السبت 2026/1/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم جزئيا
بغداد 14.95 مئويـة
نيوز بار
الإعلام ما بعد الأزمات والدروس السابقة
الإعلام ما بعد الأزمات والدروس السابقة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين الانصاري
النـص :

 

 

 

 

يلعب الإعلام دورا مزدوجا في إدارة الأزمات، إذ يمكنه أن يكون عاملًا فاعلا في التهدئة وتقليل حجم الخسائر، كما يمكن في المقابل  أن يتحول إلى أداة للتأجيج والإثارة ونشر التضليل، الأمر الذي يفاقم من حدة الأزمة ويجعل نتائجها أكثر كارثية. ولعل المتأمل في كثير من الأزمات المعاصرة يلحظ بوضوح كيف ساهم الأداء الإعلامي غير المهني في تعقيد المشهد بدل المساعدة على تفكيكه.

 

ومن الناحية المهنية، يمكن تقسيم دور الإعلام في الأزمات إلى ثلاث مراحل رئيسة: ما قبل الأزمة، وأثناء حدوثها، وما بعد انتهائها. وإذا كانت المرحلتان الأولى والثانية قد نالتا اهتماما واسعا في الدراسات والممارسات الإعلامية، فإن المرحلة الثالثة – أي ما بعد الأزمات – ما تزال الحلقة الأضعف والأكثر إهمالا، رغم أهميتها القصوى في بناء الوعي الجمعي واستخلاص الدروس.

 

إن الإعلام في مرحلة ما بعد الأزمة لا ينبغي أن يكتفي بإعلان نهاية الحدث أو الانتقال إلى أجندة جديدة، بل يقع على عاتقه دور أساسي يتمثل في تقييم ما جرى، وتحليل الأسباب، وتشخيص الأخطاء، وتسليط الضوء على نقاط القوة والضعف في إدارة الأزمة. فهذه المرحلة تمثل فرصة ثمينة لتحويل التجربة المؤلمة إلى معرفة جماعية تساعد المجتمع ومؤسساته على الاستعداد الأفضل لأزمات مستقبلية.

 

كما يفترض بالإعلام بعد الأزمات أن يسهم في معالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها الأزمات لدى الأفراد والجماعات، من خلال خطاب عقلاني يبتعد عن الإثارة ويقترب من التفسير والتطمين، ويعيد بناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات. فالأزمة لا تنتهي بانحسار الحدث، بل تستمر آثارها في الوعي والسلوك العام، وهنا يبرز الدور التربوي والتنويري للإعلام.

 

ومن الأدوار الجوهرية للإعلام في هذه المرحلة أيضا تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية، عبر فتح ملفات النقاش الهادئ حول القرارات التي اتخذت أثناء الأزمة، من دون تحويل ذلك إلى تصفية حسابات أو حملات تشهير. فالإعلام المهني هو الذي يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وبين الحفاظ على السلم الاجتماعي.

 

غير أن الواقع يشير إلى أن كثيرا من وسائل الإعلام ما تزال تتعامل مع الأزمة بوصفها مادة آنية، تنتهي قيمتها بانتهاء الحدث، فتغيب البرامج التحليلية اللاحقة، والدراسات التقييمية، والمتابعات العميقة. وهو ما يعكس خللا بنيويا في فهم وظيفة الإعلام، ويجعل دوره ناقصا وغير مكتمل.

 

لذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في دور الإعلام ما بعد الأزمات، وتطوير استراتيجيات واضحة تضمن استمرارية التغطية التحليلية، والاستفادة من خبرات الأزمات السابقة، وبناء أرشيف معرفي وإعلامي يمكن الرجوع إليه عند حدوث أزمات مشابهة. فالإعلام الذي لا يتعلم من أزماته، ولا يساعد المجتمع على التعلم منها، يفقد أحد أهم مبررات وجوده.

 

وخلاصة القول، إن نجاح الإعلام في أداء دوره ما بعد الأزمات يشكل معيارا حقيقيا لمهنيته ومسؤوليته الاجتماعية. فبهذا الدور وحده يمكن للإعلام أن يتحول من ناقل للأحداث إلى شريك فاعل في تقليل الآثار السلبية للأزمات، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر وعيا وقدرة على المواجهة.

المشـاهدات 32   تاريخ الإضافـة 10/01/2026   رقم المحتوى 69663
أضف تقييـم