الأربعاء 2026/2/18 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
2003جريمة باسم الخلاص
2003جريمة باسم الخلاص
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د.لمياء موسى
النـص :

 

 

 

حين ننسى التاريخ القريب…ذلك التاريخ الذي ذاقت فيه البشرية ويلات العجرفة والكبرياء، ورفض الخضوع لسلطان القانون، فحصدت الحروب العالمية ملايين الأرواح، وأكلت السلام والاستقرار قبل أن تأكل الأخضر واليابس. ثم نعيد الكرّة… لكن هذه المرّة كان العراق هو الساحة. بعد أن وُضعت أسس القانون الدولي، وأُنشئت المؤسسات الأممية لمنع تكرار المآسي، وُضع كل ذلك جانبًا، وتحرّك العالم بمنطق القوة لا بمنطق الشرعية. غُزي العراق، لا بإرادة شعبه، ولا بقرارٍ أمميٍّ حاسم، بل بذَرائع لم تُثبتها تقارير الأمم المتحدة، ولا أقرّتها لجان التفتيش الدولية. قيل إن الغزو من أجل الديمقراطية، لكن الديمقراطية لا تُفرض بالدبابات، ولا تُزرع تحت فوهات البنادق. الديمقراطية يصنعها الشعب حين يمتلك قراره، لا حين يُسلب سيادته. دُمّرت الدولة، وحُلّ الجيش، وانفلت الأمن، ودُفِع المجتمع العراقي إلى حافة الطائفية والانقسام، ودُفِع الإنسان العراقي ثمنًا لحربٍ لم يخترها. استُخدمت أسلحةٌ أثارت جدلًا أخلاقيًا وقانونيًا، وخُلّفت آثارٌ صحية وبيئية ما زال العراقيون يدفعون ثمنها حتى اليوم، بينما بقيت الأسئلة الكبرى بلا إجابات، وبقي القانون الدولي صامتًا، أو عاجزًا، أو مُهمّشًا. والعراق… لم يكن استثناءً في التاريخ، بل شاهدًا جديدًا على حقيقة قديمة: أن العالم، حين ينسى دروسه، يعيد مآسيه على أجساد الضعفاء. تحية طيبة لكل قارئ كريم. بعد حرب الخليج الأولى، ثم عقب الهجمات التي استهدفت برجي التجارة العالمي في نيويورك، جرى نسجُ رابطٍ سياسي وإعلامي بين العراق وما سُمّي بـ«الإرهاب الدولي»، رابطٍ لم يقم في جوهره على معلومات موثوقة أو أدلة جدية، بقدر ما استند إلى مناخ الخوف العالمي الذي أعقب تلك الأحداث. وفي هذا السياق، أكدت إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، مدعومةً بمواقف رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير، أن النظام العراقي يمتلك برامج نشطة لتطوير وتخزين أسلحة محظورة دوليًا، وبكميات كبيرة، تشكل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي.وأمام هذه الادعاءات، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1441، والذي أعاد فتح باب التفتيش الدولي عبر فرق الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بهدف حسم مسألة نزع أسلحة الدمار الشامل. وطالب القرار الرئيس صدام حسين بالتعاون الكامل وغير المشروط مع المفتشين الدوليين، بوصف ذلك فرصة أخيرة لتجنب المواجهة العسكرية.غير أن الولايات المتحدة أعلنت لاحقًا أن العراق لم يُبدِ التعاون المطلوب، على الرغم من التقارير المتباينة التي صدرت عن فرق التفتيش نفسها. ومع ذلك، فشلت واشنطن في إقناع مجلس الأمن بإصدار قرار جديد يجيز استخدام القوة المسلحة، بسبب عدم كفاية الأدلة المقدمة، وغياب أي إثبات قاطع على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.وبرغم هذا الإخفاق الاستخباراتي والسياسي الذريع في إثبات وجود الأسلحة، تمسك الرئيس الأميركي بقرار أحادي بغزو العراق، متجاوزًا الشرعية الدولية، كانت عواقبه السياسية والإنسانية والاستراتيجية أعمق وأخطر من المبررات التي رُفعت لتبريره. ظل الادعاء بامتلاك أسلحة دمار شامل الذريعة المركزية، إلى جانب «الحرب على الإرهاب»، وقد تكررت هذه الأخيرة إلى حد الإفراط، حتى تحولت إلى مظلة سياسية تُبرر تحتها مختلف أشكال التدخل العسكري والحروب الوقائية.في مارس 2003، أعلن الرئيس الأميركي، من طرف واحد، بدء ما سُمّي «عملية تحرير العراق»، فيما قدّمت الحكومة البريطانية، عبر مدّعيها العام اللورد بيتر غولدسميث، مبرّرات قانونية للمشاركة في الغزو، رغم أن قرار مجلس الأمن 1441 خلا من أي نص صريح يجيز اللجوء إلى القوة العسكرية.ولم تكتفِ إدارة بوش بذلك، بل أضافت إلى خطابها وعودًا  عن «نشر الديمقراطية» وبناء دولة تحترم حقوق الإنسان وهي وعود سرعان ما تكشّف زيفها، لتُعدّ لاحقًا من أكبر الأكاذيب السياسية التي رافقت تلك الحرب.