الخميس 2026/1/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 18.95 مئويـة
نيوز بار
ابطال الموروث السردي العربي
ابطال الموروث السردي العربي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

داود سلمان الشويلي

   لكل عمل أدبي، خاصة الأعمال السردية، شخصية رئيسية تُعرف بالبطل، وهو محور الحبكة لتحقيق أهدافها، وتُعتبر هذه الشخصية الوسيلة الوحيدة للقارئ للتواصل مع رسالة هذا العمل، حيث يُعد البطل المحرك الأساسي للأحداث التي تجري لتقود العمل إلى نهايته، فالعمل هذا يسلط الضوء عليها حسب وجهة نظر الكاتب في هذا العمل. في هذه السطور سنسلط الضوء عن أبطال موروثنا السردي العربي الذي كتبت عنه كتابي الأخير "الموروث السردي العربي"، والذي ما زال مخطوطا ينتظر النشر.

   البطل هو واحد من الشخصيات ذات التأثير الكبير على عناصر النص الأخرى، وتمثل العنصر الحيوي في بنية النص، قديما، وحديثا. انها المرتكز الذي يقف به النص مستقيما لا يشوبه شائبة، كالعمود الفقري لجسم الكائن الحي من ذوات الفقرات.

   والبطل ليس معناه انه قوي في القدرات الجسمانية، بل هو، أيضا، البارع في التصدي للكثير من الأمور التي تتطلب فك الاشتباك بين حالتين أحدهما تقف بالضد من الأخرى، وتجسد قيماً، ومثلا عليا، في المجتمع الذي اختاره. قد يكون هذا البطل  شخصية تاريخية أو أسطورية تقوم بأفعال خارقة للعادة، مثل أغلب أبطال رواية ألف ليلة وليلة"، أو يكون رمزا للتفوق البشري مثل بطل رواية "حي بن يقظان"، والقدرة على التغلب على الصعاب مثل بطل رواية "مقامات الهمذاني"، والتضحية من أجل الآخرين، وهكذا.

***

   أخترت ستة روايات من روايات موروثنا السردي العربي التي ضمها كتاب واحد بعنوان "الموروث السردي العربي – ألف ليلة وليلة، كليلة ودمنة، حي بن يقظان، مقامات الهمذاني، رسالة الغفران، رسالة التوابع والزوابع"، وهو مخطوط، هذه الروايات هي:

1 – رواية "ألف ليلة وليلة"، وقد كتبت عنها كتابي (ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية)، ونشر هذا الكتاب بثلاث طبعات، الأولى نشر في أتحاد الكتاب العرب في سوريا عام 2000، والثانية في الشارقة من قبل معهد الشارقة للتراثعام 2019، والثالثة في بغداد من قبل دار الورشة عام 2020.

2 – رواية "كليلة ودمنة" الذي كتبت عنها كتابي المخطوط ("كليلة ودمنة" وهيكلها التنظيمي).

3 – رواية "حي بن يقظان" الذي كتبت عنها كتابي المخطوط ("ابن طفيل والوجودية" - دراسة في رواية "حي بن يقظان").

4– رواية "مقامات الهمذاني" الذي كتبت عنها كتابي المخطوط (عناصر السرد في المقامات "مقامات الهمذاني إنموذجا").

5 – رواية "رسالة الغفران" الذي كتبت عنها كتابي المخطوط (خيال البصير و الانساق المضمرة - "رسالة الغفران إنموذجا").

6 – رواية "رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد الاندلسي ضمن المنهج التاريخي)، التي كتبت عنها كتابي المخطوط.

   ان هذه الروايات الستة سيكون من ضمن عناصر سردها بطلا يتحرك داخل المكان في الرواية ضمن زمان محدد، ليقدم أحداثا معينة، لها صفاتها المحددة.

   فرواية "ألف ليلة وليلة" التي ألفها الوعي الجمعي الشعبي العربي، هكذا اسميه، بطلتها "شهرزاد" مقابل شهريار. وبطل رواية "حي بن يقظان" للكاتب الفيلسوف ابن طفيل، بطلها "حي بن يقظان" مقابل الموت، والظواهر الطبيعية. ورواية "كليلة ودمنة" من "ترجمة!!!" عبد الله بن المقفع، وبطلها ابن آوى "دمنة" أمام بعض الحيوانات. ورواية "مقامات الهمذاني" لبديع الزمان الهمذاني، بطلها "أبو الفتح الإسكندري" مقابل عامة الناس. ورواية "رسالة الغفران" للمعري، بطلها "علي بن منصور الحلبي ابن القارح" مقابل رجال الجنة، والجحيم. ورواية "رسالة التوابع والزوابع" فبطلها كاتبها نفسه، يقوده الجني زهير بن نمير، مقابل التوابع من الجِنة في وادي عبقر.

***

   ان عبقرية هؤلاء الكتّاب الستة، سوى الكاتب الأوّل فهو التفكير، والوعي، الجمعي الشعبي، في خلق بطل يقوم بمهام البطولة في نص سردي روائي لهو شيء فوق طاقة الخيال البشري ابتداء من انتخابة لهذه المهمة العظيمة، وحتى آخر رمق عنده، ورغم ذلك فهو يستمر في البقاء المعنوي، والتأثير في الآخرين من القراء، والمستمعين.

