الأطلال في الشعر الجاهلي
![]() |
| الأطلال في الشعر الجاهلي |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
عساف أغا الدوري
الاطلال هي بقايا بيوت المحبوبة أو القبيلة التي يقف عندها الشاعر ليذكر الماضي، وتعدّ من أهم سمات المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي. تعكس ظاهرة الوقوف على الأطلال مشاعر الحنين، والأسى على الفراق، والذكريات، كما تكشف عن نمط حياة الشاعر البدوي القائم على الترحال والترحال والأطلال وهي البقايا التي تظهر شاخصة ماثلة فوق الأرض؛ كالأوتاد، والأثافيِّ، وبقايا الخيام، والأطلال واحدها طلل، وهو ما شخص وبرز فوق الأرض من آثار الديار. تحكي المقدمة الطللية كعنصر افتتاحي بالغ الأهمية في نسق البناء الشعري القديم - عن أشياءَ كثيرة اصطبغت بها حياة الإنسان العربي قبل مجيء الإسلام، كما تُلخِّص في اقتضاب وتكثيف احتياجات الذات الإنسانية آنذاك المثقلة بالأحمال، والواقعة بين ما قد تراه في الطبيعة من قسوة وبين نوائب الزمن، والطامحة إلى الأمن والاستقرار والسلام، وإذا كان الطلل - من حيث كونه في التحديد اللغوي يشير إلى آخِرِ ما تبقى من البناء المشيد - يرمز للفناء والنهاية والموت، فهو من جهة أخرى ومن زاوية نظر مختلفة، يرمز للمقاومة والتحدي والصمود في وجه الموت والانتصار للحياة. إن ظاهرة الوقوف والبكاء على الأطلال تعد من أشهر الظواهر شيوعاً في الشعر الجاهلي، وفيها يجد الشاعر متنفساً لما يختلج في خلده وبما يدور في ذاكرته من ذكريات تحمل الأسى والشجن الماضيين، يحاول الشاعر استعادتها بهذا القالب الفني في عمله الإبداعي، على أن هذا التقديم له بموضوع القصيدة، الذي يكون الشاعر في صدد الحديث عنه. وقد أرسى شعراء الجاهلية أصول هذا التقديم ورسومه الفنية، وحرصوا على المحافظة على مقوماته في أقدم ما آثر في مطولاتهم، فألموا بمعظم تفصيلاته، وهكذا تبيانت صورة الطلل في مقدمات الشاعر الواحد. والعلاقةُ بين الأطلال والبكاء علاقة مركزية ومصيرية تُجسِّد ثنائيةَ السبب والمسبِّب، والفعل والنتيجة. فالبكاءُ هو رَجْعُ صدى السنوات الجميلة الماضية، وهو محاولة لإعادة بناء الأطلال في الذاكرة واستحضار روح سكانها. فالدموعُ تمثل محاولة لترميم النفس الإنسانية، وترتيب حجارة الأبنية المندثرة الحاملة لأرواح الأحبة، ولمعان وجوههم وأحلامهم وأفراحهم وأحزانهم. إن الوقوف على الأطلال في الشعر الجاهلي من صُلْبِ واقع الحياة الجاهلية، ومحرَّكه الوجداني والمعاناةُ، وهو ترجمان النفس وإنعكاس لأحاسيسها، وقد ساعدت عليه الظروف الأقتصادية والاجتماعية والطبيعية مجتمعة، فلا تخلو معظم القصائد الجاهلية من اسم لمحبوبة أولشخص أو مكان أو وقوف وبكاء على طلل. والطلل في الشعر الجاهلي يعبر عن حالة الشاعر النفسية، وما كان يجوش فيها من خواطر وهموم تجلت في انفعالاته اتجاه الواقع الذي يعيشه، فكان لتلك الطلول الأثر الواضح على نفسية الشاعر الجاهلي، تجلت فيه أشعاره وقصائده، فقد عمل الطلل على حياة الشاعر، وحزنها في آثاره والرسم المتبقي منه، حيث كان الشاعر يلجأ إليه في حالة الاشتقاق والحنين، وذلك للتذكر والعودة للأيام التي كان يعيشها في هذا المكان، هذه الذكريات الماضية البعيدة، وما انطوى عليها من حب وتمتع لا تفارقه في ماضيه وحاضره، فهي ملازمه له في كل الأحوال. لقد كان الوقوف على الأطلال عادة مألوفة لدي شعراء العصر الجاهلي، فمعظم القصائد قد حوت هذا النمط من المقدمات. والذي يتعمق في الشعر الجاهلي يجد أن معظم الشعر الذي وصلنا من ذلك العصر لا يخلو من مقدمة يكون موضوعها البكاء على الأطلال. ثم بعد ذلك يصفون رحلاتهم في الصحراء، وما يركبونه من إبل وخيل، وكثيراً ما يشبهون الناقة في سرعتها ببعض الحيوانات الوحشية، ويمضون في تصويرها، ثم يخرجون إلى الغرض من قصيدتهم مديحاً أو هجاء أو فخراً أو عتاباً أو رثاء. ولعل آراء نقاد الشعر العربي القديم مستقرة في إجماع على أن المقدمة الطللية هي أشهر المقدمات الشعرية وأهمها، وأكثرها شيوعًا واستعمالًا في أشعار الشعراء القدماء، فعادة البكاء على الأطلال والرسوم الدَّارِسة قديمة قِدَم الشعر نفسه، وتحضر بكثرة في دواوين الجاهليين متفوقة على باقي المقدمات الأخرى؛ حيث كانت تمثل هذه الوقفة الطللية لحظة تأملية عميقة، يعيشها الشاعر في حزن أمام بقايا ديار عافية، وأطلال شاخصة، ومنازل مندرِسة قضت عليها عوامل الهدم والفناء، ومحت معالمها صروف الزمن وتحولاته؛ من أمطار وسيول جارفة، ومن رياح وزوابع عاتية متناوحة، كما كانت تشكل هذه الوقفة أيضًا حالة نفسية عميقة، وموقفًا باكيًا وأليمًا يتأثر له الشاعر أيما تأثر، يستشعر فيه معاني العجز ويجعله يستدعي في شوق ذكرياته الماضية مع أحبائه وأصحابه. |
| المشـاهدات 27 تاريخ الإضافـة 20/01/2026 رقم المحتوى 69966 |
توقيـت بغداد









