الثلاثاء 2026/4/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 22.01 مئويـة
نيوز بار
قصة قصيرة : .....أشـواك الـسـوسـن ....
قصة قصيرة : .....أشـواك الـسـوسـن ....
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

وسيلة أمين سامي / اليمن

 

عندما ارتمى المساء في أحداق نهاري سارعت الشمس للاختباء في موطنها النائي البعيد ، أسرعت خطوات القمر لتدل نظراتي الحيرى لذاك القبر الصغير  الرابض بصمت ووداعة في أقصى المقبرة .

زمن طويل مضى  مذ تركت هذا المكان .

عدت الٱن لتفتح الذكريات جفنيها وتلفظ ظلام النسيان وتحتضن شروق ماض بعيد .

تبعثرت الأيام في أزقة ( حارة المظفر )

في مدينة تعز القديمة التي يتوسطها المسجد الجامع المعروف بجامع (المظفر ) الذي أضفى على المدينة جمالا وسحرا بديعين ، مايزال هناك أطفال يحملون أوعية لجلب الماء ، ماتزال أوردة هذه البقعة تتمزق من الظمأ ، ويقاسي  أهلها كثيرا  شحة الماء  .

عصفت النسمات متناسية رقتها وعذوبتها  تملأ  المكان بصوت أشبه بالأنين ، وحول القبر الصغير  أينعت زهور الأقحوان بألوانها الأشبه بأولى  زفرات الشفق ومالت بأعناقها النحيلة وكأنها تحاول محو  وحشة المكان .

اقتربت خطواتي أكثر  ، رأيت اسمها مازال محفورا على شاهد قبرها : ( سوسن ) استيقظت ذكراها ، ذكرى تهدهدها الأنات ، ويتماهى الحزن مع خيوط أثوابها . شممت الماضي ، لمسته ، رأيته يتعملق في وجه النسيان  ، مازال الماضي غضا طريا لم تجعده  كل تلك السنون التي مرت وداست عليه ، عدت أركض في دروب الطفولة ، ( سوسن) رفيقتي .. كثيرا مالهونا معا في أزقة حارتنا القديمة ، حملتنا ضحكات الفرح وتمادى بنا الخيال حتى أوصلنا لأعالي الغيوم فتسللنا إلى مواقع النجوم وفتحنا أبواب القمر ، كانت أزمة المياه ٱنذاك تخنق الجميع ، كنا نحن أطفال الحي نحمل كل صباح  أوعية لجلب الماء إما من الجامع أو من شاحنات تأتي إلى الحارات تحمل الماء .

في صباح يوم من شهر ٱذار  رأيت رفيقتي سوسن مشرقة تكاد تكون أكثر اشراقا من ذاك الصباح ، ناديتها لنلعب سوية ، كانت مسرعة تحمل بيد وعاء الماء وبالأخرى دميتها الجميلة ، وعدتني بصوتها المفعم بالفرح  أنها ستعود إلي بعد جلب الماء من شاحنة جاءت إلى الحي .

جلست أنتظر  ، كان وعدها تترجمه طفولتي بأنه وعد جميل تنتحر القتامة عند الوانه الزاهية ، لكن سوسن لم تعد ، اختنق صوتها ، اغتيل موعدنا الجميل ،شاهدت أناسا يركضون وهم يصرخون بفزع ، عرفت أن  سوسن حاولت أن تسبق الجميع ، فحشرت تحت تلك الشاحنة بسبب الزحام فسحقها محركها وهو يجذبها من شعرها الطويل .

ماتت الطفلة ميتة مفجعة في مشهد يصعب تصديقه واسيعابه، رأيتهم يحملون أشلائها  بعيدا وأنا مذهولة لاأصدق ماأرى .

وعلى ذلك الطريق أحسست أن خطواتها مازالت دافئة وعيناها ترمقانني بفرح راحل  ، رأيت في منامي ذاك المساء ملعبنا خربا تنعق فيه الغربان وتنسج العناكب في محيطه وجوها مخيفة وفي عيني دميتها مايشبه الدموع وعلى كفيها الغارقتين بدماء سوسن جناح يمامة مكسور  ، استيقظت فزعة ،صرخت كثيرا وعجز حضن أمي أن يمحو  حزن قلبي الصغير ، أو أن يبعث الدفء في أطرافي المرتجفة .

يالذاك الوجع الذي مازال يستعيد مشهده  حتى هذه اللحظة ، احتضنت شاهد قبرها

والعينان تفيضان دمعا .

كبرتُ أنا  لكنها أبدا لن تكبر مازالت ترتع في حقول الطفولة الخصبة في ذاكرتي ، توقف الزمن عند جديلتيها الطويلتين  .. كانت أول دمعة أحرقت بزوغ الفجر  تحت أهداب عيوني ، وأولى أنفاس الحزن في ناي أوردتي ، كانت أول من هجاني أبجدية الفراق ، رحيلها السريع  وقاها رؤية الوجه الٱخر  للحياة ، الوجه الٱخر لما بعد النهار ، رحيلها  كان رؤوفا بها قاسيا علي ،وعجزت السنين وهي تمر  سنة تلو  أخرى أن ُُتبلي ذكرى ذلك الجسد المتناثر على طريق الظمأ في مدينتي العطشى .

          +++++

فبراير 2012/

المشـاهدات 1511   تاريخ الإضافـة 27/12/2025   رقم المحتوى 69334
أضف تقييـم