عن غياب "الإنسان" و سطوة "الشاشة" : المنتديات الثقافية في 2026![]() |
| عن غياب "الإنسان" و سطوة "الشاشة" : المنتديات الثقافية في 2026 |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
تبارك رائد أنا تبارك رائد علي، مهندسة وكاتبة، المشرفة الرسمية على إدارة مجلة البنفسج الثقافية، وصحفية فيها وناشطة في عدد من المنتديات الثقافية و الجسر الأدبي بين جامعة دجلة و الثقافه . شاركتُ في محافل عربية متعددة؛ من الدوحة حيث أُتيحت لي فرصة الاطلاع العميق على المشهد الثقافي القطري وبدعوة رسمية إلى دمشق حيث حضرتُ مهرجاناً أدبياً ثقافياً جمع نخبة من مثقفي الوطن العربي. كما شاركتُ في كتاب رثاء عربي مشترك ضم أدباء من سبع دول عربية، إلى جانب مؤلفاتي الخاصة التي أتعمد عدم ذكر أسمائها هنا؛ لأنني في هذا المقال أتجرد من الألقاب، وأتحدث بصفتي إنسانة من عامة الشعب. أكتب اليوم لا بدافع الاستعراض، بل لأنني أملك اطلاعاً مباشراً على إرثنا الأدبي، ومعايشة حقيقية لكبار الأدباء وحديثي التجربة، واختلاطاً بمختلف شرائح المجتمع: المثقف، والقارئ، والعابر، وحتى الرافض للثقافة. نحن في 2026… ولكن إلى أين نمضي؟ نحن نعيش زمن التقدم التكنولوجي المتسارع، زمن الذكاء الاصطناعي، زمن الكتاب الإلكتروني، والمنصات المفتوحة، والمعلومة المتاحة بضغطة زر. لكن، وبكل صراحة موجعة، نحن نعيش أيضاً زمن تراجع الألفة الإنسانية، وانسحاب العقل من ساحات الحوار، وتحوّل الإنسان إلى متلقٍ سريع لا متأمل عميق. الكتاب متاح… نعم. لكن هل انتقلت روحه؟ هل انتقل وجع الكاتب؟ هل عبرت تجربته العمرية من خلف الألياف البصرية؟ هنا يبرز السؤال الحقيقي: المنتديات الثقافية بين غياب المكان وسطوة الشاشة.. في زمن الشاشة: أزمة مكان أم أزمة إنسان؟ انا اكتب بغضب نبيل لأن القارئ اليوم لم يعد يبحث عن جمل منمقة، ولا عن خطاب دبلوماسي بارد. أكتب لأن القارئ سئم من "تلميع الكلمات". القارئ يبحث عن الانعكاس؛ أن يرى نفسه بين السطور، أن يشعر أن الكاتب يشبهه، يتألم مثله، ويعترف بما يخشاه الجميع. الدبلوماسية الزائدة تصنع حاجزاً زجاجياً بين الكاتب والمتلقي، أما الواقعية الصادقة فتكسر هذا الحاجز، وتحوّل النص من “قراءة” إلى تجربة مُعاشة. حتى علم النفس اللغوي يؤكد أن الكلمات الصادقة والمحسوسة ترسخ في الذاكرة طويلة الأمد أكثر من اللغة الرسمية المجردة. لهذا… لن أجامل. نحن اليوم في عام 2026؛ زمن تُدار فيه الحياة من خلف الشاشات، وتُقاس القيمة بعدد المتابعين، ويُختصر الفكر في مقطع لا يتجاوز ثوانٍ معدودة. هيمنة التكنولوجيا لم تعد تقتصر على أسلوب عيشنا، بل تسللت بهدوء إلى وعينا، إلى طريقة تلقينا للكلمة، وإلى مفهومنا عن الثقافة نفسها. أصبح كل شيء سريعاً: القراءة، الرأي، الحكم، وحتى الإعجاب. تحوّلنا من متذوقين للكلمة إلى مستهلكين لها، نمر عليها مرور العابر لا المقيم. في هذا الزمن، لم يعد السؤال: هل نملك المعرفة؟ بل: هل ما زلنا نمتلك القدرة على التذوق؟ هل غاب المكان… أم غاب الإنسان؟ هنا تبدأ الأزمة الحقيقية. حين نتحدث عن تراجع حضور المنتديات الثقافية، يذهب البعض مباشرة إلى اتهام المكان: القاعات فارغة، الأمسيات شحيحة، الحضور قليل. لكن السؤال الأصدق هو: هل ضعفت المنتديات فعلاً؟ أم أن الإنسان نفسه تغيّر؟ هل المشكلة في الكرسي.. أم في الذي لم يعد قادراً على الجلوس؟ لأنه اعتاد أن يتصفح فيديوهات قصيرة لا تتجاوز الثلاثين ثانية! هذا السؤال ليس اتهاماً لأحد، بل محاولة لفهم ما الذي انكسر في العلاقة بين الإنسان والمكان الثقافي. ماذا خسرت المنتديات الثقافية؟ المنتديات لم تخسر قيمتها، لكنها خسرت جمهوراً اعتاد السرعة. لم تعد الجلسة الطويلة مغرية، ولا الإصغاء فعلاً مرغوباً، ولا الصمت أثناء الاستماع فضيلة. المنتدى بطبيعته يحتاج صبراً، ويحتاج حضوراً ذهنياً، ويحتاج استعداداً داخلياً للتلقي. وهنا تبدأ الفجوة: المكان ما زال يطلب إنساناً عميقاً، بينما الإنسان أصبح مهيأً للاستهلاك السريع. لماذا ينفر البعض من المنتديات؟ (سوء الفهم المتراكم) التطفل الثقافي السلبي المشكلة ليست في الأدب، ولا في القامات الأدبية، ولا في طبيعة الجلسات، بل في سلسلة من سوء الفهم المتراكم. فمن ليس مهتماً بالأدب المشكلة ليست في الأدب نفسه، بل في سلسلة من سوء الفهم المتراكمة. فليس كل من لا يهتم بالأدب ناقصًا، فقد يكون شغوفًا بالسيارات أو التكنولوجيا أو الطب، وهذا حقه الطبيعي. لكن الغريب والمرفوض هو أن يقحم المرء نفسه في فضاء لا ينتمي إلى اهتماماته، وبدل أن ينسحب بهدوء، يبدأ بالتعدي على الفن وأهله، فيختلق الإشاعات ويقلل من مكانة القامات الأدبية والرموز الكبيرة بحجة أنه "غير مهتم". والسؤال هنا: إذا لم تكن معنيًا بهذا الفن أساسًا، فبأي حق تنصب نفسك حكماً عليه، وبأي منطق تذم كنزًا لم تملك يوماً مفاتيح فهمه؟ أما السبب الثاني هو الاختيار الخاطئ تراجع حضور المنتديات أو التجمعات، فقد يقول البعض إنه بسبب الفجوة الجيلية؛ إذ لا تزال بعض المنتديات تُدار بعقلية قديمة دون تجديد للخطاب الأدبي. الأدب في هذه المرحلة انقسم نصفين: كلاسيكي وحديث، وهنا يقع البعض في هذا الخطأ؛ فمثلاً الشاب عندما يدخل منتدى كلاسيكياً بحتاً سيشعر كأنه في "قاعة امتحان" لا في "فضاء إبداعي". وأيضاً أصحاب الأدب الكلاسيكي سيشعرون أنهم في مكان ليس لهم، لذا إن اختار المرء مكاناً خاطئاً سينفر ومع العلم أنني ضد هذا الانقسام الحاد بين الجيلين؛ فالعلاقة بينهما لا ينبغي أن تكون علاقة 'إحلال' (أي أن يحل الجديد محل القديم)، بل هي علاقة تراكم معرفي. يجب أن يطرح كل منهما أفكاره في فضاء يتسم بالمرونة، ليحدث ذلك التثاقف المشترك؛ فالقديم يمنح النص العمق والجذر، والحديث يمنحه الهواء والمتنفس. إن النوع الأدبي الأكثر نضجاً وتأثيراً اليوم هو الذي ينجح في صهر الأسلوب الرصين بالروح المعاصرة؛ ليخرجا بصوت واحد متجانس، لا بصوتين متنافرين. فالأدب الكلاسيكي هو هويتنا وإرثنا الذي لا يموت، وهو بمثابة 'الأرض' التي نقف عليها، بينما أدب اليوم هو 'الثمار' التي تنمو وتزدهر. وبدون الأرض لن تجد الثمار مستقراً، وبدون الثمار ستبقى الأرض ساكنة. لذا، فإن بقاء الأدب وحيويته رهين بهذا التمازج؛ حيث يستعير الحديث هيبة القديم، ويستعير القديم حيوية