الأربعاء 2026/1/14 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 9.95 مئويـة
نيوز بار
إشارة عالية طالب في " نواح الآلهة " .... العزف المكابر على وتر البوح الموجع
إشارة عالية طالب في " نواح الآلهة " .... العزف المكابر على وتر البوح الموجع
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

منذر عبد الحر

يسير الرائي على أطراف أصابع شغفه , لا يريد إثارة غبار الضوء الذي يتشكّل هالة خافتة تحيط بوجه مطرق , وبعينين راقصتين يلتقط الرائي نتفاً مما سطّرته أناملٌ روّضت حقولاً وسواقي لتصوغ منها كلماتٍ سرعان ما تصبح طيوراً محلّقة في فضاء صاخب ...

هي رؤية , إطلالة , ولهٌ ينساب ليشكّل سحاباً من معانٍ , تربط الهواجس بالأحلام والأحداث بالبوح واللا معقول بضراوة الواقع , بهذا الإحساس أدخل عوالم النخلة العراقيّة المبدعة عالية طالب , المثقفة العراقيّة التي تميّزت بحضورها المؤثّر , في الكتابة الإبداعيّة المتنوّعة وفي النشاط الإنسانيّ الشجاع النبيل ....

ولأبدأ من فيض الذاكرة , حين غرفتُها للمرّة الأولى حيث كانت تشعّ نشاطاً , وهي تمسك بوتر الإبداع عازفة عليه بثقة ومهارة وموهبة راسخة , كان ذلك مطلع ثمانينات القرن الماضي , أيّام نشوة القراءة والتجوال في حقول الأدب المتنوّعة .

اللافت في تجربة عالية طالب , أن لها جملتها الخاصّة الاحترافيّة في الحقل الذي تجوب أفانين أشجاره , وهذه الجملة الخاصّة لا تتداخل في نسيج النص , أي لا تأتي الجملة الخبريّة التقريريّة في العمل السردي , بل سرعان ما تتسرّب إلى كتاباتها الصحفيّة التي تتطلب إخباراً ووضوحاً ومباشرة حادّة , كما أن جملتها القصصية لا تتسلل إلى جسد روايتها , في تمكّن حِرَفيّ عالي الأداء , لذلك فأنا حين أتحدّث عن عموم تجربتها فإنني سأتشعّب وأتناول بالتفصيل ما جادت به أعمالها السرديّة , قصّة أو رواية , أو ما أبدعت فيه عبر كتاباتها الأخرى التي قالت فيها أفكارها وآراءها بشجاعة وقوّة وجرأة وثبات مبدأ من النادر أن يتوفّر في كتّاب آخرين , لذلك سأدلي هنا بقراءة تذوقيّة لمجموعتها القصصيّة " نواح الآلهة" التي صدرت عن دار شمس للنشر في القاهرة , وقد وصفتُ قراءتي بالتذوقيّة لأنني لم ألزم نفسي بركوب أمواج منهج نقديّ محدد , ربّما يطوّقني بمحددات أكاديميّة حرصتُ دائماً على الانفلات منها والسباحة في فضاء يتّسع لما أريد الحديث عنه . 

أبدأ قراءتي بالانزياح الدلالي الذي ولّده عنوان المجموعة القصصيّة , فالنواح ..ارتبط بالانكسار والحزن والفقدان والخيبة واليأس , وهذه المفردات في الغالب الأعمّ ارتبطت بعامّة الناس من المغلوب على أمرهم , أمّا الآلهة فلها السطوة والسلطة والنفوذ والعلوّ وبالتالي البهجة والغناء , وربّما كانت الدهشة لتسقط حين يكون العنوان غناء الآلهة مثلاً , على اعتبار أن هذا النسق في التعبير ينسجم مع النظرة العامّة والصورة الذهنيّة لطبيعة الآلهة وأدوارهم وممارساتهم الأسطوريّة التي نقلتها لنا الثقافات المتوارثة والسرديّات الثابتة في حياتنا ...

اللافت في مدخل المجموعة , العتبة الأولى الدالّة على فكرة التحدّي " الذي فاق كلّ الملوك ...قال لنمضِ معاً " إذن فإن للكاتبة هنا متكأ يفوق قدرة الملوك ليفتح آفاقاً رحبة تخترق الحدود وتتجاوز الأطر , لتدخل إلى معزوفة قصيرة بعنوان " حرائق " تمهّد للنص القصصي الأوّل : ظلال امرأة ... وهو عبارة عن منولوج داخليّ يشير إلى حوار رقيق للذات التي تمثلها المكابرة والآخر الذي يبدو مبتعداً يختلق مبررات لبعده , مما يترك آلاماً تعبّر عنها المرأة بلوعة وشجن رقيق ينساب في نصّ يكاد ينفجر لشدّة اختزاله ودفقه الشعريّ والوجدانيّ الشفيف الآسر , الذي يؤكّد على إيحاء فنّ القصة القصيرة وابتعاده عن التفاصيل والمرجعيّات الخاصّة بالشخصيّات ومثلاتها في التعبير السرديّ المتقن الذي يفترض قارئاً مشاركاً يتفاعل مع حواري النص – الداخلي والخارجي – ليعطي نهاية مفتوحة لا تشير إلى  نتائج جاهزة ...

