الإثنين 2026/1/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 14.95 مئويـة
نيوز بار
خرطوم..سيرة سينمائية لمدينة لا تُروى
خرطوم..سيرة سينمائية لمدينة لا تُروى
فن
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

يوسف الشايب

 

لا يُطرح فيلم "خرطوم" بوصفه وثائقيًا تقليديًا عن مدينة، أو عن حدث سياسي، أو اجتماعي محدّد، بل بوصفه حالة سينمائية؛ تجربة حسّية وفكرية تتعامل مع الخرطوم ككائن حيّ، كجسد مُثقل بالذاكرة، وكفضاء تتقاطع فيه الذوات الفردية مع التاريخ الجمعي، وتتشظّى فيه الحكايات كما تتشظّى الصورة نفسها، فهو لا يشرّح الخرطوم بقدر ما يُنصت إلى أنينها، ولا يرويها سرديًا بقدر ما يتركها تتسرّب عبر الصورة والصوت والإيقاع.يندرج "خرطوم" ضمن تقاليد السينما الوثائقية التجريبية التي تتقاطع مع ما يُعرف بسينما المقال، والسينما غير المكتملة، حيث لا يُنظر إلى الوثائقي بوصفه وسيطًا تفسيريًا أو تمثيليًا محايدًا، بل باعتباره ممارسة جمالية سياسية تنتج معرفة حسّية بالواقع، فالفيلم لا يقدم سردًا توثيقيًا مباشرًا عن مدينة الخرطوم، أو عن الحرب والتحوّلات السياسية فحسب، بل يشتغل على إعادة صياغة علاقة السينما بالزمن، وبالذات الإنسانية، وبفعل الشهادة ذاته.يتخلّى "خرطوم" عن النموذج الكلاسيكي للوثائقي القائم على الحبكة الخطية، أو التعليق الصوتي المهيمن، ليستبدله ببنية تفكيكية تقوم على تجاور الحالات الإنسانية، بحيث لا تُروى الحكايات بوصفها مسارات تطوّر درامي، بل كمساحات معيشة تُقارب عبر التكرار، والانقطاع، والصمت. وبهذا المعنى، ينتقل الفيلم من سؤال "ماذا حدث؟"، إلى سؤال "كيف يُعاش الحدث؟"، وهو انتقال دالّ يعكس وعيًا إبستمولوجيًا بطبيعة المعرفة التي تنتجها السينما.تغدو المدينة هنا نصًّا مفتوحًا، وتتقدّم الشخصيات باعتبارها علامات دالّة داخل بنية رمزية، لا كذوات نفسية مكتملة. هذا الخيار السردي ينسجم مع واقع اجتماعي وسياسي متشظٍّ، يستعصي على الاختزال، أو التلخيص.لا يتعامل "خرطوم" مع شخصياته بوصفهم أبطالًا دراميين بالمعنى التقليدي، بل بوصفهم حاملين لمعانٍ اجتماعية وتاريخية ورمزية، بحيث تتحوّل كل شخصية من الشخصيات الخمس التي يتمحور حولها إلى نقطة تقاطع بين الفردي والجمعي، بين اليومي والسياسي، وبين الحاضر والمآل.يمثّل جواد نموذج "الجسد المقاوم"، حيث يتجسّد الفعل السياسي في الممارسة اليومية لا في الخطاب، فانخراطه في لجان المقاومة، ونقل الجرحى، يحوّل الجسد إلى وسيط أخلاقي للشهادة. أما سينمائيًا، فيتمم التعبير عن ذلك برصد حركته عبر كاميرا قريبة، وإيقاع متوتّر، بما يرسّخ حضور السياسة كخبرة معيشة.وبوصفها بائعة شاي من جبال النوبا، تُجسّد (خادم الله) الاقتصاد غير الرسمي بوصفه بنية بقاء ومجال كرامة، فحلمها بتعلّم الرياضيات يتجاوز البعد الفردي ليغدو سعيًا للتحرّر المعرفي والاقتصادي، فيما يشكّل فضاؤها الصغير حيّزًا عامًا بديلًا يعوّض غياب الدولة.يجسّد مجدي مأزق الفرد العامل داخل مؤسسات الدولة في سياق سلطوي,.. هواية تربية الحمام الزاجل تعمل كاستعارة بصرية عن الرغبة في الانفلات من القيد، فيما يقدّم الفيلم عبره قراءة نقدية للحياد، بوصفه موقفًا هشًّا أخلاقيًا في لحظات التحوّل التاريخي.