الأربعاء 2026/2/18 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
لعبة السرد البوليسي وأسرارها في رواية (يوتيوب)
لعبة السرد البوليسي وأسرارها في رواية (يوتيوب)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د. سمير الخليل

تتجلّى معالم وعوالم السرد البوليسي السريّة والفنتازية في رواية (يوتيوب)([1])، للروائي (خضير فليح الزيدي) في مستويات متعدّدة منها: (فانتازيا الحدث) أو الشخصيّات والثيمات، وتعدد مستويات السرد عبر (التمازج بين الواقع والمتخيّل الغرائبي) و(ملامح الواقعية السحرية) و(الخيال العلمي)، وفانتازيا (التأطير البوليسي) والتحرّي والبحث عن الشخصيّة المحوريّة الغائبة التي لا حدود لقدرتها على التخفّي، ويتحقق الاشتغال الغرائبي والفانتازي من خلال تقديم اللعبة السرديّة التي اتسّمت بتداخل هذه الإحداثيات والعناصر، لتقديم رؤية وخطاب سردي دال، ومنفتح على طاقة من جمالية التجسيد والتناول، والانفتاح أيضاً على طاقة من التأويل والترميز والإيحاء، وعلى وجود بنية عميقة للأحداث تخفي دلالات وإحالات إلى الواقع، فالفانتازيا هي خروج على الواقع وعلى المألوف والسائد والمنطقي، لكنّها تضمر الاقتراب كغاية سبر أغوار ما هو واقعي، وكما يعبّر (إيتر) في كتابه عن الفانتازيا بأنّها مدخل إلى الواقع.

إنَّ الواقع بحدّ ذاته وتعقيداته وغرائبه يتحوّل إلى مساحة أو فضاء سيريالي، فقد انتجت الرواية فضاء مغايراً ومتجاوزاً للحقيقة، وللمنطق والمستوى الواقعي باتّجاه التحليق الغرائبي (الفنتازي) للكشف عن واقع مأزوم ينطوي على التناقضات والمفارقات، ويعيش في أزمة فارقة، ولكي يتجنب الكاتب إشكالية التناول الواقعي أو التقريري أو منطق الحدوتة فلجأ إلى هذه اللّعبة السردية التي استطاعت أن تجمع عناصر متناقضة، وغير متآلفة، وزجّها في تركيبة كولاجيّة مما جعل الرواية تمتاز بالاشتغال الحداثوي والابتعاد عن التناول والصياغة التقليديّة، لكون احداث الرواية تضيء مكاناً متخيلاً فوق المرّيخ مع الربط بالواقع الأرضي.

ينطلق العنوان بوصفه النص الموازي أو المفتاح التأويلي باتّجاه التحكم الشيئي بالحياة المعاصرة، فهو المرتكز أو البؤرة التي تحرّك عمل الأحداث، وتربط بين الشخصيّات فضلاً على أنه رمز لآخر تطورات الثورة الاتصالية وعوالم الانترنت الالكترونية والعصر الرقمي، وعلى وفق هذا المنحى اشار العنوان إلى دلالة الإحالة، وقصديّة الترميز، إذ يتحول الإنسان والأحداث والغايات إلى مجرّد ملفات وأقراص وفيديوات، بما تعكسه الثقافة الرقميّة كبديل للعلاقات والوسائل التقليدية للتواصل، ولكنّ هذا التوّجه الرقمي والالكتروني يقترن بأجواء وأساليب وغرائب الفضاء الكوني، وما يحدث في الكواكب أو الفضاء الخارجي من تطور وتعقيد، وفي ظل هذه الغرائبية الكوكبية نجد أن الحياة الاجتماعية الواقعيّة وشخصياتها تتعرض إلى الاشتباك مع هذه العوالم، وهذا المزج والصراع والتقابل بين الواقعي والفانتازي هو أحد المقاربات الدالّة للرواية في نزوعها الفانتازي لتحقيق نوع من الكشف أو تناول المسكوت عنه بصيغة حداثوية وجمالية فيها كثير من الانزياح والعوالم غير المألوفة، وذلك أضفى نوعاً من الاستقطاب والجذب على مستوى التلقّي ما كشفت عنه الرواية من التأطير البوليسي والتشويق في البحث عن شخصيّة غامضة وملتبسة وزئبقية هي شخصيّة عالم الفضاء العراقي الذي يحمل الجنسية الاميركية، وغرابة سيرته فهو يملك ثلاثة أسماء: (عبد الكريم علوان) و(عبقرينو) و(كريم قدحة).

