الأربعاء 2026/1/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 0.95 مئويـة
نيوز بار
قصة قصيرة قصة كتاب
قصة قصيرة قصة كتاب
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

د. عبد الحسين علوان الدرويش

 

مهداة إلى الدكتور الاديب البارع والشاعر المبدع عدنان عبد النبي البلداوي

لم يكن يعلم أن أوراقه المتناثرة ، ومقالاته الأدبية الرصينة المنشورة في الصحف المحلية وخاصة جريدة العراق منذ عام ١٩٨٢ م ، قد اكتملت ونضجت وأصبحت جاهزة للطباعة على شكل كتاب ، لكن  السؤال الذي يطرحه كل مرة بعد الانتهاء من تجهيز المخطوطة ، كيف كتابه هذا يرى النور!!! .

باع الكثير من كتب مكتبه الخاصة ، وبعض المقتنيات الثمينة ، لكي يكمل المبلغ المرصود لطبع هذا الكتاب ،.

وبعد إحالته على التقاعد، حيث كان مدرسا للغة العربية، نشط في المجال الادبي والثقافي ،ونشر المقالات الادبية في الصحف المحلية والعربية ، وشارك في مهرجانات ومؤتمرات مثل مهرجان المربد ،وقد  شارك بطرح بحثه القيم والذي اصدره  في كتاب بعنوان المطلع التقليدي في القصيدة العربية ، وفيه دراسة  تحليلية نقدية لبدايات القصيدة العربية التقليدية ( المطالع ) ،مركزا على وظائفها الفنية والجمالية والنفسية في بناء القصيدة ، وقد شكلت المطالع عنصراً أساسياً في جذب المتلقي  ، وتهيئه للدخول في أجواء النص الشعري ، وقد إشادة عددا من الأدباء العراقيين والعرب  بهذا البحث القيم .

وبعد انتهاء التزامه بالجانب الوظيفي في التربية والتعليم ،ما أنفك الرجوع إلى مشاريعه المؤجلة منذ عام الفيل ، منها مخطوطات متنوعة منها قد صدرت ، والباقي يحتاج إلى مراجعة وتنقيح ، وهناك صدرت له كتب في النقد الأدبي ،ودراسات في الشعر العربي القديم ،وكانت كتبه هذه لها أهمية على المستوى الأدبي واللغوي ، ولهذا أصبحت مؤلفاته جسراً بين الأكاديمي والميدان الشعري ، مما يثري الحركة الأدبية ، والتي تمتاز بالإيجاز البلاغي الشديد والصياغة اللفظية المكثفة ، وتحليل النص والأخذ بأدق التفاصيل للوصول إلى الهدف المنشود .

ومن ناحية أخرى له حضور دائم في المجالس الثقافية والأدبية ، حيث محاضرته تكون بأسلوب تشويقي يشد المستمع إليه ،مما جعله من الأصوات الفاعلة في المشهد الثقافي .

له باع طويل في معرفة تاريخ الأدب العربي ، ومكتبته العامرة لأمهات الكتب والموسوعات ، حيث كان من ناحية المبدأ مقتنعاً ، أن الكتابة ليست مجرد حروف ترص على الورق...بل كانت نافذة تفتح على الوجود ، وميزانا يزن الأمم بقدر ما تتركه من أثر على السطور ، وبهذا أصبح الحرف بالنسبة إليه عبادة ، والكتابة لديه طريقاً إلى الخلود ،واذا ضاعت الكتب ضاع التاريخ نفسه ، وما الحضارات إلا ما تسطره اقلام أبنائها .   وعندما تم لقائه ببرنامج الحقيبة الثقافية في شارع المتنبي في يوم الجمعة الماضي ،بالسؤال عن أهمية القراءة قال مرتجلا : علمتني القراءة حب الهدوء ، والتواضع الشديد في حضرة الذين يعرفون أكثر مني ، ويقولون أجمل وأفضل وأطول وأحسن واحكم....، ثم أضاف بعدما تبسم ضاحكاً: القراءة ليست رفاهية ، القراءة أمر من السماء ، لا تقل لي لا احب القراءة!!! ،لكن كل ما في الأمر... أنك لم تجد مجال شغفك ، وعليه يجب أن تبحث عنه... وأبدأ القراءة....وثق انك بعد كل صفحة تقرؤها ستشعر أنك ترتقي إلى العلى.

