السبت 2026/1/31 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 12.95 مئويـة
نيوز بار
العراق وتدوير السلطة: حين تعاد الأزمات ذاتها
العراق وتدوير السلطة: حين تعاد الأزمات ذاتها
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين الانصاري
النـص :

 

 

منذ ان ادرك الانسان اهمية النظام، ظهرت الحاجة الى قوانين واتفاقات وشرائع تنظم حياة الناس وتحفظ الحقوق  وتحقق قدرا من العدالة والمساواة. غير ان هذه المبادئ لا يمكن ان تتحقق من دون ارادة شعبية واعية، لان اي نظام سياسي لا يستمد شرعيته الحقيقية الا من الناس، ومن قدرتهم على مراقبته ومحاسبته.

لكن ما حدث في العراق خلال العقود الاخيرة يؤكد ان المشكلة لم تكن في غياب القوانين، بل في تفريغها من مضمونها. فبدل ان تكون العملية السياسية اداة لخدمة المجتمع، تحولت الى وسيلة لتدوير السلطة، واعادة انتاج الوجوه ذاتها، والافكار نفسها، بطرق مختلفة ومسميات جديدة، فيما بقي الجوهر واحدا ،مصالح فئة ضيقة تقدم على حساب حقوق الاكثرية. هؤلاء أتقنوا اللعبة

ومع مرور الوقت، تشكلت حالة انقسام حادة داخل المجتمع، غذتها الصراعات السياسية والطائفية والحزبية، واستثمرتها قوى ادركت كيف تسيطر عبر تفكيك الناس لا عبر توحيدهم. وهكذا وجد العراقي نفسه محاصرا بين اطراف تتصارع على الحكم، لكنها تتفق ضمنيا على ابعاد الشعب عن القرار الحقيقي، وتحويله الى مجرد رقم في موسم الانتخابات او وقود في لحظات الازمة.

في كل دورة سياسية، يتكرر السيناريو ذاته. وعود كبيرة، شعارات عن الاصلاح ومحاربة الفساد وبناء الدولة، ثم ما ان تستقر الكراسي حتى تعود لغة المصالح والمحاصصة وتقاسم النفوذ. تتغير الاسماء، تتبدل التحالفات، لكن النتائج واحدة: خدمات غائبة، بطالة متفاقمة، ثروات مهدورة، وفساد يتجذر اكثر، فيما يدفع المواطن ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

وعندما يرفع الشعب صوته مطالبا بحقه، يواجه بالقمع او التخوين او التخويف. تكتم الافواه، تستحضر القوة، ويستخدم السلاح او القانون المسيس لردع اي محاولة للتغيير. وهنا لا يكون ضعف الشعب ضعفا في الارادة، بل نتيجة تراكم طويل من الخيبات، ومن سياسات مدروسة هدفت الى كسر الثقة بين الناس، وافراغ الاحتجاج من معناه، وتحويل الوعي الى حالة من التعب والياس.

غير ان التاريخ يعلمنا ان الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى ،في لحظات معينة، تعيد النظر، وتدرك ان السماح لمن لا يستحق بادارة البلاد كان خطيئة كبرى، وان الصمت لم يعد خيارا ،تجارب شعوب كثيرة اثبتت ان الانظمة التي بدت راسخة سقطت عندما كسر الناس حاجز الخوف، ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل انقسام.

العراق اليوم يقف امام مفترق حاسم. اما الاستمرار في تدوير الازمة ذاتها، واعادة انتاج الفشل بوجوه جديدة، واما التفكير بطريقة مختلفة، تنطلق من وعي حقيقي، ورفض واضح لمن اضاعوا الوقت، واهدروا الفرص، وعطلوا مسار الدولة، وتركوا الاجيال القادمة ترث وطنا مثقلا بالديون والخذلان وباعترافهم.

انها ليست معركة لحظة، بل معركة وعي ومسؤولية ومصير . القيد مهما اشتد لا بد ان ينكسر، والحق مهما طال غيابه لا بد ان يعود. هذه ليست امنيات، بل قوانين التاريخ. وحين يقرر الشعب ان يكون صاحب القرار، لا تابعا ولا متفرجا، فان السلطة والشرعية تعود الى مكانها الطبيعي. عند الناس. عند من دفعوا الثمن، وينتظرون وطنا يستحقونه.

المشـاهدات 33   تاريخ الإضافـة 30/01/2026   رقم المحتوى 70211
أضف تقييـم