ويمكن الاستدلال على أن العتبات والصور والإيقونات، وبعض الإشارات مثلّت نوعاً من الاستهلال الذي ينطوي على اللاّمألوف والفانتازي لكسر منطق الاستهلال التقليدي، وتحفيز ذهن المتلّقي إزاء النزعة التشفيريّة والدلالية التي تشتغل أو تتمحور حولها أحداث ووقائع وحفريات الرواية وباتّجاهات متضادّة، ومتناقضة، للبرهنة على أن الواقع نفسه يقع في مساحة قلقة وملتبسة. تتكشف أحداث ومعطيات السرد لتتجسّد تصاعدياً، وهي تصوّر المطاردة والبحث البوليسي الذي تقوم به وزارة الداخلية، من خلال خلية يترأسها الضابط (عبد الله محمد سالم الراجحي) للقيام بمهمّة اعتقال رجل الفضاء المثير للريبة والرعب اسمه (عبد الكريم علوان) أو (كريم قدحة) أو (عبقرينو) نظراً للفيديوهات التي ينشرها، ويدّعي أن اصطدام الكوكب بالأرض قادم، وإنه يملك القدرة على انقاذ البشرية منه، ويكلّف الضابط لكونه من أمهر ضباط التحقيقات في الوزارة، وقد كُلّف شخصياً من قبل الوزير للكفاءة المهنية والقدرة على فكّ رموز أيّة جريمة أو واقعة غامضة، إذ يصف الضابط (عبد الله) نفسه بقوله: "وتلك هي بعض من خبرتي في التحقيق الدقيق، إذ جعلني في مقدّمة زملاء المهنة، في خليّة العمل المصغّر، وغالباً ما يشهد لي قادتي من ضباط التحقيق الرواد، خاصة عندما كشفت خيوط أضخم جريمة جنائية لقاتل محترف في بغداد، 2011م، كان (ج. م) قاتلاً محترفاً وذكياً في منطقة الكاظميّة ببغداد العاصمة، يتلّبس بلباس ديني محكم، يعتمر عمامة كبيرة وبأزياء غاية في الاتقان..." (الرواية: 22)، وكان المجرم يستدرج النساء عن طريق السحر والشعوذة ثم يقوم بقتلهن واحدة تلو الأخرى، وتلك إشارة إلى عبثية الواقع وتصاعد التناقضات في حياة مأزومة يختلط فيها كلّ شيء (الحقيقة مع الوهم) و(الجريمة مع العبث) و(التوق مع الموت).

تمتاز الرواية بعدّة خصائص وظواهر فنيّة منها أن بنيتها السرديّة تقوم أساساً على تعدّد الأصوات (البوليفونيّة) فهناك السرد الموضوعي براوٍ عليم، وصوت الضابط (عبد الله) وصوت (عبد الكريم علوان) رجل الفضاء الغامض، إذ يصف الضابط (عبد الله) شخصيّة (كريم قدحة) بالمقطع السردي الآتي: "إنَّ تاريخ قدحة في العراق تاريخ شيّق، وفيه دراما غريبة، عمل الهدف في بداية حياته معلّماً، اجتهد وثابر وواصل اللّيل بالنهار ليدرس في أرقى الجامعات الأميركية ليتحوّل إلى شخصيّة عالميّة وقامة فلكيّة خطيرة في استنتاجات بحوثه، خاصة في منتجع العلماء العباقرة، لكنّ الذي حصل أن ثمة حلقة مفقودة لم أصل إليها بعد تتلخّص بعودة هذه الشخصيّة العبقرية إلى العراق مجدّداً ليختفي في ظروف غامضة، وهنا تكمن العقدة". (الرواية: 42- 43).

ويمثّل الضابط أو المقدّم (عبد الله) المحقق الشخصيّة المركزيّة في الرواية، ويمثّل ما يسّميه (جيرار جينيت) بالسارد المتماثل حكائياً أي السارد الذي يسرد الأحداث ويكون مشاركاً بها، وعلى وفق هذا البناء الفنيّ تتعدّد منظورات السرد من خلال تعدّد وجهات نظر الشخصيّات، وتتعدّد أنماط التبئير السردي في الرواية عموماً، وهذه المعطيات المتنوعة تؤشّر تمركز الرواية حول التناقض والتنوّع وغياب البعد الأحادي، سواء في التقنيات السرديّة أم في اختلاف الثيمات على مستوى المضمون والإحالات والقصديات التي تنطوي عليها، وهذه هي خصائص التقنية أو الأسلوب التوليفي في مزج العناصر والتقنيات والأساليب والدلالات، عبر صياغة توليفة دالة ومتنوّعة ومعبرّة.