واستمر الحديث الشيق في المقابلة: لقد عشق المسلمون الأوائل القراءة والكتابة ، فالجاحظ كان يستأجر دكان الوراقين ليلاً ليبيت فيها ويغتنمها فرصة ذهبية للقراءة!!! ، وهناك إسحاق بن راهويه  امام  الحديث والفقه ، تزوج من أرملة لأنها تملك كتب الشافعي !!!!،  وحين مر ابن الخشاب النحوي على الوراقين فاشترى كتبا  ب ٥٠٠ دينار فلم يجد مالا ليعطيهم ، فباع بيته ليسدد قيمة كتبه !!!، وقد استطاع ابن الجوزي قراءة أكثر من ٢٠ الف مجلد !!!! .

وبهذا يقول ( امبرتوايكو)  : من لا يقرأ يعيش حياة واحدة ، حتى لو اجتاز السبعين عاماً ، أما من يقرأ يعيش خمسة آلاف عام ، حتى قيل لأرسطو : كيف تحكم على إنسان ؟؟ ، فأجاب:  أسأله كم كتاباً يقرأ وماذا يقرأ !! ،حتى قال ( خورخي لويس بورخيس) : طالما تخليت أن الجنة ستكون على هيئة مكتبة !!!!!.

 

والكاتب الشاعر يكاد يتفرد بالحفاظ على جودة اللغة ومعمارها القاموسي ، وهو المتبحر في فقه اللغة ، والناقد الذي يصل عادة لتفكيك النص والبحث عن ما وراء السطور ، وبهذا يكون البيت الشعري عنده، مسكونا بجزالة اللفظ وسباكته ورقته ، وهذا ما يكون استجابة سريعة للمتلقي ، وقصائده ملبوسه بالجو النفسي والطقس اليومي ، حيث يقوم بقياس صدى الكلمات ، ويصفها صفا صفا، في ميزان إذنه الموسيقية ، وبهذا عند ذلك تتوهج الكلمات ،من السلم الموسيقي ،الى سماء الروح .

وبعد أن تم طبع كتابه ( حقائق في أوراق أدبية)   ، وهو يرى النور للمولود الجديد ، وبادئ ذي بدء يبدأ بتوزيع نسخ من كتابه الجديد على الأدباء والأصدقاء والمعارف والنقاد ، وهذاهو ديدنه عندما يصدر له أي كتاب ..... والحقيقة ليس للبيع بل للإهداء ، وكانت فرحته بهذا المولود الجديد لا توصف ،حيث يحلق عاليا ويطير إلى السماء  لأن الأرض   لا تسعه لكثرة  انشراحه وغبطته ، وهو يقبل غلاف الكتاب بشغف عاشق ولهان.

وفي ذلك الوقت ، دقت أجراس الحصار والقحط ، في تلك السنوات العجاف الخوالي والمجاعة الكبرى ، الذي وصل بالناس أن تأكل الدنان بدلاً من الرز ، وتأكل نوى التمر المطحون مع الطحين ذو القمل ، وترقيع الملابس الداخلية والجوارب ، وقلب الياقة للقميص اليتيم لمرتين في السنة ، والشاي المجفف على الشمس والمخلوط بنشارة الخشب المصبوغ باللون البني الغامق.

حيث كان الحصار زلزالا زاحفا إلى كل البيوت بلا استئذان ، ونام في بطون الاولاد والأطفال الرضع ، واستيقظ مرعوبا في عيون الأمهات ، لم يكن له صوت ....لكن صمته كان افجع من القنابل ،هكذا دخل الحصار في كل بيت عراقي ، بلا ضجيج ،لكن بثقل يقصم الظهر ، ولهذا لم يكن  الجوع كافر يطرق في كل الأوقات الأبواب....بل أصبح ضيفاً دائما ، صار الخبز حلما ، وصار السكر ترفا ، وصار الحليب أمنية مؤجلة.

أدى ذلك الحصار المفروض ،الى تكاثرالبسطيات على أرصفة الشوارع الرئيسية ، والساحات العامة ، علما أنه

كان راتب الكاتب الشهري لا يتعدى ثلاثة آلاف دينار عراقي ،اي ما يعادل شراء طبقة بيض واحدة!!!!!!!. وعليه ترجل الأستاذ الجامعي والمدرس والمعلم ، يفترشون الأرصفة والطرقات لبيع ما خف وزنه وعلى سعره ، بالإضافة إلى قطع الأثاث والمفروشات والتحفيات ، وحينها كان الوطن يقاس بالكيلو غرام ، كيلو طحين ، نصف كيلو رز ، ربع كيلو عدس ، البطاقة التموينية لا يوجد  فيها حليب ، نقص في الدفء ، لا يوجد عدل ،لا يوجد دواء ، وكان حين ذاك الدعاء هو العملة الوحيدة التي لم يمنعها الحصار. !!!!!٠

