تقاسيم على الهامش
# عبد السادة البصري
(( حين يسكنك القلق .. لاشيء سوى المكاشفة ))![]() |
| تقاسيم على الهامش # عبد السادة البصري (( حين يسكنك القلق .. لاشيء سوى المكاشفة )) |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
( الأفكار والهواجس الرمادية ذات المصادفات المتداخلة التي تولّدها العزلة تقود إلى تفاصيل عبثية نتيجة عدم انتظام التعامل مع مفردات الحياة ــ ص85 ) هل هي مصادفة، أم أنها الهواجس والأفكار التي تسكنك ممتزجة بالذكريات التي اختزنتها سنوات عمرك تجبرك على البوح بمكنونها رغماً عنك ؟! أو أنها فورة الكتابة التي جعلتك تغوص داخل نفسك لتسبر ما ترسّب في القعر من ذكريات قد تكون مؤلمة وربّما مفرحة تجرجرك صوب الورقة لتدلي بكل اعترافاتك المقفلة ؟! القاص البصري عبد الحسين العامر منذ انطلاقته الأولى مع زملائه الستينيين في المجموعة المشتركة ( 12 قصة ) التي صدرت بعددين في عامي ( 1970 ــ 1971 ) وأثارت جدلاً ونقاشات عميقة أكّدت بزوغ شموس مشرقة في سماوات القصّة كان لبعضها أثراً كبيراً فيما بعد، وهو يخطو بثبات وبخطوات محسوبة جداً، ورغم قلّة نشره وإصداراته إلاّ انه يؤكد التزامه بالخط الذي سار عليه منذ تلك الانطلاقة !! سكنته مدينته الأم وناسها لتظلّ ملازمة له في كل خطوة، إنها ( الفاو ) تلك المدينة التي مُسِحت معالمها وذكرياتها وتغرّب أهلها حاملين معهم عشقهم وذكريات سني أعمارهم اثر حرب رعناء استمرّت ثماني سنوات ( ملعون مَنْ أشعلها) لتعيش في جوارحهم مدينة تسكن أهلها، حيث نراها في مجموعته الأولى ( مرزوك .. الإيقاعات الضائعة ) التي صدرت بداية الألفية الثالثة، وكذلك في ( سيدة الوهم ) التي صدرت بعدها بأكثر من عقد ونصف، وهاهي تتمثل للقارئ في ( أمكنة القلق.. ) التي نحن بصدد الحديث عنها الآن :ــ عبر سبع قصص قصيرة كاشفنا القاص العامر بما يعتلج في نفسه من هواجس وذكريات، حيث أشار إلينا أنه غير ملزم بشرح ما سنقرأه في هذه القصص من خلال افتتاحه المجموعة بعبارة ( وورد زورث ) التي تقول :ــ( ان المؤلف غير ملزم بتفصيل عمّا يكتب، يكفيه أن يخاطب إنسانا ــ ص3) ، وهذا يعني علينا نغوص معه في داخل النفس مهما كان شكلها ونوعها لنعرف مكنون ما بداخلها من هواجس وأحاسيس واحتراقات وذكريات!! في قصّته الأولى ( عن خازن العالم السفلي ) والتي يتحدّث فيها عن المصوّر الراحل ( معين المظفّر) الذي كان حارساً أميناً على كل حكايات ساحة أم البروم في الثمانينات والتسعينات وصولاً إلى رحيله في غرفة بائسة على سطح فندق من الدرجة العاشرة ، كانت مرثية رائعة للمظفّر بسردية ذات وقع خاص تجسدت كل حالات معين وهواجسه وما كانت تعتريه من هموم وذكريات رغم توثيقه لمعالم مدينته وناسها عبر عدسته التي لم تفارقه لحظة. ( دائماً أنت هكذا :ــ بغفلة ينتابك شعور، انك تعيش بعتمة وحيداً كأعمى، أو كمنزل مهجور، وأحيانا كتلك النخلة المتوحدة في أطراف اللحيس التي يمر بها القطار عن بعد دون أن يكترث لها المسافرون المنشغلون مع دواخلهم، أو الغافون على هزهزة العربات، في حين أنت فريسة الوحشة والشعور بالبرودة التي تلفّ روحك .... ص7 ) ونراه في الثانية ( محنة مطوّع في البحرية ) يأخذنا بذاكرته عائداً إلى مآسي حرب الثماني سنوات وما جرى فيها من مكابدات وأحزان وذكريات مؤلمة من خلال