتى أوصلنا لأعالي الغيوم فتسللنا إلى مواقع النجوم وفتحنا أبواب القمر ، كانت أزمة المياه ٱنذاك تخنق الجميع ، كنا نحن أطفال الحي نحمل كل صباح أوعية لجلب الماء إما من الجامع أو من شاحنات تأتي إلى الحارات تحمل الماء . في صباح يوم من شهر ٱذار رأيت رفيقتي سوسن مشرقة تكاد تكون أكثر اشراقا من ذاك الصباح ، ناديتها لنلعب سوية ، كانت مسرعة تحمل بيد وعاء الماء وبالأخرى دميتها الجميلة ، وعدتني بصوتها المفعم بالفرح أنها ستعود إلي بعد جلب الماء من شاحنة جاءت إلى الحي . جلست أنتظر ، كان وعدها تترجمه طفولتي بأنه وعد جميل تنتحر القتامة عند الوانه الزاهية ، لكن سوسن لم تعد ، اختنق صوتها ، اغتيل موعدنا الجميل ،شاهدت أناسا يركضون وهم يصرخون بفزع ، عرفت أن سوسن حاولت أن تسبق الجميع ، فحشرت تحت تلك الشاحنة بسبب الزحام فسحقها محركها وهو يجذبها من شعرها الطويل . ماتت الطفلة ميتة مفجعة في مشهد يصعب تصديقه واسيعابه، رأيتهم يحملون أشلائها بعيدا وأنا مذهولة لاأصدق ماأرى . وعلى ذلك الطريق أحسست أن خطواتها مازالت دافئة وعيناها ترمقانني بفرح راحل ، رأيت في منامي ذاك المساء ملعبنا خربا تنعق فيه الغربان وتنسج العناكب في محيطه وجوها مخيفة وفي عيني دميتها مايشبه الدموع وعلى كفيها الغارقتين بدماء سوسن جناح يمامة مكسور ، استيقظت فزعة ،صرخت كثيرا وعجز حضن أمي أن يمحو حزن قلبي الصغير ، أو أن يبعث الدفء في أطرافي المرتجفة . يالذاك الوجع الذي مازال يستعيد مشهده حتى هذه اللحظة ، احتضنت شاهد قبرها والعينان تفيضان دمعا . كبرتُ أنا لكنها أبدا لن تكبر مازالت ترتع في حقول الطفولة الخصبة في ذاكرتي ، توقف الزمن عند جديلتيها الطويلتين .. كانت أول دمعة أحرقت بزوغ الفجر تحت أهداب عيوني ، وأولى أنفاس الحزن في ناي أوردتي ، كانت أول من هجاني أبجدية الفراق ، رحيلها السريع وقاها رؤية الوجه الٱخر للحياة ، الوجه الٱخر لما بعد النهار ، رحيلها كان رؤوفا بها قاسيا علي ،وعجزت السنين وهي تمر سنة تلو أخرى أن ُُتبلي ذكرى ذلك الجسد المتناثر على طريق الظمأ في مدينتي العطشى . +++++ فبراير 2012/ |
| المشـاهدات 1511 تاريخ الإضافـة 27/12/2025 رقم المحتوى 69334 |
أخبار مشـابهة![]() |
وصول رواية ((منام القيلولة)) للروائي امين الزاوي للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية |
![]() |
رحيمة الجابري: المسابقة شهدت مشاركة لافتة تعكس تزايد الاهتمام بمجال التأليف المسرحي
10 نصوص مسرحية في القائمة القصيرة لمسابقة الجمعية العُمانية للمسرح |
![]() |
تونس الخضراء: قصة أرض لا تستكين ونضال شعبٍ أَبِيّ
|
![]() |
الفنانة براء الزبيدي: قصة مسلسل (بدل تالف) قريبة من حياتي الواقعية |
![]() |
قصة قصيرة
دمعة واحدة تكفي |
توقيـت بغداد