وتعبّر فكرة البحث عن الغائب من خلال إشكالية البحث عن المعنى والحلم وغياب الحل، وتلك إشارة إلى الانتظار والسعي للحصول على المبتغى الغائب، مما يحيل إلى الفكر الآيديولوجي أو الميتافيزيقي في التصدّي للحقائق الغائبة، وجعل التحرّي أو الانتظار وسيلة لتحقيق نوع من الوجود أو الأمل، وكما تسعى الداخلية وخلية الأزمة والضابط (عبد الله) للوصول إلى الشخصيّة المثيرة للجدل والرعب، والمتأطر بالغموض والخطورة شخصيّة (عبد الكريم علوان) أو (عبقرينو)، والصفات التي اقترنت به تعبّر عن تعدّد منظورات وصفه فهناك الدلالة العلمية والاسم الشخصيّ أو الدلالة الفانتازية أو الشعبية، وتتجلّى الغاية والانتظار في المقطع الآتي: "ما هي المفاتيح التي يملكها لتفادي الاصطدام الرهيب بعد أيام قليلة؟ ربمّا تكون القضية برّمتها محض متاهة، وربما يكون واجبي فقط ينتهي بإلقاء القبض عليه وتسليمه للجهات العليا، وفي حالة تطابق الشخصيّتين يقدمان إلى العدالة بتهمتين مختلفتين، الأميركي بتهمّة التجسّس مثلاً، والعراقي بتهمة الإساءة للذات الإلهية وتنتهي القضيّة برّمتها..". (الرواية: 56)، ونلحظ من الخصائص الفنيّة والمرتبطة بالدلالة النصيّة ارتكاز الرواية على العناوين الفرعيّة واقتران كلّ فصل أو مقطع بعنوان دال ومعبر عن الفكرة، ومسار التصاعد الدرامي والوقائع المتواترة مثل (محاورة الشرطي مع الضابط) عبر (المهمة 2030)، وهي المهمة التي كلّف بها الضابط (عبد الله) بالبحث والتحرّي والقاء القبض على (عبد الكريم علوان) المزدوج الجنسيّة والغامض والمثير لرعب الناس، بوجود الاصطدام الكوكبي المزعوم وعنوان آخر (نحن والمريخ جيران) إشارة تناصيّة مع أغنية فيروز (احنه والقمر جيران) وهناك الشخصية (أحلام) وهي زوجة الضابط الذي يعاني معها علاقة متوترّة وقلقة وفيها الكثير من سوء الفهم وعدم الانسجام وعنوان آخر (الطابق الثالث) وهو الطابق الذي ينتسب إليه عبد الله ضمن طوابق الوزارة، وعنوان آخر (حمد الله خارج مقهى إدريس) و(حمد الله الباقري) هو أحد معاوني (عبد الله) ويقوم بالبحث والتحرّي في عدّة أماكن ومنها (مقهى إدريس) أو (جامع الرحمن) لتصيّد الأخبار التي قد توصل إلى الشخصيّة الغامضة، أو نقل ما يدور بين الناس من أحاديث ونقاشات حول هذه الأزمة التي تؤثر على كلّ البشر، وفي كلّ أصقاع الأرض من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. وفي خضم هذه الأحداث ومهمّة البحث الرسميّة عن (كريم قدحة) فإن الرواية تستثمر هذه المساحة المفتوحة والمتوترة لبثّ رسائلها وشفراتها واحالاتها من خلال تجسيد وتناول الشخصيّات الغريبة أو الأمكنة ودلالاتها أو الأحداث أو التطرّف إلى سيرة حياة (عبد الكريم علوان)، ووجود الطفرة أو المفارقة الغرائبية في شخصيّته وتحوّله من معلّم دين إلى عالم فضاء، وهذه من الشطحات الفانتازية في الرواية التي تحيل إلى فانتازيا الواقع نفسه، فهو ينطوي على مثل هذه التناقضات والمفارقات، ونلحظ في الرواية دلالات وإشارات تنطوي على محمول فيه طاقة من الترميز، والإحالة إلى الواقع ممّا يجعل بعض الثيمات منفتحة على طاقة من التأويل والمطابقة مع مرجعيات الواقع المأزوم بكلّ أبعاده السياسيّة والاجتماعيّة والوجوديّة والسايكولوجية، ومنها الإشارة إلى المنفيين والمهمشين الذين سعوا للهجرة إلى جمهورية المريخ المتحدة؛ ومنهم (عبد الكريم علوان) أو (قدحة) وتحمل الإشارة نوعاً من الأسى ممزوجاً بتهكم خفي وتأطير غرائبي: "نُقلنا بباصات فضائية سوداء اللون، في بادئ الأمر نمنا نوماً عميقاً داخل الباصات تحت تأثير مخدّر فعال جدّاً، ثم وجدنا أنفسنا على سطح كوكب المرّيخ مطرودين من كوكب الأرض، قالوا في لحظة وداعنا: "اذهبوا إلى كوكب المرّيخ فيه ملك عادل لا يُظلم عنده أحد قطّ قال أحد الحراس من أعلى البرج إلى القادمين الجدد هذا الباب العظيم لا يفتح إلاّ في أول الليل..". (الرواية: 26).

