الأحد 2026/1/18 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 7.95 مئويـة
نيوز بار
فنتازيا الواو!! (مسرودة ممسرحة)
فنتازيا الواو!! (مسرودة ممسرحة)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

شوقي كريم حسن

«نحن لا نشيخ لأن الزمن مرّ، بل لأننا حملنا عنه أكثر مما يحتمل قلب شاب.»

                        — شوقيا—

*لم تكن خطواته تُسمَع، بل تُرى.

تتمايل فوق البلاط البارد مثل ظلٍّ نسي كيف يعود إلى الجدار. المحكمة في  الصباح تشبه صدراً عريضاً دونما قلب، جدران عالية، نوافذ ضيّقة، هواء يابس يمرّ على الرئات كأنه إجراء روتيني لا أكثر. الرجل السبعيني القلق النظرات الموارب وراء ستار كثيف من الأسئلة، يضم إلى صدره، أوراق صفر، لا من التقادم وحده، إنما من إنتظار طويل عاشته بين الأدراج، كما عاش هو في الحياة.

/يجلس ببطء……/!!

الكرسيّ المعدني يئنّ تحته، أو  أنينه الداخلي انتقل إلى الحديد. أمامه طابور من الوجوه المتشابهة: عيون متعبة، أفواه ثقيلة نصف مفتوحة، أصابع تطرق أبواب الزمن  دون جدوى. يرفع رأسه قليلاً… فيرى.

شاباً…يجلس قبالته، ساق فوق ساق، إبتسامة خفيفة، عينان لامعتان، شعر كثيف لم يعرف بعد معنى التراجع. الشاب لا ينظر إلى أحد، فقط يراقب الشيخ كما يُراقَب عرضٌاً مسرحيّاً خاص. يبتسم، كأنه يعرف النهاية.

يتجمّد الشيخ.النبض يتباطأ.الهواء يصبح أكثر كثافة.يعرفه.ليس شبيهاً به.هو...نفس الأنف الذي إنكسر لاحقاً في زنزانة ضيقة. الفم الناطق بشعارات أكبر من عمره. الكتف التي لم تعرف الانحناء إلا بعد عقود.

— أتراقبني….؟

(الصوت لا يخرج من الفم.يحدث داخله، ومع ذلك يصل).

— أراقب ما صرتَ إليه….!!

يجيب الشاب دون صوت،  بكلمات حادّة، مشذّبة، كأنها خرجت تواً من فمٍ لم يتعلّم الخوف.ينظر الشيخ إلى يديه ترتجفان.كم مرة حملت هاتين اليدين قيوداً لم يكن هو من صنعها..كم مرة وقّعتا على أوراق إعتراف لم يُقترف جرمها؟!!

— جئتَ لتسخر مما أنا عليه…؟

—  ما من طبيعتي السخرية،،جئتُ لأتذكّر…اكاد نسيان كل شيء!!

يضحك الشاب.ضحكة قصيرة، مستفزّة.الضحكة نفسها التي أوقعته في أوّل معتقل.

— كنتَ جميلاً، (يقول الشيخ).

— وكنتَ شجاعاً، (يرد الشاب).

— الشجاعة لا تُطعم خبزاً عند مجيء الشيخوخة…!!

— لكنها تُطعم المعنى في الشباب!!

(يصمتان).

حاجب المحكمة ينادي رقماً.ليس رقمهما.يميل الشيخ قليلاً إلى امام.ظهره يئنّ، لكن صوته يشتد.

— هل تعرف ماذا فعلتَ بي؟!!

— عشتَ،،،، (يقول الشاب بثقة).

— بل نجوتُ لاغير،،،، (يهمس الشيخ).

نجوتُ منك، من أفكارك التي الأكبر من جيوبنا، وأصغر من حناجر السجّانين.!!

(يرفع الشاب حاجبه).

— لم أُجبرك...أنت من أختار الطريق!!

— دفعتَني، (يقول الشيخ)...دفعتَني إلى الزنازين، إلى أسماء وهمية، إلى أرقام بدل الأسماء، إلى خطوط سنوات على الجدران،، دون تقويم.!!

تتحرك أصابع الشاب، راسمة دوائر في الهواء.

