الإثنين 2026/1/26 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
أزمة الكرد
أزمة الكرد
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين عبد القادر المؤيد
النـص :

الكرد، شعب طيب كريم، و يزخر بالطاقات البشرية في مختلف المجالات، و حين يندمج في إطار أوسع منه، يزدهر و يبدع بل يتصدر بقيادات ترتضيها الشعوب التي يندمج فيها الشعب الكردي، فصلاح الدين الأيوبي رحمه الله، مثال للقائد الكردي المسلم، الذي اندمج في الأمة العربية الإسلامية، و تفتقت قابلياته و استحق الصدارة بجدارة، فارتضته الأمة قائدا تعتز به و تفخر، و حين أسس الإمارة الأيوبية- و لم يؤسسها على أساس قومي - ارتضته الأمة و تجاوبت مع قيادته.

  و في العصر الحديث، برزت في الدول العربية شخصيات كردية في مجالات الدين و العلم و السياسة، و لم تبرز بنزعة قومية، و إنما اندمجت في المجتمع و الدولة، و تصدرت في هذه المجالات، فلاقت ترحيبا منقطع النظير، و قدّمها العرب على شخصيات عربية، دون تحرج و تعصب.

 و حين تأسست إمارات كردية، لم ينشأ بينها و بين العرب، صراع قومي، و إنما كان الصراع كرديا - كرديا، فسقوط الإمارة الأيوبية ( ١١٧١ - ١٢٥٠م ) - التي حين كان طابعها إسلاميا و ليس قوميا، اتسع نطاقها لتشمل مصر و الشام و الحجاز و اليمن و شمال العراق - كان بسبب الصراع بين الأمراء الأيوبيين أنفسهم، فتفككت من الداخل.

  و إمارة المروانيين في ديار بكر ( ٩٩٠ - ١٠٩٦ م ) كان من أهم أسباب سقوطها، الانقسامات الداخلية.

  و إمارة بابان التي قامت في السليمانية منذ ١٦٤٩ الى ١٨٥٠ م ، سقطت بفعل الصراع مع إمارة سوران الكردية.

  و حين نستعرض تاريخ الإمارات الكردية عموما، نلاحظ وجود ثلاثة علل أساسية:-

١- الانقسامات الداخلية، و الصراعات الكردية - الكردية.

٢- غياب مشروع دولة مؤسسات، فالحكم يتمحور على زعامات و ليس مؤسسات، فتغيب الإرادة الشعبية من جهة، و تصاب الدولة بالهشاشة لعدم استنادها الى مؤسسات عتيدة.

٣- الصدام غير المحسوب مع دول مركزية، كالصدام مع البيزنطيين و السلاجقة و الصدام مع الدولة العثمانية.

  و هناك أسباب أخرى لا تشمل كل الإمارات الكردية، مثل محاولات التوسع بالقوة كما حصل مع إمارة سوران ( ١٨١٦ - ١٨٣٦م ) ، و الارتهان لقوى كبرى، كما حصل لجمهورية مهاباد التي كان داعمها الاتحاد السوفيتي، فسقطت إثر انسحاب السوفيت، و فقدان الدعم الدولي، كما حصل لمملكة كردستان ( ١٩٢٢ - ١٩٢٤م ) التي كان زعيمها الشيخ محمود الحفيد.

   و من خلال هذا الاستعراض، نكتشف أن الكرد متى ما تبنوا مشروعا سياسيا قوميا و لو كان محليا فإنهم يفشلون، إما بسبب الصراعات الكردية - الكردية، أو بسبب محورية الزعامات بدلا من المؤسسات، أو بسبب فقدان الدعم الدولي أو الإقليمي، أو بسبب الصدام مع الآخرين، بينما نجح الكرد و تصدروا حين تبنوا مشروع الاندماج في المجتمعات و الدول.

   ينبغي للمفكرين الكرد الأخذ بنظر الاعتبار لهذه الحقيقة بموضوعية و تجرد، و ينبغي للشعب الكردي أن يغلّب العقلانية على العواطف القومية، و لا ينساق مع القيادات التي تحاول أن تكرّس فيهم النزعة الانفصالية، سواء بحسن نية، أو بهدف السلطة و مكاسبها، أو بسبب العقلية المنغلقة التي لا تستطيع قراءة الواقع أو التعامل معه، فتزج بهم في تحالفات و صراعات خاسرة، يدفع الشعب الكردي ثمنها.

