| النـص :
لم تعد غرينلاند مجرّد جزيرة نائية في أقصى شمال الكرة الأرضية، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر النقاط حساسية في معادلات الجغرافيا السياسية الدولية، حيث يتقاطع الأمن بالاقتصاد، وتتشابك حسابات القوى الكبرى عند تخوم القطب الشمالي.تمتد غرينلاند على مساحة تقارب”2.16“ مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر جزيرة في العالم خارج إطار القارات، ومع ذلك لا يتجاوز عدد سكانها نحو 56 ألف نسمة فقط، يتركّزون على السواحل، فيما تغطّي الصفائح الجليدية قرابة 80% من مساحتها. هذه المفارقة بين الاتساع الجغرافي والضآلة الديموغرافية منحتها وزناً استراتيجياً يفوق كثيراً حجمها السكاني.تقع الجزيرة عند نقطة تماس بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتُشرف على مسارات جوية وصاروخية وبحرية بالغة الحساسية. ومع تسارع ذوبان الجليد بفعل التغيّر المناخي، بدأت ملامح ممرات تجارية جديدة وثروات طبيعية غير مستغلة بالظهور، في مقدمتها المعادن النادرة التي تُعد حجر الأساس في الصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة.هذا الواقع الجديد استقطب اهتمام القوى الكبرى. فقد حاولت الصين الدخول إلى غرينلاند عبر بوابة الاقتصاد، من خلال عروض استثمارية في البنية التحتية ومشاريع التعدين، في إطار ما عُرف بـ“طريق الحرير القطبي“. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بتحفّظ شديد من الدنمارك والولايات المتحدة، خشية تحوّل النفوذ الاقتصادي إلى حضور سياسي وأمني في منطقة تُعد جزءا من الأمن القومي الغربي.في المقابل، فضلت روسيا تكريس نفوذها داخل نطاقها القطبي الخاص، معزّزة قواعدها وبنيتها العسكرية في السواحل السيبيرية، من دون الاقتراب المباشر من غرينلاند التي تخضع فعليا لمظلة أمنية أميركية، تتجسّد في قاعدة Pituffik Space Base، إحدى ركائز منظومة الإنذار المبكر والدفاع الفضائي في شمال الأطلسي.بين هذه التوازنات، تسير غرينلاند على خيط دقيق بين طموح داخلي نحو استقلال تدريجي، وواقع دولي يفرض عليها حسابات اقتصادية وأمنية معقّدة. فالجزيرة، رغم هدوئها الظاهري، أصبحت اختبارا حياً لشكل الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد السيطرة تُقاس بالاحتلال العسكري، بل بقدرة الدول على إدارة النفوذ عند أطراف الجليد، بعيداً عن الضجيج… وقريباً من مراكز القرار.
|