الأربعاء 2026/3/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 19.48 مئويـة
نيوز بار
البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا مساءلة
البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا مساءلة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب نوري حمدان
النـص :

 

 

يتناول هذا المقال إشكالية غياب المدافعين عن حقوق الإنسان في البرلمان السادس، بوصفها أزمة بنيوية تمس جوهر التمثيل السياسي ووظيفة التشريع والرقابة. ويحلل أثر هذا الغياب على الحريات العامة، وتحول البرلمان من ساحة مساءلة إلى أداة لتكريس السلطة.لم يكن تشكيل البرلمان السادس بعد عام 2025 حدثاً سياسياً عادياً، ولا مجرد انتقال سلس للسلطة التشريعية ضمن دورة دستورية جديدة، بل كان مؤشراً بالغ الدلالة على تحوّل أعمق في بنية التمثيل السياسي، وعلى إعادة ترتيب صامتة للأولويات داخل المؤسسة التشريعية. ففي هذا البرلمان، لا يبرز الغياب بوصفه نقصاً عددياً في المقاعد أو خللاً تقنياً في مخرجات الانتخابات، بل يتجلى كفراغ نوعي يتمثل في تراجع أو اختفاء الأصوات التي جعلت من حقوق الإنسان، والحريات العامة، ومساءلة السلطة جوهر وجودها السياسي.إن الحديث عن غياب المدافعين عن حقوق الإنسان في البرلمان السادس لا يعني بالضرورة غياب أشخاص حملوا هذا الوصف شكلياً، بل يشير إلى غياب وظيفة سياسية كاملة، كانت، في مراحل سابقة، تشكل عنصر توازن أخلاقي وتشريعي داخل النظام السياسي. فحقوق الإنسان، بوصفها منظومة قيم وممارسات، لم تعد حاضرة كأولوية تشريعية، ولا كمعيار للحكم على القوانين، ولا حتى كخطاب دائم في النقاشات العامة داخل البرلمان. لقد تراجعت من كونها محوراً للصراع السياسي المشروع، إلى ملف هامشي يُستدعى عند الحاجة الخطابية فقط.هذا الغياب لا يمكن فصله عن السياق الانتخابي والاجتماعي الذي أفرز البرلمان السادس. فالمشاركةُ الانتخابيةُ جاءت منخفضة، رغم أن الإعلاناتِ الرسميةَ تشيرُ إلى أنها تجاوزت نسبة الخمسين في المئة، في حين يذهبُ المراقبون إلى تقديرٍ مختلفٍ تمامًا، وحالة الإحباط المتراكمة داخل قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب والناشطين والحركات المدنية، أسهمت في إضعاف فرص وصول القوى التي بنت خطابها على الإصلاح الحقوقي والتغيير السلمي. ومع تراجع الشارع بوصفه حاضنة سياسية ضاغطة، فقدت هذه القوى أهم مصادر قوتها، في مقابل صعود قوى تقليدية تمتلك شبكات تنظيمية راسخة، وموارد مالية وإعلامية، وقدرات عالية على الحشد والتعبئة.لكن المشكلة لا تكمن فقط في نتائج الانتخابات، بل في البيئة السياسية التي سبقتها وأحاطت بها. فخلال السنوات الأخيرة، تعرض العمل الحقوقي والمدني لضغوط متعددة، قانونية وأمنية واجتماعية، جعلت من الانخراط العلني في الدفاع عن الحريات مغامرة مكلفة سياسياً وشخصياً. وقد ساهمت القوانين الفضفاضة، التي تُجرّم التعبير تحت عناوين عامة مثل "المساس بالأمن" أو "الإساءة للنظام العام"، في خلق مناخ طارد للأصوات النقدية، ودافعة لها نحو الهامش، أو نحو الصمت.في هذا السياق، يصبح البرلمان السادس نتاجاً طبيعياً لتوازنات مختلة، لا استثناءً عنها. فحين يُقصى المدافع عن حقوق الإنسان قبل الوصول إلى البرلمان، وحين يُصوَّر الخطاب الحقوقي على أنه تهديد للاستقرار، أو ترف فكري غير ملائم "لظروف المرحلة"، فإن المؤسسة التشريعية تفقد تدريجياً قدرتها على أداء أحد أهم أدوارها: حماية الفرد من تغوّل السلطة، أياً كان شكلها.