وخلال العمليات العسكرية، استخدمت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها أنواعًا من الذخائر المحظورة، من بينها ذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب، وذلك على نطاق واسع، بحسب تقارير بيئية ودولية متعددة. وقد خلّفت رواسب خطيرة في مناطق عديدة من العراق، ما أدى إلى تلوث طويل الأمد في التربة والهواء والمياه. كما أُشير إلى استخدام الفوسفور الأبيض ضد أهداف مدنية، وهو ما يُعد انتهاكًا صريحًا لاتفاقية الأسلحة التقليدية وبعض البروتوكولات الدولية ذات الصلة.إضافةً إلى استخدام القنابل العنقودية التي تركت مساحات شاسعة من الأراضي العراقية ملوّثة بمخلّفات قاتلة، ما جعلها تشكل تهديدًا دائمًا لحياة ملايين المدنيين حتى يومنا هذا. ورغم خطورة هذه الأسلحة، لم تُقدّم الولايات المتحدة أي معلومات شفافة عن مواقع استخدام هذه الأسلحة أو حجمها الحقيقي.وفي هذا السياق، كانت منظمة الصحة العالمية قد أنجزت عام 2001 مراجعة علمية خلصت إلى أن اليورانيوم المنضب مادة سامة، ليس فقط من الناحية الكيميائية، بل أيضًا من حيث تأثيره الإشعاعي. ثم في عام 2013، أصدرت منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية، دراسة تناولت معدلات انتشار العيوب الخلقية في عدد من المناطق العراقية التي شهدت استخدام ذخائر عسكرية، مشيرةً إلى وجود مؤشرات تستحق المتابعة بشأن مستويات التلوث البيئي والإشعاعي، مع التأكيد على الحاجة إلى مزيد من الأبحاث والدراسات لتحديد أي تأثير طويل الأمد على صحة السكان.وقد عززت ذلك دراسات وبحوث أخرى، إذ لوحِظ ارتفاع ملحوظ في حالات الإصابة بسرطان الدم، ولا سيما بين الأطفال. وخلال جلسات الأمم المتحدة، أشار ممثلو العراق إلى الاستخدام الواسع لأسلحة تحتوي على اليورانيوم المنضب أثناء الغزو، ما أدى إلى تفاقم المخاطر الصحية على المدى الطويل.ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى اتخاذ خطوات ملموسة، سواء على الصعيد الداخلي العراقي أو على المستوى الدولي، للحد من الآثار الكارثية التي خلّفتها تلك الحرب. فعلى الرغم من عدم شرعية التعدّي على سيادة الدولة العراقية، فإن الأخطاء القانونية لا تقف عند حدّ الغزو ذاته، بل تمتد إلى طبيعة ونوعية الأسلحة التي استُخدمت وما نتج عنها من تلوّث.وانطلاقًا من ذلك، يظلّ من الضروري التأكيد على الحقّ المشروع للعراق في المطالبة بتعويضٍ عادل عن الكوارث البيئية والصحية التي لحقت به، وبالحصول على دعمٍ دولي فاعل لتطهير المناطق التي استُخدمت فيها المواد الإشعاعية والسامّة، ومعالجة آثارها بعيدة المدى.كما يحقّ له المطالبة بالمساءلة القانونية عن الاستخدام غير المبرّر لأسلحة محظورة دوليًا، وذلك عبر المؤسسات الأممية والآليات القانونية المعتمدة، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ويضمن عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من المحاسبة.وعلى الصعيد الداخلي، تقع على عاتق الحكومة العراقية مسؤولية الوقوف إلى جانب شعبها، وجعل هذه المرحلة مرحلة تكاتف وتلاحم وطني، لا زمن صراعات داخلية أو انقسامات سياسية. فالعراق يمرّ بمرحلة عصيبة في مسيرته نحو استعادة عافيته ومكانته، وهو اليوم بأمسّ الحاجة إلى أبنائه جميعًا، في الداخل والخارج، للمساهمة في إنقاذه وإعادة بنائه.أمّا على مستوى صانع القرار داخل العراق، فإن مسؤوليته تفرض عليه بلورة رؤية واضحة، وإرساء منظومة سياسية وعلمية متكاملة، تهدف إلى تقييم المخاطر البيئية بدقة، وإبعاد السكان مؤقتًا عن المناطق التي يُشتبه بتعرّضها لمواد إشعاعية خطِرة، بالتوازي مع رفع مستوى الوعي والتثقيف المجتمعي بخطورة هذه المواد.وتستند هذه الرؤية إلى منهج علمي رصين يقوم على التدرّج، وربط الأسباب بالنتائج، وتحديد الأولويات وفق حجم الخطر ومدى انتشاره. فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجات الجزئية، بل بات يتطلّب إرادة سياسية واعية بحجم المخاطر البيئية المتفاقمة التي تهدّد البيئة، وتنعكس بصورة مباشرة على الأمن الصحي للمواطن.تخصيص ميزانية مستقلة ومعلنة لا يقل أهمية لمعالجة ما حدث من تلوّث، تشمل رصد المناطق الملوّثة، وإجراء الفحوصات الصحية والبيئية الدورية، ووضع برامج وقائية وعلاجية لحماية السكان، ولا سيما الفئات الأكثر عرضة للخطر. فغياب التمويل الجاد يعني عمليًا تعطيل أي خطة، مهما بلغت دقتها أو حسن نوايا القائمين عليها.وإن كانت هذه الخطوات تبدو متواضعة في ظاهرها، فإن كل خطوة في الاتجاه الصحيح تُعدّ إنجازًا حقيقيًا لا ينبغي التقليل من شأنه؛ فالبحر في أصله قطرة، والطريق الطويل يبدأ بخطوة واعية.

المشـاهدات 17   تاريخ الإضافـة 17/02/2026   رقم المحتوى 70590
أضف تقييـم