الأربعاء 2026/1/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد -0.05 مئويـة
نيوز بار
من يقود من؟ ..العلاقات الأميركية – الإسرائيلية بين الواقعية السياسية والعقيدة الأيديولوجية الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي كحرب أميركية غير مباشرة
من يقود من؟ ..العلاقات الأميركية – الإسرائيلية بين الواقعية السياسية والعقيدة الأيديولوجية الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي كحرب أميركية غير مباشرة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د.حيدر صبخي الجوراني
النـص :

 

 

 

 

تُعدّ العلاقات الأميركية–الإسرائيلية من أكثر العلاقات الدولية إثارةً للجدل في حقل السياسة الدولية، ليس فقط بسبب عمقها واستمراريتها، بل بسبب السؤال الجوهري الذي يرافقها منذ عقود: هل تمثل إسرائيل قوةً مؤثرة تُوجّه القرار الأميركي، أم أن الولايات المتحدة هي التي توظّف إسرائيل كأداة استراتيجية متقدمة لتنفيذ أجندتها في الشرق الأوسط؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون اختزالية أو انطباعية، بل تتطلب تفكيكًا فكريًا يستند إلى رؤى المفكرين الأميركيين أنفسهم، وإلى المدارس الفكرية الحاكمة لصنع القرار في واشنطن.منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، تطورت العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة من اعتراف سياسي مبكر إلى تحالف استراتيجي شامل، شمل الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، وأصبح جزءًا ثابتًا من بنية السياسة الخارجية الأميركية. هذا التحالف لم يكن وليد لحظة عاطفية أو دينية فقط، بل جاء نتيجة حسابات جيوسياسية رأت في إسرائيل قاعدة متقدمة تخدم المصالح الأميركية في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة. غير أن هذا التفسير الواقعي لم يمنع بروز أطروحات نقدية داخل الفكر الأميركي نفسه، حاولت تفكيك طبيعة هذه العلاقة وحدود التأثير المتبادل بين الطرفين.يرى المفكرون الواقعيون، وفي مقدمتهم زيغمينت برجنسكي وهنري كيسنجر، أن السياسة الخارجية الأميركية تُدار انطلاقًا من المصالح القومية العليا للولايات المتحدة، وأن دعم إسرائيل هو خيار استراتيجي أميركي، وليس نتيجة خضوع أو تبعية. فبرجنسكي كان يؤكد باستمرار أن استمرار الصراع العربي–الإسرائيلي، وخصوصًا غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية، يُلحق ضررًا مباشرًا بالمصالح الأميركية ويقوّض مكانتها في العالم الإسلامي، ما يعني أن دعم إسرائيل يجب أن يكون مضبوطًا بإطار أوسع من التوازنات الإقليمية. أما كيسنجر، فقد تعامل مع إسرائيل بوصفها ورقة من أوراق إدارة التوازن في الشرق الأوسط، لا غاية بحد ذاتها، وكان حريصًا على عدم تحويل الدعم الأميركي إلى التزام مطلق يُقيّد حركة واشنطن أو يعزلها عن بقية الفاعلين الإقليميين.في المقابل، قدّم جون ميرشايمر، بالتعاون مع ستيفن والت، أطروحة أكثر نقدية، ركّزت على دور اللوبي الإسرائيلي في التأثير على السياسة الداخلية الأميركية، وخصوصًا داخل الكونغرس ووسائل الإعلام ومراكز القرار. هذه الأطروحة لا تذهب إلى حد القول إن إسرائيل تحكم الولايات المتحدة، لكنها تشير إلى أن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل لا تعكس دائمًا المصلحة الأميركية الصرفة، بل تتأثر بضغوط منظمة وفعّالة تدفع باتجاه انحياز واسع لإسرائيل، حتى عندما يكون ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي أو صورة الولايات المتحدة عالميًا. ومع ذلك، يبقى ميرشايمر نفسه ضمن الإطار الواقعي الذي يعترف بأن الدولة العظمى، في نهاية المطاف، هي من تتخذ القرار.