اللافت في البرلمان السادس ليس فقط غياب الصوت الحقوقي، بل استبداله بخطاب بديل يقوم على أولوية "الانسجام السياسي" و"الاستقرار المؤسسي". ويُقدَّم هذا الانسجام بوصفه مكسباً، ودليلاً على نضج التجربة السياسية، في حين يخفي في جوهره تراجعاً حاداً في التعددية الفكرية والسياسية. فحين تتقارب مواقف الكتل الكبرى إلى حد التطابق، لا يكون ذلك بالضرورة نتيجة توافق وطني عميق، بل قد يكون مؤشراً على إقصاء القضايا غير القابلة للمساومة، وفي مقدمتها حقوق الإنسان.في مثل هذا البرلمان، تمر القوانين بسهولة أكبر، لكن دون نقاشات حقيقية حول آثارها على الحريات العامة. تُشرَّع النصوص القانونية من زاوية أمنية أو إدارية، لا من منظور حقوقي، وتغيب الأسئلة الجوهرية التي يفترض أن ترافق أي تشريع: من الذي سيُتضرر؟ من الذي سيُقيَّد؟ ومن الذي سيُحاسَب؟ ومع غياب هذه الأسئلة، تتحول العملية التشريعية إلى ممارسة تقنية، لا سياسية بالمعنى العميق.أما الدور الرقابي للبرلمان، فيتأثر بدوره بهذا الفراغ. فغياب الكتل الحقوقية أو النواب ذوي الخلفية الحقوقية يضعف من قدرة المجلس على مساءلة الأجهزة التنفيذية والأمنية، وعلى فتح ملفات الانتهاكات، أو حتى مناقشة السياسات العامة من زاوية حماية الحقوق الأساسية. وبدلاً من أن يكون البرلمان ساحة لمواجهة السلطة بالحق والقانون، يصبح في كثير من الأحيان جزءاً من منظومة تبريرها.الأخطر من ذلك أن هذا الغياب يساهم في تطبيع تقييد الحريات. فالقمع حين يُمارَس خارج القانون يبقى فعلاً استثنائياً قابلاً للإدانة، أما حين يُشرَّع داخل البرلمان، فإنه يتحول إلى ممارسة "مشروعة"، محمية بالنصوص، ومسنودة بالأغلبية. وهنا لا تعود المشكلة في وجود انتهاكات، بل في تحويلها إلى جزء من النظام القانوني نفسه.إن البرلمان السادس، بهذا المعنى، لا يعاني من نقص في المعارضة السياسية التقليدية، بقدر ما يعاني من غياب معارضة حقوقية حقيقية. فالمعارضة التي تكتفي بمنازعة السلطة على المواقع والمصالح، من دون أن تضع كرامة الإنسان وحريته في صلب خطابها، تبقى معارضة ناقصة، عاجزة عن إنتاج بديل ديمقراطي حقيقي. فالحقوق ليست ملفاً جانبياً يمكن تأجيله، بل هي الأساس الذي تُقاس به شرعية أي نظام سياسي.ولا يمكن النظر إلى هذا الواقع بمعزل عن مسؤولية المجتمع المدني والإعلام. فضعف الحضور الحقوقي داخل البرلمان يفرض تحدياً مضاعفاً على الفاعلين خارج المؤسسة التشريعية، الذين باتوا مطالبين بلعب دور أكثر صعوبة في ظل فضاء عام يتقلص باستمرار. غير أن هذا التحدي، مهما كان كبيراً، لا يعفي البرلمان من مسؤوليته التاريخية. فالمؤسسة التي تُشرِّع باسم الشعب، ولا تحمي حقوقه، إنما تُفرغ الديمقراطية من مضمونها، وتحوّلها إلى إجراء شكلي بلا روح.في المحصلة، يكشف البرلمان السادس عن مفارقة عميقة: استقرار سياسي ظاهري، يقابله هشاشة حقوقية متزايدة. وبينما قد يُنظر إلى هذا الاستقرار بوصفه إنجازاً مرحلياً، فإن ثمنه البعيد قد يكون باهظاً. فالدول لا تُقاس بقوة سلطاتها فقط، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها، وبمدى حضور الحقوق في قلب مؤسساتها. وحين يغيب حُرّاس الحقوق عن البرلمان، لا يصبح التشريع أكثر فاعلية، بل أقل عدلاً، ولا تصبح الدولة أكثر قوة، بل أكثر عرضة لفقدان ثقة مواطنيها.

المشـاهدات 988   تاريخ الإضافـة 13/01/2026   رقم المحتوى 69777
أضف تقييـم