وقد حلم الكاتب في ذلك اليوم البائس ، من كثرة المخاوف التي انتابته ، عندما رأى نفسه مقذوفا في العراء ، فقد نطقه خف وزنه ،تقمص حالة التسامي ، تحول إلى هواء ثقيل ورماد ، تذروه رياح عاتية ، في شارع المتنبي المهجور ، صمت مطبق إلا من حركة تقليب أوراق لأغلفة  كتبه ومؤلفاته العديدة..... المطلع التقليدي في القصيدة العربية ، وعاهات الشعراء في الجاهلية والإسلام ، و اللقاءات الأدبية في الجاهلية والإسلام ، ومضمون الرسائل الشعرية في الجاهلية والإسلام ، وكتابه الأخير حقائق في أوراق أدبية.......نهض مفزوعا من كابوسه واضغاث أحلامه ، بعد أن تيقن من وجود مكتبته في بيته !!!!!!

لم يتردد في بيع اثاث منزله بسعر بخس ، ليقاوم تيار الحصار بالتجذيف في بحيرة لا تسدها الشمس... وليل أخرس شتائي طويل ....قال له صاحبه وهو يحاوره : لماذا لا تبيع مكتبتك !!!!!! ، واردف بالقول: أنت الوحيد الذي قاتلت ودافعت وحافظت على وجودها ، وبقيت تقاوم في هذا الزمن الهرم!!!!!

وكانت عربة السنين التي تجر خيولها التعبة من باقي العمر المتأكل بسنين الحصار والقحط والبؤس والوحشة والمعاناة الدامية ، والجهل....وقد تمثل الكاتب حالته  بقول الشاعر ابو علاء المعري : ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا.......تجاهلت حتى ظن اني جاهل ،وما برح يقاوم بكل ما يستطيع من قوة في السباحة ضد امواج الحصار المتلاطمة ، وأخيرا اقترح عليه والده الذي كان عنده خبرة تجارية ومعرفة في السوق ان يفتح له دكان صغير ،وكان  والده يأتيه من حين الى حين لأنه يسكن في إحدى المحافظات ، وفي إحدى المرات جاء والده وهو مبتسماً وفرحا لأنه حمل لهم هدية عظيمة في ذلك الوقت العصيب ،وكانوا فرحين بمجيئه إليهم ، الكاتب وأولاده مستقبليه بتقبيل يداه الكريمة ، وكانت الهدية ليست موضوعة في حقيبة أو كيس ، بل أخرجها من جيب سترة صايته العربية !!!!! ،وكانت عبارة عن خمسة بيضات من دجاج قروي ، وبسرعة تم إعداد وجبة الإفطار والغداء  معا من هذا البيض بعد خلطه بالبصل الاخضر والطماطم وأشياء أخرى ، لكي تزيد كمية الطعام التي بالنسبة لهم في ذلك الوقت كأنها المائدة التي نزلت من السماء وكانت لهم عيدا !!!!!٠

وكان دكانه في سوق الملحان الذي يقع في قلب الكاظمية ،حيث تضيق الأزقة وتتسع الذاكرة ، يمتد سوق الملحان مثل سطور قديمة كتبت بسعف النخيل ورائحة التراب ، الممزوجة برائحة النسوة القرويات ، وهن يبيعن اللبن الرائب والزبدة والجبن ودهن الحر ، وعندما تدلف السوق وكأنك تعبر بوابة الزمن الجميل ، سقوفه الخشبية المتعبة تنحني فوق الرؤوس ، كأنها تحاول أن تحمي زائريها من شمس الظهيرة ، تتلاصق الدكاكين الصغيرة مثل بيوت تساند كي لا تسقط أو تنحني ، هناك صانع حرفي يقشر سعف النخيل وكأنه يشذب الزمن الراكد ، حتى يصنع منه كرسيا من جريد النخيل ، الذي لا يزال رائحة فحل النخيل تفوح في المكان ، شبيهة بماء الرجل المهراق ، الذي يخرج من الصلب والترائب!!!!!!.

 وهناك تباع انواع الخضروات الطازجة التي تأتي من مزارع التاجي ، وانت تمشي في السوق ، تسمع خليطا من الأصوات المناداة على البضائع المختلفة ، لكن الكاتب كان  يعمل بصمت في دكانه...دون أي مناداة على بضاعته الراكدة ، وﻻ تسمع قربه أي حركة أو همسه  ، سوى رنة حركة الميزان النحاسي القديم ، يهتز بروية وكأنه يعاتب الزمن  على النسيان !!!!!!.