لوكين يكشف عن شكل غير مرئي من العنف يتمثّل في مصادرة الطفولة وإدخالها مبكرًا في اقتصاد البقاء، حيث أن الزجاجات الفارغة التي يجمعها تتحوّل إلى رمز لبقايا الاستهلاك والدولة، بينما يغدو الحلم بالمستقبل فعل مقاومة صامت، فيما يوفّر حضور ويلسون بعدًا تفاعليًا يوازن قتامة الواقع، فالصداقة والعمل المشترك يشكّلان شبكة أمان بديلة، ويعيدان تعريف الأمل بوصفه ممارسة يومية لا وعدًا خطابيًا.عند جمع هذه الشخصيات، نلاحظ أنها تشكّل خريطة اجتماعية رمزية، فجواد هو الجسد السياسي المقاوم، وخادم الله هي الهامش المنتج للحياة، ومجدي الضمير المنقسم، فيما لوكين المستقبل المُهدّد، وويلسون هو الأمل الاجتماعي الصغير، والخرطوم، في المحصلة، هي الشخصية السادسة التي تحتويهم جميعًا.لا يقول الفيلم: "هذه حكايات خمسة أشخاص"، إنّما: "هذه وجوه الأزمة السودانية".الفيلم لا يمنح خلاصًا، لكنه يمنح معنى أن المدينة تُفهم عبر ناسها، وأن السينما، حين تخلص لإنسانها، تصبح فعل شهادة لا تزويق، كما أنه لا يقدّم نماذج تفسيرية، بل يترك الشخصيات تعيش أمامنا، ويحمّلنا نحن مسؤولية الربط والتأويل، ما يمنح الفيلم قوته الرمزية، ويخرجه من الوثائقي الوصفي إلى السينما بوصفها تفكيرًا بالصورة.يشكّل تصوير الفيلم كاملًا بهواتف آيفون خيارًا جماليًا واعيًا يتجاوز الضرورة الإنتاجية، فالصورة المحمولة، القريبة من الجسد، وغير المصقولة، تُقوّض ادعاء الموضوعية الذي لازم الخطاب الوثائقي الكلاسيكي، وتؤسس بدلًا منه لعلاقة حميمية بين الكاميرا والواقع، كما أن الهاتف، بوصفه أداة يومية وشعبية، يرتبط تاريخيًا بتوثيق الاحتجاجات والثورات، ما يجعل الصورة هنا امتدادًا للحدث لا مراقبًا له.ويؤسس الإخراج الجماعي (أنس سعيد، راوية الحاج، إبراهيم سنوبي، تيميا أحمد، بالشراكة مع فيليب كوكس) لخطاب بصري تعدّدي يعكس لا تجانس المدينة نفسها، فتفاوت الإيقاعات والأساليب لا يُقرأ بوصفه خللًا بنيويًا، بل بوصفه محاكاة جمالية لتشظّي الواقع الاجتماعي والسياسي.أمّا توقّف التصوير مع اندلاع حرب نيسان/ أبريل 2023، ثم استئنافه لاحقًا، فيُنتج قطيعة زمنية حقيقية داخل الفيلم، حيث يفرض التاريخ نفسه على البنية الفيلمية، وبهذا، يتحوّل الزمن من إطار محايد إلى عنصر درامي فاعل يُعيد تشكيل الدلالة، ويكشف هشاشة الاستمرارية.الحكايات في خرطوم ليست قصصًا مكتملة ذات بداية وذروة وخاتمة، بل شذرات سردية، أصوات، وجوه، تفاصيل عابرة، تشبه طريقة تذكّر المدن المنكوبة نفسها، فالفيلم لا يمنح المتلقي يقينًا سرديًا، بل يضعه في حالة تيه محسوب؛ تيه يشبه تيه سكان المدينة، أو تيه المنفيين داخل المكان ذاته... وهنا تتحوّل الحكاية من "قصة تُروى" إلى أثر عنف، وأثر فقد، وأثر صمت طويل.وما لا يُقال في الفيلم لا يقل أهمية عمّا يُقال، فالصمت، والانقطاع، والفراغات بين المشاهد، تؤدي وظيفة سردية موازية، تُذكّر بأن ما حدث، أو ما يحدث، أكبر من أن يُروى بالكامل.الخرطوم في هذا الفيلم ليست جغرافيا محايدة، بل استعارة كبرى للإنسان السوداني المحاصر بين التاريخ والاستبداد، وبين الحلم والانكسار، وبين الرغبة في البقاء واستحالة الحياة الطبيعية.