حصان جنين..الضحك واللعب في وجود الاحتلال
![]() |
| حصان جنين..الضحك واللعب في وجود الاحتلال |
|
مسرح |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
حسام معروف
في المسرح، مثل الحياة، هنالك أشياء تتراكم وتستمر في العيش حتى لو اختفت أمام أعيننا. الحصان في جنين كان واحدًا من هذه الأشياء، فلم يكن تمثالًا فقط، وإنما ذاكرة معلقة، صرخة خافتة، أو رمز يتحرك بمساحة الأرض الفلسطينية، ويمتد في الوعي.في مسرحية "حصان جنين"، بطولة الفنان علاء شحادة، والفائزة بجائزة مهرجان أدنبرة فرينج، مؤخرًا، هنالك سرد مسرحي لتجربة إنسانية كاملة، تتسلل إلى وعي المشاهد، وتستفز صوته الداخلي.القصة تبدأ منذ عام 2003، حيث طفولة صبيين يلعبان بين ركام المخيم المهدم، ورغبة في الضحك واللعب مع وجود الاحتلال.تنتهي القصة مع هدم دبابة إسرائيلية للحصان العملاق وسط جنين، مع بدء حرب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.ما بين هذين الزمنين، تبقى الصورة الفلسطينية الممزقة في وجود احتلال يحاول على الدوام مسح تفاصيل الحياة المايكرو، ذلك شكل من أشكال الإبادة أيضًا، لا يتوقف بأي حال.يحمل شحادة في صوته، وحركات جسده، تاريخ المدينة، ويستعيد ذاته منذ الطفولة بين طرقات وأزقة المخيم، فيتماهى الإنسان بالمكان لتتحول المسرحية إلى مرآة متعددة الوجوه، كل وجه يحكي قصة مختلفة، وكل قصة تحمل وزنها من الألم والخسارة والحنين.
أثر الحصان
تتمثل الرمزية في المسرحية، ثقيلة ودقيقة في الوقت نفسه. الحصان الذي أُزيل من جنين يصبح محور التأمل، فهو موجود في الذاكرة أكثر مما هو موجود على الأرض. كل ما اختفى يترك أثرًا أعمق من وجوده المادي. يحمل الحصان في صمته تاريخ المدينة، وطفولة أطفالها، وصمت الشوارع المهدمة، ورغبة الناس في البقاء رغم كل شيء. وفي لحظة ما، يتحول التمثال إلى شخصية حية تنطق وتجهر بألم الحياة في زمن الاحتلال، حيث يتغير كل شيء، وتستمر الذكريات في العيش في الداخل.تتمدد الإنسانية في المسرحية مثل خسارات متعددة، بطيئة مثل مشية أرنب، لشعب يعاني ويلات الاحتلال. يسردها شحادة بحس فكاهي أحيانًا، وبجرس عميق أحيانًا أخرى، فيدمج بين الضحكة والحزن بطريقة تجعل المشاهد يشعر بإرباك من الداخل.تتحرك الإنسانية في العرض بين التجربة الفردية والجماعية في الوقت نفسه، حيث يصبح كل شخص شاهدًا على المدينة، وكل ذات تروي قصتها. تتقاطع كل ذكرى مع التاريخ الجمعي، فتظهر المدينة والأصدقاء والمنازل المهدمة والعائلات التي انقسمت، والفقد الذي أصبح جزءًا من الهوية.