— ولو عاد الزمن،،،ما عساك فاعل؟

— لجلستُ في المقهى، (يجيب الشيخ بسرعة).لشربتُ الشاي،و غازلتُ فتاةً بعيون سود دون بيان سياسي، وعدتُ إلى البيت قبل حظر التجوال…!!

(تتلاشى الابتسامة من وجه الشاب.

لأول مرة يبدو أقل صلابة).

— وهل كنتَ تحتمل نفسك.. وأنت الذي لايطيق الإنتظار؟!!

(السؤال يسقط مثل حجر في بئر.الشيخ لا يجيب فوراً.ناظراً إلى السقف.شقوق صغيرة، تشبه خرائط لبلاد لم تُولد بعد).

— لا، ،،،(يقول أخيراً)….لكنني الآن أحتملك، وهذا أثقل…!!

(ينحني الشاب الى امام.العينان تلتقيان.زمنان يتصافحان دون مودة).

— أنتَ تحملني كل أخطائك…!!

— لأنني أنا من دفع ثمنها.دون مساعدة من أحد..!!

— وأنا من صنعها…دون مساعدة من أحد،،!!

— الصانع لا يُسجَن،،، (يقول الشيخ بمرارة).المنتج هو من يُرمى في المستودع…!!

(يمرّ موظف.ضجيج خافت).

— أتذكر الليلة الأولى؟!!

(يسأل الشاب فجأة.الشيخ يغمض عينيه على عجل دون إرادة منه).

—كيف انسى…الرطوبة، الضوء الأصفر، صراخ لا يُعرف مصدره، حذاء يهبط على ظهري دون سبب..قاموس السباب الذي لم اسمع مثله من قبل،،،!!

— كنتَ تغنّي،،،، (يقول الشاب)

— كنتُ أرتجف،،،( يصحّح الشيخ).

الغناء محاولة لتذكّر صوتي…!!

(يصمت الشاب طويلاً.تتغير ملامحه.

يتراجع الزهو .الجلد يبهت).

— لم أخطط لهذا، ،،،(يقول أخيراً).

— أعرف….!!

— كنتُ أظن أن التاريخ يفتح ذراعيه؟!!.

— التاريخ، يا ولدي، دون ذراعين.

له أسنان ذئب فقط!!.

(يرفع الشيخ رأسه.ناظراً مباشرة في عيني الشاب).

— هل تعلم ماذا فعلتُ بعد خروجنا؟

— كتبتَ…؟

— لا.،،،،،(صمتّ).تعلمتُ لغة الصمت.لغة لا تُعتقل،،،ولا تصدق!!

(يبتسم الشاب بحزن).

— خنتَنا…ما كنت أعرف أن الخيانة قريبة منا الى هذا الحد؟!!

— كنت احاول أنقاذ ما تبقّى مني.،،

(المناداة تقترب.رقم يليه رقم آخر).

— أنا ذاهب،،،،!!

( يقول الشاب).

— إلى أين،،،؟

— إلى حيث تُصنع الأخطاء.!!

(يمدّ الشيخ يده.محاولاً لمس المسافة غير المكانية بينهما).

— انتظر….!!

— ماذا،،؟

— خفّف عني،،دع ليَّ بعض الندم لا تسلى به…لاقيمة لإنسان دونما ندم!!

(ينهض الشاب. منتصباً، كما كان دائماً.ينظر إلى الشيخ نظرة أخيرة).

— الشيخوخة تتحمل كل شيء،حتى جموحي…!!

(يبتسم.متلاشياً.ليس اختفاءً، بل عودة إلى الداخل.ينادى رقم الشيخ.

فينهض.حاملاً ملفه.ماشياً.بخطوات الآن تُسمَع.ليست أقوى، لكنها أكثر تصالحاً.عند باب قاعة المحكمة، يلتفت.لا أحد.يفتح الباب.الضوء في الخارج أبيض.واسع.يمشي.لا يحمل شاباً هذه المرة.يحملهما معاً.يمشي.