 وكانت بضاعة دكانه الصغير مطروحة ، حيث أغلب زبائنه من أهل القرى والأرياف المجاورين لمنطقته، الذين يأتون لشراء ما يحتاجونه من أدوات ومعدات زراعية ، وأشياء أخرى ، بالإضافة إلى سجائر المزين والتبغ بأنواعه ، وكافة مستلزمات التدخين ، مع علبة كبريت ذات ثلاث نجمات ، إضافة إلى لعب الاطفال البلاستيكية المعادة التصنيع ،وكلما يعرض بضاعته من لعب الاطفال وخاصة العرائس الصغيرة ، يلاحظ أن هناك الكثير من العرائس قد فقدت عيونها!!!!!، وعليه والحاجة أم الاختراع ، فقام بلصق عيون العرائس بخرز ملونة ناعمة ، بواسطة علكة ماء بيضاء اللون ، بدلا عن فقدانها أجزاء من جسمها خلال الحروب المتتالية .

وبعد أن أهدى الكثير من كتابه الأخير ( حقائق في أوراق أدبية) ، ورغم ذلك لازال هناك الكثير منه ، موزع في أنحاء بيته ، وأخيراً حاول أن يرصصها جميعاً على الأرض في مكتبته ، وحاول أن يعمل منها سريراً للنوم ، ويضع عليه فراش النوم مع وسادة ، وبهذا أصبحت الحقائق عامرة في سريره ذات النفر الواحد دائماً وأبداً!!!!.

وفي إحدى المرات اقترحوا عليه أولاده وذلك لحاجتهم الماسة إلى اكياس لتعبئة المواد العطارية المباعة ، وفي حينها قالوا لأبيهم : بدلا من أن نشتري اكياس تعبئة المواد .... نحن نقوم بصناعتها واردفوا بالقول: كل ما نحتاجه هو قليل من الصمغ ورزم من الأوراق ، ولا توجد لدينا أوراق غير كتاب الحقائق!!!!!!.

وبذلك تحول كتاب الحقائق إلى اكياس لتعبئة المواد التي تباع بسعر بخس في ذلك الزمن العاهر !!!!!! ، في أول الأمر تردد كثيراً من تحويل هذا الكتاب الثمين إلى أكياس لتعبئة المواد الرخيصة!!!! ، ولكن ما باليد حيلة ، وما حيلة المضطر إلا ركوبها........

وكانت تباع للزبون المدخن كمية قليلة من التبغ الرخيص ،توزن بالغرام ، حيث يباع ربع كيلوغرام ب ٣٠٠ دينار ، وما وزنه سبعة دراهم يباع ب٥٠ دينار ، والتجأوا المدخنين إلى شراء التبغ ، بعدما ارتفعت أسعار السجائر ارتفاعا ملحوظا خلال سنوات الحصار .

 وكان هناك  شاب جامعي يواظب على شراء التبغ  ب ٥٠ ديناراً ، وأصبح زبون دائماً ، وفي إحدى المرات جاء الشاب نفسه ليشتري التبغ ، وعندما تم تعبئة التبغ بغير أكياس الحقائق !!!!!!، وهنا تساؤل الشاب اين الاكياس التي كنتم تعبؤون بها التبغ سابقا !!!!، اريد التبغ بنفس الكيس ؟؟ وبعد ذلك قال له الكاتب : عمي ....خير لماذا لا تريد التبغ إلا بتلك الأكياس ، هنا أجاب الشاب:  الحقيقة كنت اتابع وبحرص كل مكتوب على تلك الأكياس ، واضاف: كنت احتفظ بكل الأكياس ، حيث كانت تحتوي على معلومات قيمة وسلسة وأسلوب راق .... وهذه الاوراق هي حقائق تغنيني عن شراء كتاب ، في دراستي الجامعية في اختصاص اللغة العربية!!!!!!!.

في تلك اللحظة الأخيرة الحاسمة

قال له الكاتب : هل تريد أن أهديك كتاب الحقائق!!!!! ، لم يفصح الكاتب عن نفسه  إلا حاجة  في نفس يعقوب قضاها !!!!!! ، وهنا الشاب فرح فرحا شديدا ، وأخذ الكتاب وقبله ، وكأنه وجد ضالته في هذا الكتاب !!!!!!.

 

كتبت بتاريخ ١١/١٢ /٢٠٢٥ م تونس

المشـاهدات 36   تاريخ الإضافـة 20/01/2026   رقم المحتوى 69964
أضف تقييـم