الحديث، ليبقى الأدب كائناً حياً يتنفس عبر العصور." عُقد نفسية وتحديات شخصية هناك أيضاً عقدة "إثبات الوجود" السريع: بعض الهواة أو الداخلين الجدد للمنتدى يقعون في سوء فهم شخصي؛ وهو اعتقادهم أن المنتدى "منصة للشهرة الفورية". وحين لا يحصلون على التصفيق الذي توقعوه من أول زيارة، يرتدون بـ "رد فعل دفاعي" ويبدأون بذم المكان والقامات الموجودة فيه لتغطية شعورهم بالنقص. ويليه "الإسقاط النفسي" (كراهية ما نجهل): الإنسان الذي يفتقر للثقافة الأدبية قد يشعر بـ "التهديد" في مكان مليء بالمثقفين. سوء الفهم هنا هو تحويل شعوره بـ "عدم الفهم" إلى "هجوم"؛ فيتهم الأدباء بالغموض أو التكبر، فقط لأنه لا يريد الاعتراف بأنه يحتاج للتعلم. نحن في زمن "الترند" (حتى في 2026)، وهذا أثر على سيكولوجية الشخص الهاوي؛ يدخل المنتدى لمرة واحدة، يريد أن يُسمع صوته فوراً، يريد الميكروفون قبل أن يمتلك الأدوات. وعندما يجد أن الأولوية للخبرة وللقامات التي أفنت عمرها في الحرف، يشعر بالخيبة الشخصية. سوء فهمه هنا يكمن في اعتباره أن المنتدى "منصة شهرة سريعة" وليس "مدرسة صبورة"، فيخرج ناقماً ومحبطاً. وكذلك "شخصنة النقد" (الحساسية المفرطة): يقع بعض الزوار في سوء فهم شخصي وهو عدم التمييز بين "نقد النص" و"نقد الشخص". إذا وجه له أديب كبير نصيحة أو عدل له بيتاً شعرياً، اعتبرها إهانة لكرامته لا تقويماً لقلمه. هذه الحساسية المفرطة تجعل الشخص يكره التجمعات الثقافية لأنه يراها "ساحة محاكمة" لا "مساحة تطوير"، فيقرر الانسحاب واختلاق الأعذار. وأحياناً ينسحب الشخص من المنتدى ليس لأنه يكرهه، بل لأن "مجموعته" أو "أصدقاءه" يكرهونه؛ وهذا هو "التفكير القطيعي"؛ إذ يسلم عقله لغيره ويغيب عن المشهد. تجربة واقعية وتفسيرها سأسرد تجربتي وبعدها أقول التفسير: لقد تمت دعوتي لمنتدى ثقافي كبير، وكان أغلب الحضور قامات كبيرة في الأدب، وجدتُ أكاديميين وفنانين وأشخاصاً لو أراد العراق أن يحلف بوجود الأدب لذكر أسماءهم. بدأت الأمسية وجاء شاعر أدبي كبير، لو أراد أن يُعرف بنفسه لاستغرق ثلاث ساعات. تناول مواضيع مهمة جداً؛ تحدث عن سعيه وإصراره في اكتشاف ذاته واهتماماته، وكيف واجه الصعاب في مسيرته (والمواجهة كلمة كبيرة ليس كل شخص يستطيع أن يدعس على الصعاب وينهض)، وتكلم أيضاً عن الإنسانية وشعوره بألم الآخرين. هل هذه مواضيع عادية؟ لو كان شخص يمر بهذه المحن لثمن الكلمات، لاستنبط الدرس، ولعزم على مواجهة الصعاب ولنهض من مكانه يشكر هذا الكبير على كرمه لمشاركتنا هذه الدروس. لكنني سمعتُ من الشخص الذي يجلس خلفي صوته وهو "يتأفف" متململاً مما يسمع! عدتُ للمنزل ونشرتُ في مواقع التواصل الدروس والعبر من الأمسية، فاختلفت الآراء؛ منهم من وجدها كنزاً ومنهم من وجدها تضييعاً للوقت. وهنا يتضح الفارق: من لا يهتم بالأدب ليس مطالباً بحبه، لكن ليس من حقه أن يقلل من فن، أو يحط من قامة، فقط لأنه غير معني بها. رغم كل شيء… لماذا تبقى المنتديات ضرورية؟ لأنها المكان الوحيد الذي يجعل الأدب إنساناً لا ملفاً رقمياً. لماذا تبقى المنتديات الثقافية ضرورة لا ترفاً؟ 