   فـ"شهرزاد" اسم غير عربي، وقد قيل الكثير عن أصل الرواية لكنها رواية عربية مئة في المئة، وفي ذلك أدلة، وشواهد أقلها وجود أسماء لشخصيات عربية فيها أبرزها الخليفة العباسي هارون الرشيد، والوزير جعفر البرمكي، وكذلك الشاعر  أبو نواس، والوالي خالد القسري، والخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وشهرزاد هذه أختارها الجمع الشعبي العربي الذي كتب الرواية، وحتما انها رويت شفاها في خيم العرب البدو، وفي أماكن ندواتهم في المدن، وعلى لسان الجدات في البيت، هذه السيدة من بين آلاف الفتيات لتكون بطلة تخلّص بنات جنسها من الموت الذي قرره عليهن الرجل الملك شهريار بعد اكتشاف خيانة زوجته، وخيانة زوجة أخيه مع عبيدهم.

   ان الحل الذي توصلت له شهرزاد كان حلا عبقريا، وغير مطروق قبلها، وهو أن تقنع زوجها شهريار، بالاتفاق مع شقيقتها دنيازاد، بعد عودته من ديوان الملوكية، وهو ثمل، وتعبان، في أن يظل يستمع للحكايات التي ترويها، وهما يفترشان فراش الزوجية ليلا، حتى يسقطه الكرى فينام، فيغفل عن تنفيذ الشرط الذي اتخذه على نفسه في أن يقتل الفتاة التي يفض بكارتها ليلة عرسها. هذا الحل هو الذي ميّزها عن الفتيات الأخريات، ومن هنا جاء ذكاءها، وعبقريتها، في الوصول مع الفتيات إلى بر الأمان.

   لقد كان التفكير، والوعي، الشعبي الجمعي أكثر وعيا من بعض الشخصيات التي تمسك زمام السلطة فأعطى للمرأة دور المنقذ، لأن بإنقاذها انقاذ للبشرية من الإنقراض.

***

   أما رواية "حي بن يقظان" فقد كان اختياره من قبل المؤلف ابن طفيل اختيارا صائبا، ودقيقا، لما في مولده، واسمه، من رمزية تؤكد ذلك، وهذه الرمزية هي متأتية من مولده خفية، ورميه، وهو في صندوق، في البحر مثل اسطورة سرجون الأكدي، التي سرقها اليهود من أدب وادي الرافدين، وجعلوها لنبيهم موسى، وتربية الضبية له، وكذلك رمزية اسمه "حي" الذي معناه انه على قيد الحياة، بعقل فعال يوصل إلى الحقائق، وفي الوقت نفسه هو يقظان، أي يقظ لكل شيء يحدث أمامه، أو ما زال مخفيا، فالحياة تحرك فيه حواسه من نظر، وسمع، وشم، وتذوق، ولمس، وتجلب له التفكّر العقلي، وبهذه الأدوات يمكنه ان يصل إلى ما يريد، وكان له ذلك من خلال قيامه بالتجارب الحسية، والعقلية.

   لقد وصل "حي" بنفسه من خلال تجاربة الحسية، والتفكر العقلي، إلى هذه النتيجة، وفهم، واستوعب جيدا ذلك.

***

  و"دمنه" بطلة رواية "كليلة ودمنة" هي حيوان مخاتل، لا يؤتمن، نمام، يدعو الآخرين إلى عقاب ما يريد أن يعاقب من الحيوانات الأخرى، إلا انها تنكشف في النهاية.

***

   وبطل رواية "رسالة الغفران" فهو ابن القارح، كان ذكيا، ولماحا، ويعرف كيف يناقش في أمور كثيرة. اختاره المعري لا لأنه كتب له رسالة يشرح بها همومه، ومشاكله، فيرسله المعري في رسالة كتبها له تحت عنوان "رسالة الغفران"، إلى عالم الآخرة ليحصل هناك على شفاعة النبي محمد فيغفر له الله، ويدخله الجنة.

***

   أما بطل رواية "رسالة التوابع والزوابع"(1) فهو الشاعر ابن الشهيد الاندلسي بعد  أن يردفه الجني "زهير بين نمير" خلفه على صهوة جواده، ويأخذه إلى وادي تابعي الشعراء، والكتاب، من الجن، وادي عبقر، ويعرفه عليهم فيجيزوا شعره، وكتاباته النثرية.

***

   ان استخدام هؤلاء الأبطال من قبل كتّاب هذه الروايات في مسيرة منجزنا السردي العربي، كان صائبا، ودقيقا، واختيارهم يعود بالنفع العام على المستوى الابداعي، والفكري، والجمالي، الى الروايات، وقرائها.

***

الهوامش:

1 – ان الترتيب الذي رتبت عليه الرواية هو من وضع المحقق "بطرس البستاني"، راجع: دراسات في الأدب الأندلسي - محمد سعيد محمد - دار الكتب العلمية - ط / ،1 -

 بنغازي – ليبيا - 2001 - ص 253.

المشـاهدات 86   تاريخ الإضافـة 07/01/2026   رقم المحتوى 69577
أضف تقييـم