والشارع لا ينتبه للعائدين من المحاكم، كما لا ينتبه الخارجون من السجون. الإسفلت ممدود مثل جملة خبرية دون دهشة، الباعة يصرخون، السيارات تتدافع، الوقت يواصل عمله مثل موظف قديم لا يسأل أحداً عن أسمه. يقف الشيخ لحظة.واضعاً الملف تحت إبطه.ليُخرج من جيبه نظارته، يلبسها، ثم يخلعها سريعاً.لا يريد أن يرى أوضح.في إنعكاس زجاج سيارة متوقفة، يلمح وجهه.وجه   الشاب الساخر منه قبل دقائق.تجاعيد عميقة، لكنها ليست هزيمة، بل سجلات.كل خطّ فيها يشبه سطراً لم يُمحَ.

— هل انتهينا،،؟

(يسأل نفسه.سؤالًا لا ينتظر أجابه).

يمشي باتجاه موقف الحافلات.

كل خطوة تفتح حواراً جديداً، غير مكتوب، غير منطوق.الشاب لم يذهب.

الشاب إستقرّ عند زاوية  من الرأس، أقل صخباً، وأكثر خطورة.يتذكّر أول منشور وزّعه.كان الورق ساخناً كأنه خرج للتو من فرن.الحروف سود، متحمسة، واثقة من أن العالم يمكن أن يُقلب بقبضة يد.تذكّر كيف ضحك يومها، كيف شعر بأنه أكبر من إسمه، أوسع من جسده.

— كنتَ مغروراً….؟!!

— كنتُ حيّاً…؟!!

(الجدل يعود.لا يحتاج إلى محكمة).

حين تصل الحافلة.يصعد.الدرجات ، لكنها لا تخيفه.يمسك العمود المعدني، يثبت نفسه، يجلس قرب النافذة.النافذة مرآة أخرى.تمر المدينة، مارّاً معها، دون أن يتفقا على شيء.أمرأة شابة تجلس قبالته، طفل نائم على صدرها.الطفل يشبهه.لا، يشبه الشاب.يضربه ذلك فجأة. كل الشباب متشابهون.و كل الشيوخ يحملون أخطاء لا تخصهم وحدهم.

— لو أنك أنجبتَ مبكراً…؟!!

(الفكرة تتسلل.يقطعها بسرعة.لم ينجب.لم يكن هناك وقت.الثورات لا تترك فسحة للأبوة.يتذكّر رسالة لم تصل.أمرأة انتظرته لم يعرف.إسمها يتردّد دونما صوت).

— أنتَ سرقتَ حياتي الشخصية.،،!!

— لكني منحتك حياة عامة..صنعت منك كائن آخر!!

(يضحك في سرّه).

حياة عامة، وكأن الجمهور كان حاضراً حين تعرض للتعذيب،،،حين تناوشته

قنادر المحققين!!

توقفت الحافلة فجأة.فأهتزّ جسده.

الملف يسقط الأوراق تتبعثر.فينحني ليلتقطها.شباب يساعدونه.أيدٍ كثيرة، سريعة، غير معنية بالماضي.يرفع رأسه.يريد أن يشكرهم.فتخرج الكلمة متأخرة، خجولة.

— شكراً…!!

(تبدو الكلمة ثقيلة على لسانه.لم يقلها كثيراً في حياته.ينزل من الحافلة.

المسافة إلى البيت قصيرة، لكنها مليئة بالصور.مقهى قديم، مغلق الآن.

جدار يحمل شعاراً، أُعيد طلاؤه على عجل.

— مسحتَ نفسك….؟!!

— لا، الزمن فعل…!!

(باب البيت يفتح بصعوبة.القفل يئنّ مثل ركبته ،يدخل.البيت هادئ.أكثر من اللازم.الصمت هنا ليس لغة،بل فراغ.يضع الملف على الطاولة.ويجلس.ناظراً إلى الجدار المقابل.ثمة صورة قديمة، له وهو شاب.لم يستطع  التخلّص منها .يقترب.ماسحاً الغبار عنها.

— ما زلتَ تبتسم….؟!!

— لأنك ما زلتَ تنظر…؟!!

(الضوء يتسلّل من النافذة.الغبار يرقص.الوقت يهدأ..يجلس ثانية.فاتحاً الملف.ثمة أوراق رسمية، أختام، تواريخ.لا شيء عن السجن.لا شيء عن الخوف.لا شيء عن الشاب).

— هل هذا كل شيء…حياة مليئة باسئلة حمقاء يخزنها الورق؟!!

— هذا ما يعترف به النظام…ويريده

أيامك صارت حطام ورق،،!!

