| النـص :
 
دمشق تودع هدى شعراوي: رحيل مأساوي السوريةفي عقر دارها
إيلاف من بيروت: في زقاق "باب سريجة" العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ والياسمين، خيم صمت ثقيل لم تعهده حارات دمشق من قبل. هدى شعراوي، المرأة التي منحت "الحارة" روحها وذاكرتها عبر عقود، لم تخرج هذه المرة لتطمئن على جيرانها، بل خرجت محمولة على أكتاف الذهول، بعد أن سقطت ضحية جريمة قتل مروعة داخل منزلها، ليكون مقتلها هو المشهد الأخير والأكثر مأساوية في حياة فنانة عاشت لتزرع البسمة، ورحلت تحت وطأة ضربة غادرة.
المفارقة: صانعة الحياة تموت غدراً
المفارقة تكمن في أن هدى شعراوي، التي اشتهرت عالمياً وعربياً بدور "أم زكي" -الداية التي تمنح الحياة للأطفال في "باب الحارة"- واجهت نهايتها في لحظة عجز وانكسار. مقتل الفنانة هدى شعراوي بطلة باب الحارة لم يكن مجرد خبر عابر، بل صدمة هزت كيان الدراما السورية؛ فالفنانة التي بدأت مسيرتها بـ "الصدفة" حين اكتشفها الفنان أنور البابا وهي في التاسعة من عمرها، تحولت إلى ركيزة أساسية في تاريخ الفن العربي. كانت أولى الفتيات اللواتي اقتحمن مبنى الإذاعة السورية بصوتهن العذب وقدرتهن الفذة على الأداء، لتؤسس فيما بعد مع رفاق دربها نقابة الفنانين السوريين.
التحول: من طفلة الإذاعة إلى حكيمة الحارة
لم تكن شعراوي مجرد ممثلة، بل كانت تجسيداً لجيل الرواد. تاريخ الفنانة السورية هدى شعراوي وأعمالها يروي قصة كفاح فني طويل؛ من "صرخة بين الأطلال" الإذاعية إلى "القلعة الخامسة" السينمائية، وصولاً إلى نجوميتها الطاغية في السبعينيات. تميزت بقدرتها على الانتقال من الكوميديا السوداء في "الخربة" إلى الدراما التاريخية العميقة، لكنها ظلت وفية لروح الشام التي جسدتها ببراعة لا تضاهى.
النهاية: تفاصيل جريمة قتل هدى شعراوي في دمشق
المعطيات الأمنية كشفت عن وجه بشع للغدر؛ حيث أشارت التحقيقات الأولية إلى أن الجريمة وقعت في ساعات الصباح الأولى من يوم الخميس 29 يناير 2026. الضربة القاتلة وُجهت إلى رأس الفنانة الثمانينية باستخدام أداة صلبة (مدقة هاون)، بينما كانت في فراشها. والبحث حول من هي خادمة هدى شعراوي المتهمة بقتلها قاد السلطات إلى توقيف المشتبه بها "فيكي أجوك" (أوغلندية الجنسية)، التي حاولت الفرار عقب ارتكاب الجريمة. هذه النهاية الوحشية تفتح تساؤلاً استراتيجياً مؤلماً: هل يشي رحيل شعراوي بهذه الطريقة بتآكل قيم "الأمان الشامي" الذي طالما نادت به في أعمالها؟
لقد رحلت هدى شعراوي، لكن "أم زكي" ستبقى تطوف في حارات دمشق، شاهدة على زمن كان فيه الجار يحمي جاره، قبل أن تغدر بها اليد التي استأمنتها على منزلها وسكون ليله

|