هيكل: شاهد أم صانع؟
صعوده المهني وعلاقته بجمال عبد الناصر.
(الجزء الثاني)
![]() |
| هيكل: شاهد أم صانع؟ صعوده المهني وعلاقته بجمال عبد الناصر. (الجزء الثاني) |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص : مع نهاية الجزء الأول، وقفنا عند بدايات محمد حسنين هيكل في عالم الصحافة، الشاب الطموح الذي اقتحم أبواب المهنة على مصراعيها رغم صغر سنه، وبدأ يلمع بسرعة بين زملائه. الآن، نتابع مسار صعوده المهني ونقترب أكثر من العلاقة المعقدة مع الرجل الذي سيطر على مصر بعد ثورة يوليو 1952: جمال عبد الناصر.
في الأربعينيات، كان هيكل لا يزال صحفيًا ناشئاً، لكنه لم يكن مجرد مراقب حيادي للأحداث. في سنة 1944، كتب مقالًا بعنوان "في يوم عيدك اكتبها يا مولاي"، يتغزل فيه بالملك فاروق ويستعرض إنجازاته، وفي الذكرى الثامنة لجلوس الملك على العرش، بدا المقال كبداية لزرع نمط من التضليل الإعلامي، الذي أثار جدلًا لاحقاً. جائزة الفاروق للصحافة كانت أول أوسمة النجاح التي حصل عليها هيكل ثلاث مرات، لكنها لم تكن آخر قصة جدلية في مسيرته.
ومع الإطاحة بالملك فاروق ومجيء الضباط الأحرار، تحول هيكل فجأة إلى صحفي ثوري، مؤيداً بكل جوارحه للثورة، ويدّعي أنه كان قريباً من عبد الناصر قبل الثورة، وأنه قابل الزعيم في حرب فلسطين، وأجرى معه مقابلة، ثم كتب عن شجاعته في المعارك. إلا أن الحقائق التي ظهرت لاحقاً كشفت أن اللقاء لم يكن مع عبد الناصر، بل مع جلال الندا، وأن عبد الناصر كان محاصراً في منطقة الفلوجة. زكريا محي الدين، محمد نجيب، جمال حماد، وجلال الندا جميعهم نفوا أي علاقة له بالضباط الأحرار قبل الثورة، مؤكدين أن هيكل لم يكن له دور في التخطيط للثورة.
لكن، مهما كانت الادعاءات التاريخية، لا يمكن إنكار شيء واحد: بعد الثورة، أصبح هيكل الرجل الأقرب إلى السلطة. عبد الناصر اعتمد عليه بالكامل، وصار يكتب له كل خطاباته، بما في ذلك كتاب التنحي الشهير، ليصبح بذلك صانعاً وموجهاً للخطاب الرسمي للدولة، بينما كان الصحفي نفسه يحترف تصوير نفسه على أنه الشاهد والحكيم وراء كل قرار.
في الخمسينيات، تولى هيكل رئاسة تحرير الأهرام في عمر مبكر، وبدأ في صقل مؤسسته الإعلامية، جالباً صحفيين كبار، وبانياً شبكة علاقات مع زعماء العالم. ومع ذلك، بقي الوجه الآخر للرجل يظهر من خلال مبالغاته في رواية الأحداث، ومحاولاته تصوير نفسه كصانع التاريخ أكثر من كونه مجرد موثق له.
خلال هذه المرحلة، أصبح هيكل أكثر من مجرد رئيس تحرير أو مستشار إعلامي؛ صار شخصية محورية بين الإعلام والسياسة، يعرف كيف يقرب نفسه من السلطة، وكيف يحافظ على تأثيره داخل المؤسسة وخارجها. لكنه لم يكن بلا جدل: مقالاته كانت تثير التساؤلات حول ولائه، وادعاءاته التاريخية لم تكن دائماً دقيقة، وهو ما جعل صورته معقدة بين الصحافة والسياسة، بين الحقيقة والمبالغة، بين الشاهد والصانع.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة في حياته، مليئة بالصراعات والتحديات، مع السادات وما بعدها: صراع بين ولاء الصحفي واستقلالية الكاتب، بين دوره كوسيط إعلامي وبين تحليله السياسي الصريح. مرحلة ستكشف لنا الوجه الحقيقي لمحمد حسنين هيكل، الرجل الذي عاش على مفترق الإعلام والسياسة، وصاغ صورة مصر الحديثة بأقلامه، وأحياناً، بخيالاته.
ولذلك، لا يزال القارئ يتوق لمعرفة ما سيأتي في الاجزاء القادمة، ليكتشف كيف واجه هيكل تحديات السلطة، وكيف رسم التاريخ في كل مقال وكتاب، بين الحقيقة والمبالغة، بين الواقع والخيال. |
| المشـاهدات 57 تاريخ الإضافـة 05/01/2026 رقم المحتوى 69498 |
أخبار مشـابهة![]() |
أزمة جديدة تثير تساؤلات حول الديمقراطية الأمريكية
|
![]() |
اتفاقية خور عبد الله بين المهاترات السياسية والحقوق السيادية
|
![]() |
هيكل: شاهد أم صانع؟
( الجزء الاول )
|
![]() |
أوروبا بين خوف الحدود وأوهام القوة... لماذا تُبقي الحرب مفتوحة في أوكرانيا؟
قارة تبحث عن أمنها في حربٍ تستنزفها… وتخشى السلام كما تخشى الهزيمة |
![]() |
الذكاء الاصطناعي ولغتنا العربية... بين فرص النهوض بها أم مخاوف التلاشي |
توقيـت بغداد









