هيكل: شاهد أم صانع؟
( الجزء الاول )
![]() |
| هيكل: شاهد أم صانع؟ ( الجزء الاول ) |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص :
من شوارع الحسين إلى أروقة السلطة: البداية التي صنعت الصحفي .
محمد حسنين هيكل لم يولد في قصر ولا جاء إلى الحياة بمفتاح مكتبة سرية تفتح له أسرار العالم. وُلد في حي الحسين، قلب القاهرة الشعبي، حيث تختلط رائحة البخور بصخب الباعة، وحيث تُعلّم الشوارع الإنسان درسًا مبكراً: ليس كل من يدرس يُبدع، وليس كل من يبدع يُعرف من البداية.
هيكل لم يكن نجماً دراسياً، ولا عبقرياً تتهافت المدارس عليه. درس في مدارس عادية، ثم تخرّج بدبلوم تجارة. لكنه كان يملك شيئاً لا يُدرّس في الجامعات: شغفاً عميقاً بالصحافة، فضولًا لا يهدأ، وقدرة على رؤية العالم كما لم يره أحد من حوله.
كانت اللحظة الفارقة صدفة، كما يحدث دائماً مع من يملك حاسة الفرصة. محاضرة عن الصحافة ألقاها سكوت واتسون، الصحفي الإنجليزي المعروف، في الجامعة الأمريكية. في نهاية المحاضرة، جاءه العرض المذهل: “اللي حابب يتدرّب معانا… الباب مفتوح”.
في 8 فبراير 1942، دخل هيكل عالم الصحافة من أوسع أبوابه. لم يدخل بهدوء؛ دخل بكل اندفاع شاب يرفض التراجع. (الإيجيبشن جازيت) لم تكن مجرد جريدة إنجليزية، بل نافذة على العالم في قلب مصر التي تعيش الحرب العالمية الثانية. هنا بدأ في صفحة الحوادث، بمهمات شبه إدارية، لا تلمع، ولا تصنع نجوماً… على الأقل في البداية.
ثم جاءت المهمة التي كانت اختباراً حقيقياً للجرأة والصبر: إجراء استطلاع رأي مع 100 من ما يسمّون بالعاديات، حول قرار حكومي محتمل بإلغاء البغاء، وجمع صور وبيانات كاملة. كان الهدف من هذا التحقيق الحد من ظاهرة انتشار الأمراض الجنسية بين صفوف الجنود الحلفاء في مصر، وجعل القضية مسألة صحية واجتماعية عامة. المهمة لم تكن مجرد عمل صحفي، بل تحدياً أخلاقياً واجتماعياً: الدخول إلى عالم يعرفه القليل، وتحويله إلى مادة مكتوبة تُقرأ على أوسع نطاق، وكشف ما يُخفى خلف أبواب مغلقة عن واقع مجتمع كامل.
الخوف كان حقيقياً، لكنه لم يُوقفه. جلس، فكّر، ووجد طريقه. في مقهى قريب، التقى بسيدة مسنّة تُنادى “المعلّمة”، أعطته الفرصة لمتابعة التحقيق من مقعده، تحت إشرافها. وبساعات قليلة، أجرى هيكل استطلاع الرأي بالكامل، وشرب القهوة على حساب المعلّمة، بينما كان عالم الصحافة يكتشف شاباً لا يعرف المستحيل.
تحقيقه نُشر، وأحدث صدى واسعاً. من هنا لم يعد مجرد متدرّب، بل أصبح اسماً يُلتفت إليه. تبع ذلك تحقيق عن الملاريا، ثم تغطية الحرب في العلمين، وانتقاله إلى روز اليوسف حيث كتب بالعربية لأول مرة، وبدأ يلمع في أروقة السلطة.
كانت البداية، مرحلة التكوين. مرحلة تعلم فيها هيكل: متى يكتب، ومتى يصمت، وكيف يُحوّل القلم إلى أداة تؤثر في الرأي العام، وربما… في التاريخ نفسه.
أما ما سيأتي بعدها، فليس مجرد صعود صحفي، بل رحلة نحو القرب من السلطة، حيث سيصبح شاهداً على الأحداث، وصانعاً لها في الوقت نفسه.
يتبع… |
| المشـاهدات 29 تاريخ الإضافـة 03/01/2026 رقم المحتوى 69490 |
أخبار مشـابهة![]() |
حين تكون الكتابة عن المبدعين خطابا معرفيا (مقالات الدكتور ياس خضير البياتي)
|
![]() |
الفنان ماجد أبو زهرة في مسلسل ((بيت الطين)) بالجزء السادس
|
![]() |
( قصير فستان صبري )
قراءة في مجموعة الشاعرة - ميادة مهنا سليمان
( قصير فستان صبري )
قراءة في مجموعة الشاعرة - ميادة مهنا سليمان |
![]() |
أوروبا بين خوف الحدود وأوهام القوة... لماذا تُبقي الحرب مفتوحة في أوكرانيا؟
قارة تبحث عن أمنها في حربٍ تستنزفها… وتخشى السلام كما تخشى الهزيمة |
![]() |
الذكاء الاصطناعي ولغتنا العربية... بين فرص النهوض بها أم مخاوف التلاشي |
توقيـت بغداد