حكاية جندي مطوّع في القوة البحرية يُقصَف زورقه بصاروخ ليتيه في مياه الخليج متشبثاً بقضبان فنار هناك مع الطيور يقبع مستذكراً أيامه السالفات وحكاياته بألم يعتصر القلب ويلعن كل أنواع الحروب والطغاة من خلال هواجسه التي يحدّث بها نفسه وصولاً إلى الموت !! وفي قصّة ( مكاشفات ) أعطانا مفتاح مجموعته بشكل صريح من خلال ما يدور من بوح يكشف كل مكنونات الروح وهواجسها عبر منولوج متسلسل من التساؤلات والإجابات مبتدئاً بعبارة :ــ (هكذا بدأ :ــ عندما كنت تلميذاً وطالباً في مرحلة فيما بعد، لم يخطر في بالي مستقبلاً أن تمتلئ حقيبة عمري بعلاقات وحوارات ومفارقات لأصل إلى ما وصل إليه امتلاء جراب عمر أبي بحوادث وعلاقات وتجارب فاشلة وأخرى ناجحة ...ص35 ) ليختمها بعبارة مأخوذة من رواية سيدة الوهم للكاتب الجزائري واسيني الأعرج التي تقول :ــ (ويهيم في رحيله ومن ثم ينطفئ مثل نجمة الرعيان ...ص 46 ،، ونراه في قصة ( هواجس مقلقة للانتظار ) يؤكد ما اشرنا إليه من سبر مكنونات النفس وهواجسها عبر حكاية امرأة تنتظر زوجها الغائب منذ زمن دون جدوى، وكأن كل انتظاراتنا جميعاً كما هي الخاتمة :ــ ( فتوجهت نحو الباب بحذر منهارة في هاوية الخوف لتحكم إغلاقه وعينها على السرير متوسلة حلما هادئا يعيد لها مسرّة الأيام من اجل أن تتخطى ذلك القلق الذي لم تعرف كم يطول .... ص58 ). وفي قصة ( ذاكرة مبللة بالمطر ) يحكي عن طفولته، بل طفولتنا جميعاً ليعيدنا إلى تلك البراءة المغلّفة بحكايات طريفة ولذيذة وذكريات لمّا تزل غضّة لم يطوها النسيان أبدا !! ونجده في قصة ( انتظار ) والتي تتشابه في ماهيتها مع قصة هواجس،، حيث قلق الانتظار وما يشوبه من مشاعر وأحاسيس، وهواجس شتى ايضا. لتأتي خاتمة هذه المجموعة بقصة ( أصيلة ) تلك المرأة التي لعبت بحياتها الأهواء منذ تغنّجها ولهوها عبر مفارقات كثيرة وحكايات أكثر طرافة وألماً من خلال ما اختزنته ذاكرة القاص عن أهل مدينته ( الفاو ) قبل أن يطويها غبار الحروب ودويّ المدافع، لنجد أن القاص ما يزال متمسكاً بأسلوب الستينيين وما بعدهم من السبعينيين في سرده عبر منولوج حكائي مملوء بما يعتمل في النفس من هواجس، إذ دائماً تجد السارد عليماً هنا مؤكداً مشاركته الفعلية باستحضار تلك الحكايات التي عاشها ذات يوم !! عبد الحسين العامر رغم قلّة كتاباته لكنه يدخل في كل مكامن أرواحنا ليحاكي مشاعرنا ويجعلنا نشاركه الهمَّ الذي عاشه لحظة الكتابة تلك، إنه قاص مهووس بمجاراة االحالة النفسية للقارئ كي يعبر به صوب ضفاف قد تجعل تلك اللحظات عامرة بالوجد واللقاءات المؤجّلة، شكراً لك أيها القاص المبدع وأنت تجبرنا أن نقرأ لك بشغف ومحبّة كبيرة لما تحمله من هواجس تسكن فينا كذلك . |
| المشـاهدات 12 تاريخ الإضافـة 20/01/2026 رقم المحتوى 69961 |
أخبار مشـابهة![]() |
جسد المعنى وتشظّي الذات: قراءة ما بعد حداثية-ظاهراتية في قصيدة "لأنك لذّتي" لمنذر عبد الحر |
![]() |
على ورق الورد
الوفاء الفني للهويّة الثقافية |
![]() |
النجمة جومانا مراد تصوّر اللون الأزرق
سيرين عبدالنور خارج السباق الرمضاني
|
![]() |
((كاظم الغيظ)) على خشبة المسرح.. حين تتحوّل المأساة إلى خطاب عدالة وجمال
|
![]() |
بين ليفربول والبوندسليجا.. صراع محتدم على خدمات ألونسو
|
توقيـت بغداد