ستاند أب كوميدي
الفن في المسرحية ضرورة حيوية، يسمح لنا أن نفهم ما لا نستطيع قوله مباشرة. عبر الحكاية تتحقق إزاحة للذاكرة، وتحريك لطمس الهوية، ومجابهة لقمع يفرضه الاحتلال.تطرح المسرحية أسئلة مفتوحة حول كيفية الحفاظ على الرموز، وكيفية استعادة الذكريات، وكيفية العيش حين تصبح الحياة كلها مسرحًا للغائبين والمفقودين. الحصان يتحول إلى أداة لاستدعاء كل ما تم فقده، ويفتح مساحة للتصالح مع الألم.في "حصان جنين" يمزج الأسلوب المسرحي الحداثة بالفلسفة، والفكاهة بالدراما، ويجمع الأداء الفردي بالخيال الجماعي. تبدو المسرحية لوهلة كأنها ستاند أب كوميدي، لكن في مسارها هي تركيبة معقدة من الوجوه، وكأن أهل مدينة جنين جميعهم صعدوا على المسرح.استخدام شحادة لمزيج من الحكاية المباشرة والحركات الجسدية، مع الحد الأدنى من الديكور، يجعل المشاهد شريكًا في التجربة، مشاركًا في بناء الصورة الذهنية للمدينة، للطفل، للتمثال. المشاهد لا يكتفي بالمشاهدة، بل يندمج في الحكاية، يتنفس مع الحصان، يتذكر معه، ويشعر بالغياب والحضور في الوقت نفسه.آلية المسرح الفردي هنا تحول قصة محدودة إلى تجربة جماعية، وتجعل الصمت يتحدث، بينما تتحول الرموز إلى حياة ملموسة.فيما تتطور التجربة النفسية للشخصية بشكل متسلسل. الطفل يصبح مراهقًا، والمراهق يصبح رجلًا، والتجربة تتراكب. كل طبقة من الوعي تحمل ثقلها، وكل ذكرى تضيف بعدًا جديدًا للفقد.تتحرك الحرب على المستوى الشخصي لتصبح تجربة وجودية. التفاصيل اليومية، من المنازل إلى المدارس، من الأصدقاء إلى الشوارع، تصبح شاهدًا على الاستمرارية والألم في الوقت ذاته.لكن المسرحية تمنح مساحة للتأمل في هذه التراكمات، وفي القدرة على التذكر والعيش رغم كل شيء.
هوية وخسارات طفولية
في العمل، تتشابك الهوية والمقاومة بطريقة دقيقة. الهوية تستعاد عبر الذكريات والحكاية والحصان، والمقاومة تتحقق من خلال الذاكرة والفن والقدرة على إعادة بناء الرموز.يحمل الحصان المدينة في صمته، وكل خسارة طفولية، كل شارع مهدم، وكل زاوية مطموسة تصبح جزءًا من الحكاية.وعن السرد، يتقاطع بين الفرد والجماعة، ليخلق شعورًا بالانتماء، ويمنح الذكريات بعدًا جماعيًا، يتيح للجمهور التعرف على تجربة المدينة كلها من خلال تجربة واحدة.ثقافيًا، توسع المسرحية النقاش حول فلسطين كفضاء إنساني وفكري، وليست مساحة سياسية فقط. تطرح أسئلة حول الهوية، والقدرة على الاستمرار، وأهمية الفن في إعادة بناء الذات والذاكرة. المشاهد يشعر أن المسرح أداة لفهم الواقع، أداة تحليلية، وأداة لتشكيل العلاقة بين الإنسان وماضيه ومدينته ورموزه.الرمزية هنا تأخذ قلب المسرحية، الحصان يتحرك في الخيال، يحكي الحكاية، يربط الماضي بالحاضر. كل عنصر في المسرحية، من أداء المؤدي إلى الصمت والخيال والديكور الحد الأدنى، يمنحنا مساحة لتفسير الأحداث ولمشاركة الذكريات وبناء صورة المدينة في أذهاننا. المسرحية تؤكد أن البقاء يرتبط بالذاكرة والفن والرواية أكثر من أي وجود جسدي.في نهاية العرض، يترك الحصان أثره، تجربة المشاهد تتحول إلى تأمل في الصمود والهوية والذاكرة. كل فقد يصبح تجربة فكرية وفلسفية، وكل قصة فردية تتحول إلى مرآة للمدينة، ولكل إنسان يعيش تحت ضغط الزمن والفقد. المسرحية تمنح درسًا واحدًا، الرموز لا تموت، والذاكرة والفن مستمران. المشاهد يغادر المسرح بحمل ثقيل من الذكريات، وبصمت الحصان الذي لم يرحل، وهو يواصل السير في داخله، يحرك الوعي، يخلق تأملًا متواصلًا، ويثبت أن الحياة تستطيع الاستمرار رغم كل شيء.