جدير بالذكر أن عنوان المجموعة " نواح الآلهة " لم يوضع على أيّ نصّ من نصوص المجموعة بل جاءت النصوص بهذه العناوين : "مساحة بلا ضوء".. و"صوت الجدار" و" أجراس ثيابي " و"الليالي " و "هو من يسألني " و "الوجوه " و "السرداب " و "نهايات " و "الرحيل " و "فراغ " و "معك " و "حبٌّ في زمن الوحشة " ....

من قصّة مساحة بلا ضوء ألتقط هذا المشهد , أو اللوحة المرسومة ببراعة وإتقان وجماليّة عالية : " أقترب مني وأكاد ألوذ بنفسي علّها توقظ في داخلي معرفتي بالمجهول الشاهق الذي يتربّص بي في كلّ اتجاه ألتفتُ إليه ,تلك بقعة  أعرفها، بل أكاد أرى آثار أصابع يدي وهي تمسح الغبار عن عنقود حبّات الكالبتوس الصغيرة قبل أن نتبارى أنا ومن معي على وضعها من ساقها الصغير قرطاً في آذاننا ..أمسكُ أذني الصغيرة وأتحسّس مكان القرط اليوكالبتوسي  الفارغ وأشعر بالألم ينغرز في عنقي الذي يسألُ : أين اختفت أقراطنا "

هكذا يسري المونولوج , أغنية هادئة تنساب على نهر رقراق أمواجه تسير بهدوء وغنج , نعم فيها بكاء ووجع , وفيها إشارات عميقة واستعارات جذّابة فيها حذر حذق , فالاستعارة هنا توظّف الحسّ الشعريّ لمسار السرد ...كي لا يفقد النصّ هويّته التجنيسيّة وهو يحلّق بجمل قصيرة حادّة مؤثرة ترسم مشهداً يستثمر الذاكرة الجماليّة من أجل تحقيق الدلالة المبتغاة التي يؤثث النص القصصي تضاريسه من أجل الوصول إليها بأناة وثقة بالنفس الباثّة وكذلك بالمتلقي الذي يتماهى حتماً مع مسار السرد ليصعد معه صعوداً حسّيّاً معبّراً ...

وفي ذات النص مزول قسريّ إلى أشواك الواقع : " يوقفني حاجز تفتيش يتناسخ كل بضعة أمتار، يتفصد عرق وجهي ويؤلمني شعري " ...

ثم السؤال الجامح : أتحملين سلاحاً ...

طبعاً تأتي الإجابة بالتذمّر والنفي , ثم السؤال اللاحق : أتحملين عطراً ....

هذه المتلازمة التي صارت تاريخية في حياة العراقيين في فترة ما , حين انتشرت أحداث التفجير والقتل على الهويّة والاغتيالات والتصفيات , هي لمحة إذن تومئ لتلك الأيّام وما عاناه الناس من ضيق وتذمّر وتحمّل وصبر وتضحيات أدّت بعدد غير قليل من الناس الباحثين عن السلام والأمان ومنهم المؤلفة إلى الهجرة وترك البلاد التي أصبحت مباحة ....

إن المعالجات الأسلوبيّة التي اتبعتها المبدعة عالية طالب في عموم قصصها القصيرة , هي بالصيغ المختزلة الموجزة البعيدة عن الاستطراد والوصف غير المفيد والتفاصيل غير الدالّة على فكرة أو رأي أو رؤية متأملة , وهذه المعالجات المتقنة تحتاج إلى وقفة عند كلّ نصّ قصصيّ , لأنه يمثّل بوحاً وجدانيّاً آسراً مرتبطاً بفكرة يتمّ بثّها بمهارة وثقة عالية بالنفس وبالمتلقي – كما أشرتُ – على جسد النص ليأتي الاستنتاج خلاصة تعطي الكاتبة ملامحها وتضع لها ركائز فنيّة راسخة ...

"أسمع مقاطع حوارات ما زالت عالقة في الهواء في المكان المزدحم ذاته الآن بظلال أرواح من ابتلعهم صخب انفجار مرّ فوق أمكنة متشظية.."

أو " تتوه مشاعري وكأنين دمية تحرّكها نفسي ، أو يحرّكها شارع يكتظ بحياة متوقّفة وليس فيها غير ضباب بلون مغبرَّ متراكم فوق بعضه. أسمع همسهم الصاخب وراء خطواتي وكأنهم يذبحون ذاكرتي ، أعود لسيارتي وأحملها فوق خطواتي التي تقودها إلى منزل ضمّني ذات يوم ، أقترب من شبّاك يعرفني، يعرف وجهي وصوتي ولمسة أصابعي التي فتحته في كلّ الصباحات " ....

استللتُ هذه المقطوعات ذات الوهج الدلاليّ المعبّر لتكون أنموذجاً دالاً على طبية اشتغال المبدعة المتجددة عالية طالب , ليس في مجموعتها التي قرأنا نتفاً قليلة منها , بل في مشروعها السرديّ الذي يحمل ملامح تميّز وقدرة على تحقيق الشخصيّة الثقافيّة المؤثرة والصوت الإبداعي العالي الذي يستحقّ منّا الاحتفاء والتقدير والدراسة الفاحصة لهذه التجربة المبدعة حقّاً .

المشـاهدات 34   تاريخ الإضافـة 14/01/2026   رقم المحتوى 69826
أضف تقييـم