غير أن فهم العلاقة الأميركية–الإسرائيلية لا يكتمل من دون التوقف عند دور المحافظين الجدد، الذين شكّلوا منذ تسعينيات القرن الماضي أحد أهم التيارات المؤثرة في السياسة الخارجية الأميركية. ينطلق هذا التيار من قناعة مفادها أن الهيمنة الأميركية على النظام الدولي ليست فقط مصلحة، بل واجب أخلاقي، وأن استخدام القوة لإعادة تشكيل المناطق “المتمردة” هو خيار مشروع. في هذا السياق، لا تُعدّ إسرائيل مجرد حليف، بل جزءًا عضويًا من المشروع الأميركي في الشرق الأوسط، وقاعدة متقدمة لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا. وفق هذا المنظور، يصبح الصراع مع إيران ضرورة استراتيجية، لأن الجمهورية الإسلامية تمثل نقيضًا بنيويًا للمشروع الأميركي–الإسرائيلي، سواء من حيث رفضها للهيمنة أو من حيث قدرتها على بناء نفوذ إقليمي مستقل.ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الليبراليين التدخليين، الذين يختلفون في الخطاب لكنهم يلتقون في النتائج. فالليبرالية الأميركية، وخصوصًا في صيغتها التدخلية، ترى في إسرائيل نموذجًا ديمقراطيًا يجب حمايته في محيط “غير ديمقراطي”، وتمنحها غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا واسعًا. غير أن البعد الأكثر عمقًا في هذا السياق يتمثل في الصهيونية المسيحية، وهي عقيدة دينية–سياسية تؤمن بأن قيام إسرائيل الكبرى شرط لعودة المسيح، وأن دعم إسرائيل واجب ديني قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. هذه العقيدة، التي تحظى بنفوذ واسع داخل المجتمع الأميركي، خصوصًا في أوساط الإنجيليين، شكّلت قاعدة شعبية وسياسية صلبة لدعم غير مشروط لإسرائيل، وأسهمت في التقاء المصالح بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية، رغم أن مشروع “إسرائيل الكبرى” نفسه لا يحظى بإجماع داخل الديانة اليهودية.من هذا المنظور المركّب، يتضح أن الصراع الإيراني–الإسرائيلي لا يمكن فهمه بوصفه صراعًا ثنائيًا خالصًا. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تمتلك القدرة ولا المصلحة في خوض مواجهة شاملة مع إيران بمعزل عن المظلة الأميركية. إن ما يجري هو صراع أميركي غير مباشر، تُدار فيه المواجهة عبر أدوات إقليمية، وتُستخدم فيه إسرائيل كذراع متقدمة وغطاء سياسي وعسكري. وتكمن المعضلة الأساسية للمشروع الأميركي–الإسرائيلي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تمثل العقبة البنيوية الأهم أمام إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الأميركية، سواء بصيغتها الواقعية أو العقائدية.وعليه، فإن الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة، بدعم إسرائيلي واضح، يتمثل في إسقاط النظام الإسلامي الإيراني أو تحييده أو تفكيك قدرته على التأثير الإقليمي، باستخدام جميع الوسائل المتاحة: العقوبات الاقتصادية، الحروب بالوكالة، الضغوط السياسية، والحرب النفسية. في هذا السياق، لا تكون إسرائيل هي من يقود الولايات المتحدة، بل تكون الولايات المتحدة قد اختارت إسرائيل عن وعي لتكون أداتها الأكثر فاعلية في إدارة الصراع والحفاظ على توازنها وهيمنتها في الشرق الأوسط.وخلاصة القول إن القرار الأميركي هو الفاعل المركزي في هذه العلاقة، وإن إسرائيل، على أهميتها وتأثيرها، تبقى جزءًا من منظومة استراتيجية أميركية أوسع. أما الصراع الإيراني–الإسرائيلي، فليس إلا إحدى ساحات الصراع الأميركي على النفوذ، تُدار بغطاء إسرائيلي، وتُغذّى بعقائد دينية وسياسية التقت مصالحها عند نقطة واحدة: إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم الهيمنة الأميركية ويمنع ظهور قوة إقليمية مستقلة قادرة على كسر هذا المشروع .

المشـاهدات 44   تاريخ الإضافـة 21/01/2026   رقم المحتوى 69984
أضف تقييـم