خطاب مجدد
واحدة من أهم نقاط قوة العمل تكمن في ابتعاده عن الخطاب الجاهز حول فلسطين. لا شعارات، لا خطابات سياسية مباشرة، ولا لغة تقريرية. السرد يتقدم ببطء، عبر تفاصيل صغيرة، عبر ارتباك الذاكرة، عبر التردد في الحكي. هذا التردد نفسه يصبح جزءًا من المعنى. المسرحية لا تقدم قصة مكتملة، بل شظايا سردية، وكأن الذاكرة نفسها عاجزة عن إنتاج رواية مغلقة.بهذا المعنى، يتحول العرض إلى فعل سردي مضاد، يقاوم التبسيط والتشييء، ويرفض أن يتحول الألم إلى مادة استهلاكية. الحصان لا يُستخدم لإثارة الشفقة، بل لتفكيك العلاقة بين الحكاية والمتلقي. المشاهد لا يُقاد إلى موقف أخلاقي جاهز، بل يُترك في منطقة رمادية، حيث تتداخل الضحكة مع القلق، والحنين مع الشعور بالذنب، والرغبة في الفهم مع العجز عنه.هذا الخيار الجمالي يمنح المسرحية قيمة ثقافية عالية، لأنها لا تكرر ما قيل عن المدينة، بل تعيد ترتيب الطريقة التي يمكن أن تُروى بها. هنا، يصبح المسرح أداة تفكير، لا وسيلة نقل رسالة. يصبح فعل الحكي نفسه موضوعًا، ويصبح السؤال الأهم هو: كيف نحكي من دون أن نستخف بالتجربة؟يظهر أداء علاء شحادة في "حصان جنين" منسابًا حقيقيًا ملامسًا، باستطاعته تحويل الذاكرة إلى جسد قابل للرؤية. لا يتصرف على الخشبة كممثل يؤدي شخصيات متعددة، بل كإنسان يجرّ حياته معه، ويعيد ترتيبها أمام الجمهور بوعي هادئ. ينتقل بين الطفولة والنضج من دون إشارات فجة، وكأن الزمن نفسه فقد استقامته وصار يلتف حول الجسد. صوته لا يبحث عن التأثير، وحركته لا تستعرض مهارة، بل يتركان الانطباع بأن ما يُقال يحدث للمرة الأولى، رغم أنه محمول منذ سنوات. في هذا الأداء، تصبح السخرية وسيلة للنجاة، ويغدو التأمل طريقة للبحث عن طرق بديلة، ويغدو الجسد مساحة تتجاوز الثابت، وتبحث عما يشق الغبار."حصان جنين" يبقى تجربة ثقافية وفنية متماسكة، حية، صعبة النسيان، مرآة للإنسان والمدينة والذاكرة. إنها صرخة خافتة للحياة، تجربة محاكية تتخطى حدود المسرح، وتجعل من الرموز والألم والفقد مصدرًا للتأمل والحوار الداخلي. كل مشهد، كل حركة، تصبح جزءًا من تجربة وجودية أكبر، تتعدى المكان والزمان، لتؤكد أن الفن قادر على تخليد الإنسان حين تصبح كل الأشياء المادية هشّة وزائلة. |
| المشـاهدات 80 تاريخ الإضافـة 06/01/2026 رقم المحتوى 69538 |
أخبار مشـابهة![]() |
فوق المعلق
إعلام الهواة قبالة إعلام المحترفين!؟
|
![]() |
بمشاركة عالمية دبي تستضيف معرض عالم القهوة في كانون الثاني
|
![]() |
دهليز الوهم : تشريح ثقافة الصورة والفقد في قصيدة "دهليز ضحكة عميقة" للشاعرة والقاصة التونسية هدى الهرمي |
![]() |
هبوط بعد قمة تاريخية.. 5 أسباب تفسر التحول الدرامي في مسيرة النصر
|
![]() |
يوحي بالاستعداد لحرب كبيرة.. نشاط عسكري أميركي غير عادي في المنطقة
|
توقيـت بغداد