  و كأن التاريخ يعيد نفسه، فإن  التجارب الكردية المعاصرة، تورطت بذات الإشكاليات التي كانت سببا لفشل تجارب تاريخيّة سابقة، و اللبيب من الإشارة يفهم.

  ‏الكرد و النظام العالمي

    منذ معاهدة وستفاليا سنة ١٦٤٨ و التي أرست أسس النظام الدولي الحديث، تم اعتماد الدولة الوطنية، التي تقوم على مبدأ المواطنة دون تمييز بين المكونات المتعددة دينيا و إثنيا في تلك الدولة، ترسخ هذا الأمر عند تأسيس الأمم المتحدة و صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و على هذا يرتكز و يتعامل النظام الدولي المعاصر.

‏   إن الدول المتقدمة في العالم، هي دول ذات تعددية دينية و إثنية، و يتم التعامل معهم على مبدأ المواطنة و المساواة في الحقوق و الواجبات، و احترام الخصوصيات الثقافية و الاجتماعية في إطار الدولة الواحدة و الانتماء للوطن.

‏ و ليس في المنطق السياسي الدولي، شيء اسمه تميّز مكوّن من مكونات الدولة الواحدة بهوية خاصة. و أما الفيدرالية التي تتبناها دول عديدة، فهي في المنطق السياسي الدولي، لا يفرضها مكوّن على باقي المكوّنات بالقوة، و إنما عبر عقد سياسي تتوازن فيه المصالح الوطنية و مصلحة المكوّن الذي يطالب بالفيدرالية، و ينعقد عليه وفاق وطني.

‏  هذه الحقيقة، يجب أن يدركها  الجمهور الكردي، الذي نحبه و نعتز بتاريخنا و نسيجنا المشترك معه، و لا ينساقوا مع القوى الكردية ذات الخطاب الانفصالي، التي تعمل على إثارة الحس القومي و تريد الوصول للسلطة بذريعة حقوق الكرد، مع أن هذه القوى لا تأبه باضطهاد الكرد أنفسهم إذا عارضوها أو تنافسوا معها على المكاسب، و يجب أن تعيها جيدا قياداتهم السياسية، فلا يمكن أن يشذوا عن أسس النظام الدولي، و لا أن يجابهوه.

‏   في ظل النظام الدولي الحديث، تتعزز المصلحة الكردية، في نبذ المشاريع الانفصالية، و الاندماج قلبا و قالبا في المجتمع و الدولة، على أساس المواطنة و المساواة في الحقوق و الواجبات، مع ممارسة حقوقهم الثقافية و الاجتماعية بحرية، بدلا من خلق صراعات و حروب و استعداء المجتمعات التي يعيشون فيها و هدر الطاقات و الدماء في مشاريع يرفضها المنطق السياسي للنظام العالمي.

‏  إن الفرد الكردي في ظل الاندماج في المجتمع و الدولة على أساس المواطنة و المساواة، ستكون له بوصفه مواطنا، كامل الحقوق المدنية و السياسية دون عناء يخدش السلم الأهلي، بل إن المواثيق الدولية و المجتمع الدولي سيقف بصرامة للتأكد من نيل الأقليات لكامل حقوق المواطنة و الحقوق الثقافية و الاجتماعية، بينما شهدت تجارب ذات نزعات انفصالية، إشكاليات حقيقية في حصول الفرد الكردي على كامل حقوقه المدنية و السياسية.

   إن توزع أمة ما، على كيانات سياسية متعددة، لن يكون عائقا أمام وحدة الأمة في مشتركاتها و تفاعلاتها البينية الإيجابية، فالأمة العربية و كذلك الأمة الإسلامية، تتوزعان على دول، و لم يكن هذا التوزع عائقا لوحدتها في مشتركاتها و تفاعلاتها،  كذلك الكرد، لن يكون توزعهم على عدة دول، عائقا لوحدتهم في مشتركاتهم و تفاعلاتهم، بل إن مفكري الحضارة الحديثة في ظل العولمة، لاسيما الديمقراطيين الاجتماعيين، ينادون بالكوزموبوليتانية على أساس المشتركات الإنسانية، مع حفظ الخصوصيات الثقافية و الاجتماعية للأقوام و الأمم.

المشـاهدات 148   تاريخ الإضافـة 25/01/2026   رقم المحتوى 70117
أضف تقييـم