| النـص :
لم يكن تسلّم القوات العراقية قاعدة عين الأسد حدثًا عسكريًا عابرًا، ولا يمكن التعامل معه كصورة سيادية مكتملة. نحن أمام لحظة اختبار حقيقي، لا لصدق النوايا، بل لقدرة الدولة العراقية على إدارة أمنها بلا وسطاء ولا أعذار.لسنوات طويلة، شكّل الوجود العسكري الأميركي عاملًا ملتبسًا في معادلة الأمن الداخلي. من جهة، كان يُقدَّم بوصفه دعمًا استخباريًا وعسكريًا في مواجهة الإرهاب، ومن جهة أخرى تحوّل إلى ذريعة مفتوحة لبقاء السلاح خارج إطار الدولة، وإلى تفسير جاهز لكل خلل أمني أو عجز في القرار.اليوم، مع خروج الأميركيين من عين الأسد، سقطت إحدى أكبر هذه الذرائع، وانتقلت المسؤولية كاملة إلى الداخل العراقي، دون غطاء خارجي أو مبرر مؤجل.الوجود الأميركي، مهما اختلفت التقييمات حوله، كان يشكّل نوعًا من “الوسيط الأمني” غير المعلن بين قوى داخلية متعددة. بخروجه، أصبح المشهد عراقيًا خالصًا، وهذه في ذاتها خطوة سيادية مهمة، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التناقضات الداخلية بلا رتوش.لم يعد السؤال: من يضمن الأمن؟ بل: من يملك القرار النهائي فيه؟فاحتكار الدولة للقوة لم يعد شعارًا دستوريًا، بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها. وأي استمرار لتعدد مراكز السلاح والقرار بعد هذه الخطوة سيعني أن المشكلة لم تكن في الوجود الأجنبي، بل في ضعف الإرادة السياسية على فرض منطق الدولة.جغرافيًا، تقع عين الأسد في قلب واحدة من أكثر مناطق العراق حساسية. غرب البلاد ليس مساحة عسكرية فقط، بل عقدة أمنية–اجتماعية معقّدة: حدود مفتوحة، نشاط تهريب، خلايا نائمة، وتداخل عشائري شديد التأثير.إدارة القاعدة لا تُقاس بعدد الجنود أو نوع السلاح، بل بقدرة الدولة على دمج الاستخبارات، والأمن المحلي، والعامل المجتمعي في منظومة واحدة منضبطة. الخطر الحقيقي لا يتمثل في هجوم واسع يعيد سيناريوهات الماضي، بل في استنزاف أمني صامت، وهو أخطر على المدى الطويل من المعارك المفتوحة.لا يمكن قراءة تسلّم قاعدة عين الأسد بمعزل عن حقيقة أساسية يتجاهلها الخطابان المتقابلان: الأميركي لا يُوثق به، لكنه أيضًا لا يثق بالعراقيين. الولايات المتحدة لا تتعامل مع الدول بمنطق الثقة، بل بمنطق القدرة على ضبط الأرض والقرار. وفي الحالة العراقية، لم ترَ واشنطن شريكًا يحتكر القوة ولا دولة تمتلك قرار الحرب والسلم دون تعدد في المرجعيات.في المقابل، لا ينظر العراقيون إلى الأميركي بوصفه حليفًا يمكن الاطمئنان إليه، بل قوة مصالح تنسحب حين تشاء وتعود حين تجد الفراغ مناسبًا. هذا الانعدام المتبادل للثقة هو ما جعل الانسحاب تدريجيًا، حذرًا، ومفتوح الاحتمالات. فالمسألة لم تُحسم سياديًا بعد، بل انتقلت من مرحلة الوجود العسكري المباشر إلى مرحلة المراقبة والاختبار.في هذا السياق، لا يبدو الترحيب الإيراني بتسلّم العراق قاعدة عين الأسد معزولًا عن التوترات الأمنية المتصاعدة في سوريا. نحن لسنا أمام خبرين منفصلين، بل أمام مشهد إقليمي واحد تتغير فيه الساحات ولا تنتهي فيه الصراعات.طهران تنظر إلى تراجع الوجود الأميركي المباشر في غرب العراق بوصفه مكسبًا استراتيجيًا، لأنه يخفف الضغط في ساحة كانت تمثل نقطة احتكاك حساسة. لكن هذا التراجع لا يعني انسحاب واشنطن من الإقليم، بل إعادة تموضع، غالبًا ما يقابله تشدد أو تصعيد غير مباشر في ساحات أخرى، وفي مقدمتها سوريا، حيث خطوط الاشتباك أكثر هشاشة وأقل كلفة سياسية.بهذا المعنى، فإن هدوءًا نسبيًا في العراق قد يتزامن مع اشتعال ساحات مجاورة، والعكس صحيح. المنطقة لا تدخل مرحلة استقرار، بل مرحلة إعادة توزيع للضغوط والرسائل، والعراق يبقى في المنتصف، معرّضًا لأن يكون ساحة بديلة إذا لم يُحسن إدارة سيادته وأمنه الداخلي.أخطر ما يمكن أن يحدث بعد تسلّم عين الأسد هو تحويل الحدث إلى انتصار إعلامي مكتفٍ بذاته. حين يُستثمر الإنجاز في المزايدات السياسية بدل أن يُستكمل بإصلاح أمني حقيقي، تتحول السيادة إلى صورة، لا ممارسة.التجربة العراقية مثقلة بلحظات ارتفعت فيها السقوف إعلاميًا، بينما بقي الواقع الأمني هشًا. المواطن لا يريد خطابات جديدة، بل أمنًا ملموسًا، وقرارًا واحدًا، ومحاسبة واضحة.تسلّم قاعدة عين الأسد ليس نهاية مرحلة، بل بدايتها. هو لحظة انكشاف أكثر منه لحظة احتفال. إما أن تستثمره الدولة لبناء أمن داخلي سيادي، مهني، خالٍ من تعدد القرار والسلاح، أو يُضاف إلى سجل طويل من الفرص التي أُهدرت لأنها لم تُستكمل.في هذه اللحظة تحديدًا، لم يعد السؤال موجّهًا إلى الخارج، بل إلى الداخل العراقي نفسه:هل نريد دولة كاملة… أم مجرد دولة بلا أجنبي؟
|