(يغلق الملف.يتركه جانباً.ينهض.

متجهاً إلى مرآة في الممر.ينظر طويلاً).

— هل سامحتَني،،؟

(السؤال هذه المرة موجّه بصدق.

الجواب لا يأتي فوراً.ثم، ببطء، بإعياء)

— لا…لكنني فهمتك!!.

يبتسم ابتسامة صغيرة.ليست رضا، بل هدنة.يتجه إلى غرفته.يجلس على السرير.يخلع حذاءه.يتمدّد.السقف قريب.أقرب من زنزانة، وأبعد من حلم.

يغلق عينيه.الشاب لا يظهر.لأول مرة.الشيخوخة لا تنتصر.هي باقية.لتحمل ما لا يستطيع الشباب حمله،مواصلة السير،بخطى متعبة،

لكن واعية.لا ينام.الاستلقاء ليس نوماً، بل هدنة مؤقتة بين الجسد والذاكرة. يتراجع السقف مبتعداً، متحولاً إلى شاشة بيضاء. الصمت في الغرفة لا يحتمل نفسه، فيبدأ بالانقسام.يعود الشاب.ليقف عند حافةالسرير.ملامحه أقل اكتمالاً، كأنه يُعاد تشكيله من بقايا ضوء.العينان دونما سخرية).

— ظننتُ أنك تخلّصتَ مني…؟!!

— لم أتخلّص، (يقول الشيخ).تعلمتُ أين أضعك…!!

(يحاول النهوض.الجسد يرفض.الذاكرة تتقدّم بدلاً عنه).

— لماذا الآن…مالذي أعادك اليَّ؟!!

— لأنك على وشك أن تُغلق الدائرة.!

(يشير الشاب إلى الملف على الطاولة.

الشيخ يفهم.الأوراق ليست أوراقاً.

هي شهادة حياة).

— سيكتبون أنك مواطن صالح…خدم

البلد الأكذوبة بكل تفاني وأخلاص!!

— سأوقّع…صاغراً لايحق ليَّ  الإعتراض!!

— وتصمت مرة أخرى..بقبول ورضا!!

( يتنفّس الشيخ بعمق.هواء بارد يدخل،ويخرج ساخناً).

— لا…..هذه المرة لا!!.

(يمد يده نحو الطاولة.ساحباً الملف.

.بين الأوراق الرسمية،ثمة ورقة لم تكن هناك.خطّ يده.قديم.متوتر.بيان لم يُنشر.يرتجف الشاب).

— هذا لي…!!

— هذا لنا…!!

(يمسك القلم.القلم الأثقل من عصا من السنوات).

— ماذا تفعل؟!!

— أكتب الهامش…!!

(التاريخ يكتب المتن، ونحن نعيش في الهوامش)!!.

يبدأ بالكتابة.لا شعارات.لا أسماء.جملة واحدة فقط، تنمو ببطء:—لم أكن بطلاً، ولا ضحية. كنتُ شاباً أخطأ، وشيخاً دفع الثمن، وما بينهما إنسان حاول أن يفهم…!!

(ينتهي.يضع القلم.رافعاً رأسه.

الشاب يبتسم.ليست إبتسامة نصر، ولا سخرية).

— الآن..؟

— الآن، أستطيع أن أشيخ وحدي!!.

(يتراجع الشاب.يذوب.لا صراع.لا وداع.الشيخ ينهض.الجسد يطاوعه.يفتح النافذة.الليل في الخارج ليس مظلماً.فقط بل أقل ادّعاءً.يضع الورقة في الملف.ويغلقه.غداً يعود إلى المحكمة.ليقدّم أوراقه.يُعامل كرقم.لكن الليلة،وللمرة الأولى،

لا يحمل خطأً لا يخصّه.يجلس.يطفئ الضوء.الظلام لا يخيفه. يعرفه جيداً.يغمض عينيه.ويترك للشباب خطأهم،وللشيخوخة حكمتها الثقيلة،

ويمضي…بسلامٍ متعب،لكن بكامل رغباته الصارخة... التاريخ وهم أيامنا المجبرين على الإنتماء اليها!!

المشـاهدات 231   تاريخ الإضافـة 10/01/2026   رقم المحتوى 69654
أضف تقييـم