وانطلاقاً من هذه الأحداث الفانتازية نجد ما يقابلها من احداث واقعية ترتبط بحياة الضابط المكلّف بمتابعة المهمة (2030)، وعلاقته بالوزارة وطبيعة عمله، وعلاقته بـ(حمد الله الباقري) أحد العاملين معه، وكذلك شخصيّة الضابط (مرتضى) الذي بقي معه حتّى نهاية هذه المهمّة التي تمثّل البؤرة المركزية للحدث داخل البناء الروائي، وهناك حضور المكان وتنوّعه على الرغم من أن المكان المركزي والدال هو مدينة (بغداد)، وبعض أحيائها مثل (الرحمانيّة)، و(المريخ) وغيرها من الأمكنة، وتتجلّى طبيعة المكان الغرائبي في (قرية أم الوساوس) التي ولد (عبد الكريم علوان) وعاش فيها، ويحمل المكان كثيراً من الرمزيّة الممزوجة بتأطير غرائبي، لتحويل المكان إلى دال يحيل إلى الواقع، وبعد التحرّيات توصّل فريق المهمّة إلى معلومات حولها: "يعرّج الملف على ذكر فقرات من كتاب تاريخ القرى العراقية، إذ جاء فيه إنَّ كلّ أهل قرية (أم الوساوس) من الملاحدة المشكّكين بالخالق بطريقة فطرية، وليس تنظيريّة قصدية وهم لا يعلمون أنهم كذلك، تلك مفارقة كبرى بتاريخ القرى، لذلك يقول الملالي عن هذه القرية بأنها شبيهة بقوم لوط، وأن صالحاً هو (قدحة)، تراهم يقيمون الصلاة ويؤدّون الفرائض، لكنّهم في أثناء سهرات اللّيل يتحدّثون عن الوساوس التي تنخر في أدمغتهم، لذلك أبطلت الشكوك كلّ صلاتهم وقوّضت صيامهم وزكاتهم وحجّهم وبرّهم، وهم غير مبالين أبداً..". (الرواية: 64- 65)، والمكان الذي يحمل دلالات إحاليّة ورمزية هو هذه القرية الغرائبية التي تحمل دلالات وتوصيفات وطقوس الواقعية السحرية الماركيزيّة، فهي تشبه مدينة (ماكاندو) التي فقد سكانها ذاكرتهم وانقطعوا عن العالم.

ونلحظ الصراع يتخذ إحداثيات الأعلى والأسفل أي السماء والأرض، السماء بطبيعتها ورمزيتها الدينية فضلاً عن وجود المكان الافتراضي العلوي (جمهوريّة المريخ أو دولة المرّيخ المتحدة)، ويقابلها في إحداثيات الأرض الوزارة، بيت الضابط (عبد الله)، مدينة بغداد وأحيائها، (جامع الرحمن) (قرية أم الوساوس)، وغيرها، ومن الأمكنة ما يمكن أن نسميّة بالمكان العلوي والمكان الأرضي الذي بينهما تدور الأحداث والمفارقات والتناقضات، ولم يعُدْ المكان مجرّد فضاء أو حيّز، بل نجده يحمل كثيراً من المحمولات والدلالات، يقول (حمد الله الباقري) مساعد الضابط (عبد الله): "كلفني مؤخّراً المقدّم عبد الله الراجحي بمهمّة سريّة لمتابعة ما يدور بين المصلّين في جامع الرحمن، وتسجيل أحاديثهم بما يفكّرون فيه بخصوص الاصطدام المرتقب، ولو أني لا أقرب الصلاة منذ زمن بعيد، لكني مضطر على وفق المهمّة أن أتمرن على حركات الوضوء والسجود والركوع، حتى يحين لي أن أشغل أذني كرادار يدور في أثناء الصلاة، وكأني أسمع همساً عن يوم الاصطدام...". (الرواية: 71).