1. الاحتكاك المباشر: حين يصبح الأدب امتحاناً للأخلاق قبل الموهبة الاحتكاك المباشر مع قامة أدبية لا يعني سماع قصيدة أو محاضرة، بل يعني مواجهة النفس. حين تجلس أمام شخص أفنى عمره في الحرف، أنت لا تتعلم الوزن والقافية فقط، بل تتعلم شيئاً لا يُكتب في الكتب: كيف تصمت حين يجب أن تصمت، وكيف تستمع دون أن تفكر بالرد، وكيف تتقبل الملاحظة دون أن تعتبرها إهانة. في المنتدى، تُختبر أخلاق الكاتب قبل قلمه. هل يتحمل النقد؟ هل يعرف متى يتكلم ومتى يترك المساحة لغيره؟ هل جاء ليتعلم أم ليُصفَّق له؟ هذه الأسئلة لا تكشفها الشاشة. الاحتكاك الحقيقي يعرّي النوايا، ويضع الكاتب أمام ذاته بلا "فلاتر" ولا إعجابات وهمية. وهنا بالضبط يبدأ الأدب الحقيقي: حين يفهم الإنسان أن الكلمة مسؤولية، لا استعراض. 2. الكتاتيب العصرية: المعرفة التي لا تُحمَّل ولا تُختصر المنتدى الثقافي يشبه الكتاتيب القديمة، لا في شكله، بل في جوهره. هناك كانت المعرفة تُنقل بالجلوس، بالصبر، وبالتكرار. واليوم، رغم تغير الزمن، بقي المبدأ نفسه: بعض المعارف لا تُلتقط سريعاً، ولا تُحمَّل من تطبيق. حين تجلس في منتدى ثقافي، أنت لا تأخذ “معلومة جاهزة”، بل تراقب كيف يفكر الأديب، وكيف يختار كلماته، وكيف يتجنب الزيف، وكيف يعترف بخطئه أحياناً دون خوف. هذه المعرفة لا تُختصر في ملخص، ولا تُقاس بعدد المشاهدات. إنها معرفة تتسلل ببطء، وتترسخ مع الوقت، وتغيّر طريقة رؤيتك للكلمة والحياة معاً. الذكاء الاصطناعي قد يعطيك نصاً مثالياً، لكن المنتدى وحده يعلمك كيف تكون إنساناً خلف هذا النص. 3. الإنسانية: حين لا يعود الأدب فكرة… بل تجربة حيّة في المنتدى ترى العين التي لمعت وهي تقرأ نصاً صادقاً، وتسمع النبرة التي تخون صاحبها حين يتحدث عن وجعه، وتشعر بالصمت الثقيل الذي يلي كلمة صادقة. هذه التفاصيل الصغيرة هي روح الأدب؛ لا يمكن نسخها، ولا أرشفتها، ولا نقلها عبر شاشة. في المنتديات، الأدب ليس منشوراً يُتجاوز بإصبع، بل موقف حياة: كيف تقف احتراماً لمن يتكلم، وكيف تصغي حتى النهاية، وكيف تخرج وأنت تفكر، لا وأنت تملّ. الشاشة تعطيك النص، لكنها تسلبك الإنسان. أما المنتدى، فرغم كل ما يقال عنه، لا يزال المكان الأخير الذي يُذكّرك بأن الأدب كُتب ليُعاش، لا ليُستهلك. التكنولوجيا: سلاح ذو حدين المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في طريقة استخدامها. الاستخدام الخاطئ: تحويل المنصات إلى ساحة تشويه وتنفير وحط من القامات. الاستخدام الصحيح: أن تكون التكنولوجيا خادمة للمنتدى لا بديلاً عنه؛ توثق الجلسات، تحفظ شهادات الكبار، وتنقل الجمال لا السموم. التكنولوجيا ليست عدواً… لكنها ليست وطناً. المشكلة في وهم أنها تستطيع أن تحل محل الإنسان. الشاشة نافذة، لكنها ليست بيتاً. المنتدى هو الجسد، والتكنولوجيا صوته. وحين نسمح للصوت أن يلغي الجسد، نخسر إنسانيتنا قبل أن نخسر الكلمة. خاتمة: فالسؤال الأخير الذي يجب أن نواجهه بصدق هو: هل غاب المكان… أم غاب الإنسان الذي كان يمنحه الحياة؟ |
| المشـاهدات 24 تاريخ الإضافـة 30/01/2026 رقم المحتوى 70209 |
توقيـت بغداد








