| النـص :
في البدء، لم يفرض الله على الإنسان قيداً، ولم يدفعه إلى طريق واحد. أطلقه حراً، يختبر الكون بعقله، ويختبر نفسه بما يختار. قال الإمام علي عليه السلام: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً". كلمة تختصر مأساة أجيالٍ كاملة، اختارت طواعية ما لم يفرضه أحد عليها "الانحناء".لكن السؤال الذي يلسع الوعي هو، لماذا يختار بعض الناس الذل مع أن الباب مفتوح، والسماء شاهدة على حرية الاختيار؟ هذا السؤال شغل الفلاسفة قبل الثوار. جان جاك روسو، الذي هزّ عروش أوروبا بفكرة الإرادة الحرة، قال عبارته الشهيرة: "الإنسان يولد حراً، ومع ذلك فهو في كل مكان مكبل بالأغلال".وحين نتمعن في واقعنا العراقي اليوم، نجد أن تلك الأغلال لم تُفرض علينا كلها بقوة السلاح؛ بعضها صنع في أروقة النفس، حين استسلم الناس طوعاً لهيبة الزعيم، وخوف الحزب، وسطوة الشيخ، وإغراء الفاسد.الفيلسوف سبينوزا رأى أن الخوف هو أبو الطغيان، وإن المستبد لا يشتد إلا حين تتراجع عزيمة المحكوم. أما المتصوف الكبير ابن عطاء الله السكندري فقال: "ما قادك شيء مثل الوهم"؛ والوهم، في عراق اليوم، أصبح جمهورية كاملة بوزرائها وأتباعها ونعوتها وصناع خطابها.المشهد العراقي يحزن لأن بعض أبناء هذا البلد العريق تنازلوا عن الحرية طواعية. هناك من يصفق للظالم لأنه يخاف التغيير؛ ومن يُبرّر الفشل لأنه ارتبط نفسياً بوجهٍ سياسي أو شيخ عشائري؛ ومن يقدّم الولاء الأعمى لأنه يعتقد أن الذل أهون من المسؤولية. هؤلاء ليسوا ضحايا بالكامل؛ بعضهم مشارك في تمديد عمر الخراب.إن الحرية ليست شعاراً في مظاهرة، بل امتحاناً داخلياً. هي القدرة على أن تقول "لا" حين يكون الجميع يقولون "نعم". هي الجرأة على التفكير حين يصبح التفكير جريمة. هي مقاومة الانحطاط النفسي الذي يجعل الإنسان عبداً لإرادته قبل أن يكون عبداً لغيره.الثائر الأميركي هنري ديفيد ثورو كتب ذات يوم: "العبد الحقيقي ليس من يُقهر بالقوة، بل من يقهره خوفه". ولو تأملنا وجوه الكثيرين ممن يصنعون المشهد العراقي اليوم، لوجدنا الخوف سيداً، والحرية يتيمة.العراق بكل مآسيه، وبكل أحلامه المدفونة، وبكل دماء أبنائه، لا نستطيع أن نفهم جراحه دون أن نفهم عبودية الخوف التي تنخر النفوس. عبودية تجعل العامل يخشى المطالبة بحقه، والطالب يخشى السؤال، والصحفي يخشى الحقيقة، والمواطن يخشى قول ما يفكر به… وفي كل مرة يسكت فيها الناس، يقوى الفاسد، ويتضخم الطاغية، ويستمر الخراب.لكن في المقابل، هناك عراقيون آخرون، يرفضون الذل حتى لو كلفهم ذلك حياتهم. أولئك هم الذين يذكروننا بما قاله شهيد الحرية الحسين بن علي: "إن لم يكن لكم دين، فكونوا أحراراً في دنياكم". هؤلاء هم الفاصل بين عراقٍ يريد الحياة، وعراقٍ يريد أن يتدحرج نحو مظلمة طويلة.ليس هناك أشدّ مرارة من أن يعطيك الله الحرية، ثم تتنازل عنها بيدك. وليست هناك لعنة أشد من أن يصبح المجتمع شريكاً في صناعة جلاده. التحرر يبدأ من الداخل؛ يبدأ حين يكسر الإنسان الوهم الذي يسكنه لا السلاسل التي حوله. يبدأ حين يتوقف عن تبرير الظلم، وحين يرى أن الكرامة ليست امتيازاً بل واجباً.وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بلا خوف، هل نحن شعب أُجبر على العبودية… أم شعب اعتادها؟ وإن كنا قد اعتدناها، فمتى نكسرها؟ هذا السؤال وحده هو بداية الحرية
|