سياسة الزمن وعولمة التقويم
![]() |
| سياسة الزمن وعولمة التقويم |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : أ.م.د. دجلة صبّار منذور تعددت توجهات العولمة ومنطلقاتها الايدولوجية واختلفت نواحي تلك التوجهات في هيمنتها بكلِّ أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغويّة والثقافية على نحو عام وغيرها من العولمات الأخرى التي تعمل القوى الكبرى على توسيع سطوتها في كلِّ ما من شأنه أنْ يحقق لها أهداف الهيمنة العالمية. فهذه الأبعاد الفكرية التي تسعى تلك القوى الى التفرد والتسيّد فيها لا بدَّ لها من توقيت وضبط زماني يضبط حركة سياستها العالمية مدنيًّا وعسكريًّا وتجارتها العالمية ولغتها العالمية وثقافتها العالمية وكل أنشطتها ما دامت قائمة، فلم يُنظر الى التوقيت والزمن على أنه حركة الأفلاك في تسجيل الوقائع والأحداث، بل نُظر اليه في ضوء الهيمنة العالمية في منظومة القوة الدولية ، ومن ثمَّ شكّل التقويم الزمني صراع الهوية بعد أن كان أرقام حساب وتواريخ أيام وسنوات، فالأمة التي لا تنظر لتقويمها نظرة هوية ووجود فقد وافقت على التنازل عن كينونتها واختلطت تواريخ أحداثها الماضية مما تعتز به وتفتخر، ورسمت لنفسها مستقبلا قائما على ثقافة غيرها فرضًا ، وفي هذا السياق نجد عولمة التقويم الميلادي مصداقًا واقعيًا جعل من الهوية الاسلامية متموضعةً داخل النظام المعاصر وتواجه اشكالية وجودها الحضاري. فالتقويم الهجري بداية انطلاق الحضارة الاسلامية وبداية تأسيس لمرحلة انتقالية في الفكر والانسانية ، بل هو بداية وجود حقيقي لتأسيس تأريخ تبدأ منه نهاية الرسالات السماويّة بخاتمتها التي ارتضاها الخالق عزّ وجلّ للناس كافةً ، فالتقويم الهجريّ ليس هجرة جغرافية في صحراء على راحلة من مكة الى المدينة ، بل هو رِحلةُ حضارة بمقاسات إلهية وبداية رسالة بمعطيات لاهوتية وليس حسابًا للأيام والشهور والسنوات من دون الحمل الاخلاقي والبعد الانساني في رسالة السماء الى الأرض. فمنذ منتصف القرن الثامن عشر بدأ صراع جديد بين العالمين: الأوربي والاسلامي، وتحديدا في الثورة الصناعية في أوربا التي برزت حاجتها الاقتصادية الى تقويم عالمي عملي لتنظيم الحياة الصناعية والتبادل التجاريّ فكان التقويم الشمسي الذي توافرت فيه من المقومات ما أهّلته لأن يخرج من دائرته الدينية الكنائسية الى عالميته الاقتصادية والسياسية ومن ثم فرضته في التعامل الإداري في مستعمراتها الاسلامية ، وبقيت مؤهلات الهيمنة الاقتصادية تتصاعد كلما تقدم العهد على التطور التقني والتكنلوجي فكان التقويم الميلادي جزءا مهما في رقمنه العالم ، فقد تم تصميمه البرامج الالكترونية والتقنيات الرقمية ، وكل ما يتعلق بشبكة المعلومات الدولية وفقًا للتقويم الميلادي الذي صار لغة رقمية معولمة في حركة كل التقنيات علميًّا ، فأُقصي بهدوء التقويم الهجري في الادارة والاقتصاد والتجارة واُستبدل في بلداننا الاسلامية بالميلاديّ، ولا سيما أنَّ التقويم الهجريّ في طبيعته القمريّة متحرك وغير ثابت في فصوله وهذا ما يرجح الحاجة العالمية للتقويم الشمسي الثابت في حركته السنوية ، فالعولمة الميلادية جعلت من الهجري تقويما شعائريّ بهلال رمضان وهلال شوال والأشهر الحُرم ، فكان تقويمًا روحيا ، نُحي جانبًا في الاقتصاد والتجارة والتعليم ، واُقتصر على رمزيته الدينية. واذا كانت عولمته بهذه الحدود فهو هينٌ قياسًا بما يتركه هذا التحول الى التقويم الميلادي من أثر في الوعي والادراك الاسلامي حين نضع أحداثنا وتأريخنا وحضارتنا وعلومنا بتقويم غير تقويمنا ، فالذاكرة الاسلامية بتقادم العهد عليها في البحث والتفكير الميلادي زمنًا يجعلها ذاكرة خارج ذاكرتها الذاتية ، بل خارج منظومتها المعرفية ، ومن ثمّ خارج معرفتها المستقبلية، وهنا كانت عولمة التقويم الميلادي قد دفعت بالهوية الاسلامية الى هامش طقسي مفتقرةً الى مواكبة التطلعات الحضاريّة في القدرة على تنظيم شؤونها العامة. لا ننكر المقومات التي يتمتع بها التقويم الميلادي في ثباته واستقراره فصليًّا بما يتيح للعالم المتطور توظيفه اقتصاديًّا وتعليميًّا الا أن التقويم الميلادي القمريّ فيه من المؤهلات العلميّة ما يجعله لغةً رقميّة عالميّة تنافس التقويم المعولم كجزء من العولمة الثقافية العامة، ولعل أهم ما جعل تلك العولمة تتوسع في نطاقها العربي والاسلامي على نحو خاص ، هو تقبّل أصحاب التقويم الهجريّ للتقويم المعولم والتعامل به وفقًا لمعطيات حياتهم اليومية ، بل والعلمية كذلك فقد رأينا بعض رجال الدين المسلمين يُذيل تأليفه أو مطالعته بالتقويم الميلادي مع التقويم الهجري وكأنَّ الثانيّ لا يتضح الا بالأول ، وقد ظهرت في العقود الحالية ما شجّع عولمة التقويم الميلادي على حساب الهجريّ هو حجم الاحتفالات الكبيرة عند المسلمين برأس السنة الميلاديّة أهمية تلك المناسبة في الوقت الذي لا يعلم الكثير من المسلمين ما هو اليوم الذي تدور فيه السنة الهجريّة ، فالمسلمون عولموا من دون أن يشعروا ( كرسمس التقويم الميلادي) على حساب ( كرسمس التقويم الهجريّ) إن صح لنا التعبير والاصطلاح عليه بالكرسمس. وأظنّ أنَّ هذا الأمر من الخطورة بمكان يجعل هويتنا الاسلامية في مواجهة الصراع الحضاريّ المتسارع في تطوره في زمن رقمنة العالم من جهتهم ورقمنة المشكلة من جانبنا. |
| المشـاهدات 23 تاريخ الإضافـة 18/01/2026 رقم المحتوى 69896 |
توقيـت بغداد









