الأربعاء 2026/1/7 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
اللغة العربية في الإعلام الجديد… هل تنهض أم تتراجع؟
اللغة العربية في الإعلام الجديد… هل تنهض أم تتراجع؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

لم تعد العربية اليوم محصورة في صفحات الجرائد الورقية أو نشرات الأخبار التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى فضاءات الإعلام الجديد بكل ما يحمله من سرعة وانتشار وتنوع في المنصات والأشكال. ومع هذا الانتقال، تفجّر سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح: هل تشهد العربية نهضة حقيقية في الإعلام الجديد، أم أنها تتعرض لتراجع مقلق يهدد مكانتها ووظيفتها الثقافية والمعرفية؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه بإطلاق أو تبسيط، لأن الواقع يكشف عن مسارين متوازيين؛ أحدهما يبشر بالفرص والآخر ينذر بالمخاطر.لقد أتاح الإعلام الجديد للعربية مساحة غير مسبوقة من الحضور. فالملايين من المستخدمين العرب يكتبون يومياً بالعربية على منصات التواصل الاجتماعي، وينتجون محتوى متنوعاً يشمل الأخبار والرأي والثقافة والترفيه والتعليم. هذا الحضور الكثيف لم يكن متاحاً في الإعلام التقليدي الذي كانت تتحكم فيه مؤسسات محدودة ومعايير تحرير صارمة. اليوم، أصبح أي فرد قادراً على أن يكون منتجاً للنص العربي، وأن يصل بكلماته إلى جمهور واسع عابر للحدود. من هذه الزاوية، تبدو العربية وكأنها استعادت شيئاً من حيويتها الشعبية، وتحررت من النخبوية التي كانت تحاصرها أحياناً.كما أن الإعلام الجديد أسهم في تجديد أشكال التعبير بالعربية، فظهرت أساليب كتابة أقرب إلى الحياة اليومية وأكثر تفاعلاً مع قضايا الناس. وانتشرت المبادرات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط اللغة العربية، أو تعليمها لغير الناطقين بها، أو إعادة تقديمها للأجيال الشابة بوسائل جذابة تعتمد على الصورة والفيديو والإنفوغرافيك. هذا كله يعكس وعياً متزايداً بأن اللغة كائن حي، وأن قدرتها على البقاء مرهونة بقدرتها على التكيف مع التحولات التقنية والثقافية.غير أن هذه الصورة المضيئة لا تلغي وجهاً آخر أكثر قتامة. فالإعلام الجديد، بما يتسم به من سرعة وتلقائية وغياب الرقابة اللغوية، فتح الباب واسعاً أمام أخطاء لغوية فادحة، وأمام شيوع لغة هجينة تمزج العربية بالعاميات المحلية وبالألفاظ الأجنبية، وأحياناً بالحروف اللاتينية. ومع الوقت، لم تعد هذه الظواهر استثناءً، بل تحولت إلى نمط سائد في كثير من المحتوى الرقمي، حتى في بعض المنصات الإعلامية التي يفترض أنها مهنية.إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود العامية أو التنوع اللغوي بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي مشهد لغوي حي، وإنما يكمن في تهميش العربية الفصحى وإقصائها من مجالات مؤثرة، أو تقديمها بصورة مشوهة توحي بأنها لغة ثقيلة أو عاجزة عن مواكبة العصر. حين يعتاد المتلقي على نصوص ركيكة وأخطاء متكررة، فإن حسه اللغوي يضعف، وتصبح المعايير الصحيحة غريبة عنه، وهو ما ينعكس سلباً على التعليم والثقافة العامة.كما أن من تحديات الإعلام الجديد هي هيمنة منطق “الترند” والمحتوى السريع، الذي يفضل الاختصار المخل والتعبير السطحي على العمق والدقة. هذا المنطق لا ينسجم دائماً مع متطلبات اللغة العربية التي تحتاج إلى عناية في الصياغة وضبط في التركيب. ونتيجة لذلك، يميل كثير من صناع المحتوى إلى التضحية بجودة اللغة في سبيل سرعة الانتشار، ما يعمق الفجوة بين العربية بوصفها لغة معرفة، والعربية بوصفها مجرد أداة تواصل عابر.ولا يمكن إغفال دور المؤسسات الإعلامية الرقمية في هذا السياق. فبعضها أسهم فعلاً في الارتقاء باللغة من خلال الالتزام بالتحرير الجيد والاستعانة بمدققين لغويين وتدريب الصحفيين على الكتابة السليمة في البيئة الرقمية. في المقابل، تخلت مؤسسات أخرى عن هذه المعايير بحجة مواكبة العصر أو جذب الجمهور الشاب، فأسهمت من حيث لا تدري في تكريس صورة سلبية عن العربية، وكأنها عبء يجب التخلص منه لا رصيداً ينبغي الاستثمار فيه.إن السؤال عن نهضة العربية أو تراجعها في الإعلام الجديد يرتبط أيضاً بالسياسات التعليمية والثقافية الأوسع. فالإعلام لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بمستوى تعليم اللغة في المدارس والجامعات، وبمكانتها في سوق العمل، وبالصورة التي تُرسم لها في الوعي الجمعي. فإذا كان الطالب يتخرج وهو يعاني من ضعف في التعبير بالعربية، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أدائه الإعلامي الرقمي. وإذا كانت اللغة الأجنبية تُقدَّم دائماً باعتبارها مفتاح النجاح، فيما تُحاصر العربية بخطاب تقليدي جامد، فإن كفة التراجع ستظل راجحة.ومع ذلك، لا يجوز الاستسلام لنبرة التشاؤم. فالإعلام الجديد، رغم كل سلبياته، يظل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للعربية إذا أحسن استثماره. هذه الفرصة تكمن في القدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتهم ووسائطهم المفضلة، وفي إمكان خلق محتوى عربي رقمي عالي الجودة يجمع بين سلامة اللغة وجاذبية الطرح. كما تكمن في تشجيع المبادرات الفردية والجماعية التي تجعل من العربية أداة للإبداع لا مجرد مادة دراسية جامدة.إن النهضة اللغوية في الإعلام الجديد لا تتحقق بالخطابات الإنشائية أو الدعوات المجردة، بل بعمل تراكمي يشمل التدريب، ووضع معايير مهنية واضحة، ودعم المحتوى الجاد، وتحفيز المبدعين على استخدام العربية بثقة وابتكار. وهي أيضاً مسؤولية مشتركة بين الإعلاميين، والمؤسسات التعليمية، وصناع السياسات الثقافية، بل وحتى الجمهور الذي يملك اليوم سلطة الاختيار والتأثير أكثر من أي وقت مضى.في المحصلة، يمكن القول إن العربية في الإعلام الجديد تقف عند مفترق طرق. فهي ليست في حالة تراجع حتمي، ولا في نهضة مكتملة الأركان. إنها في مرحلة اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود والتجدد في زمن رقمي متسارع. والنتيجة النهائية ستتحدد بقدر ما نمتلك من وعي وإرادة لتحويل هذا الفضاء الجديد من تهديد محتمل إلى فرصة واعدة، تعيد للعربية حضورها الطبيعي كلغة حية قادرة على التعبير عن الإنسان العربي وهمومه وطموحاته في القرن الحادي والعشرين.

المشـاهدات 64   تاريخ الإضافـة 06/01/2026   رقم المحتوى 69524
أضف تقييـم