فيما تبدو المدينة وكأنها تعيش حالة تعليق وجودي، فهي ليست ميتة بالكامل، ولا حيّة كما ينبغي... وهذه الحالة الوسطى تُحيل إلى وضع سياسي واجتماعي مأزوم، من دون الحاجة إلى خطاب مباشر، أو شعارات، فالفيلم يراهن على ذكاء الصورة، لا على وضوح الرسالة.ويشتغل "خرطوم" على منطق الرمزية المفتوحة، لا الرمز المغلق، فالعناصر البصرية (الشوارع، الأبنية، الوجوه، الظلال، الفراغ) لا تُحمَّل دلالة واحدة قاطعة، بل تُترك لتأويلات متعددة، حيث أن الفراغ ليس غيابًا، بل حضورًا للغياب بأشكاله المتعددة (غياب الأمان، غياب الدولة، وغياب المستقبل).الحركة البطيئة، أو المتعثرة، دلالة على الزمن المكسور، على حياة لا تسير إلى الأمام، في حين أن التشويش البصري، أو الصوتي، ليس خللًا تقنيًا، بل خيار جمالي يعكس تشوّش الواقع نفسه، وهنا تتحوّل السينما إلى لغة شعرية، لا تُترجم الواقع، بل تعيد كتابته.الصورة في "خرطوم" ليست وسيلة نقل للحدث، بل موضوع الفيلم نفسه، فالكاميرا لا تدّعي الحياد، بل تكشف حضورها، وتفضح ذاتيتها، وتُذكّرنا بأن ما نراه هو بناء سينمائي، لا "حقيقة خام"، فيما الاشتغال على الضوء والظل، وعلى زوايا غير مريحة، أحيانًا، يخلق إحساسًا دائمًا بعدم الاستقرار، وكأن الصورة نفسها مهددة بالانهيار.والفيلم الذي يقترب من سينما المقال يتربّع داخل سينما التجريد، حيث تتفكك العلاقة التقليدية بين الصورة والمعنى، ويتقدّم الإحساس على المعلومة، ويصبح المتلقي شريكًا في إنتاج الدلالة، لا مجرد مستهلك لها.تُبنى السينوغرافيا على الواقع المديني بوصفه فضاءً أدائيًا، فالضوء غير المسيطر عليه، والاهتزاز، والقرب الجسدي من الوجوه، تُنتج جميعها إحساسًا دائمًا بعدم الاستقرار، فيما يعمل الصوت كطبقة دلالية مستقلة، حيث يوازي الصمتُ والضجيجُ المعنى البصري ويكمله.أما المدينة فهي السينوغرافيا الكبرى، فلا ديكور مصطنع، بل واقع مُعاد تأطيره، في حين أن اختيار الأمكنة، والفراغات، والإيقاع البصري، يحوّل الخرطوم إلى مسرح مفتوح تتجاور فيه الحياة والموت، اليومي والسياسي، الشخصي والجماعي.ويتقاطع "خرطوم"، أيضًا، مع النمطين التأملي والشاعري، فالفيلم يكشف آليات تمثيله للواقع، ولا يدّعي الشفافية، كما يعتمد على الإيقاع، والفراغ، والعلاقات المجازية بدل السرد التفسيري، وهذا التداخل النمطي يعكس وعيًا نقديًا بطبيعة الوثائقي كخطاب لا كمرآة.يجد الفيلم موقعه أيضًا ضمن ما يطرحه حول الوظائف الأخلاقية للوثائقي، لا سيما وظيفة الشهادة والتحريض الأخلاقي، فالشخصيات لا تُستثمر كمواد سردية، بل كذوات لها كرامتها، يُحترم صمتها وهشاشتها، ما يمنح الفيلم بعدًا أخلاقيًا يتجاوز التمثيل إلى المسؤولية.من منظور "سينما العالم الثالث"، يقدّم "خرطوم" نموذجًا للتمثيل من الداخل، حيث تنبع اللغة السينمائية من شروط الإنتاج والواقع المادي، لا من تقليد نماذج مركزية، كما يقدّم نموذجًا لسينما وثائقية تفكّر بذاتها، وتعيد مساءلة علاقتها بالواقع والتاريخ، عبر أدوات نظرية وجمالية متداخلة.ثمة كثير مما يُقال عن "خرطوم"، لكني أختم بأن ما يحسب للفيلم جرأته في استخدام تقنيات غير مألوفة في الوثائقي العربي عمومًا، والسوداني خاصة، ما يتعلّق بكسر الإيهام الوثائقي، واللعب على حدود الأرشيف والراهن، وتوظيف الصوت كعنصر درامي، لا كعنصر مكمّل للصورة فقط.

المشـاهدات 24   تاريخ الإضافـة 12/01/2026   رقم المحتوى 69742
أضف تقييـم