ومن الظواهر الغرائبية في الرواية انشطار شخصيّة المقدّم (عبد الله) الى شطرين، شطر ينتمي إلى مهنته ووظيفته، لكونه شرطيّا ومحققا بارعاً متمكناً من أدائه، وشطر لكونه شاعراً يعشق الشعر والتأمّل، وهذا التضاد أو جمع المتناقضات يحيل إلى مفارقة دالة على الالتباس والغموض الذي يحيط بالواقع وبالشخصيّات والأمكنة، فكيف لضابط شرطة أن يمارس الشعر، وكيف لشاعر أن يتحول إلى شرطي محقق؟ هذه المفارقة الدالة تشير أيضاً إلى تشظي الواقع وتلّبسه بالغرابة.

ولعلّ هذا التناقض في شخصيّته جعله يعاني كثيراً من هذا الصراع الداخلي حتى أنه أدّى إلى تعثّر وارتباك علاقته بزوجته (أحلام)، يقول: "لو لم أكن ضابط شرطة، لفضلت أن أكون شاعراً يقطن الشاعر ضيفا حالما مقيما على الدوام في قلبي، بينما يترّبع الشرطي المشاكس بهراوته في رأسي، يتفق الشاعر والضابط على افساد علاقتي بزوجتي أحلام حتى جعلاها تتمرّد على الأشياء الجميلة في حياتي تنفذ صلاحيتها قبل الأوان، بينما الأحزان تبقى متكلّسة إلى النهاية في هذه الحياة". (الرواية: 20).

ونجد هذا التناقض الحاد في الشخصيّة واضطرابها أيضاً عند (عبد الكريم علوان) أو (كريم قدحة) أو (عبقرينو) فهو يعاني هذا الانشطار الراديكالي بين كونه معلّم دين منحدر من قرية أم الوساوس، وبين كونه عالم فضاء، وهناك انشطار آخر يمثلّه انشطار جنسيته فهو عراقي وأميركي الجنسية، وهناك صراع الجنسية الأصلية الحقيقية والجنسيّة المكتسبة، ونلحظ أيضاً أنه قد انشطر إلى ثلاث شخصيّات كما يصف ذلك المقدم (عبد الله) عن الهدف: "هذا الهدف يغيّر مكانه كل نصف ساعة كما تتحدّث المعلومات المتوفرة، وله أكثر من صورة لا تتطابق مع بعضها، وأكثر من مسمّى فهو (عبقرينو) الشخصيّة الفضائية، في اليوتيوب، والعراقي اللّعوب والمشاغب كريم قدحة، وهو أيضاً العالم الأميركي الخطير الدكتور (عبد الكريم علوان)، شخصيّة ثلاثية الأبعاد، تخفي تحت جلدها ثلاثة أسماء وعنوانين مختلفين". (الرواية: 24)، وهناك حالة من التناقض والانشطار أيضاً في شخصيّة (الشيخ قرطاس)، وهو ابن (ميسون العانس) الذي زحف عليها الزمن وهي مرتبطة بعلاقة مع (عدنان)، وعلى مدى عقود لكن الأب الشيخ (قرطاس) يرفض هذا الزواج بينهما، وبعد أن تجاوزت الخمسين حصلت موافقته، وهو يحاول أن يتطهر من ذنوبه مع أنه شيخ يلازم أو يعيش في (جامع الرحمن) وهو الذي يرشد الناس والتابعين إلى الثبات والتحضّر لملاقاة يوم الاصطدام الكوكبي: "وافق على زواج ابنته ميسون المصون معلمة التربية الإسلامية في مدرسة الفتح المبين من عدنان الشخصيّة المحبطة الذي يسكن على ضفاف دجلة منذ زمن بعيد، جاء خبر الموافقة كرد فعل لدنو يوم قيامة الاصطدام المزعوم كان عليه تطبيق مشروعية التطهر من الذنوب". (الرواية: 121)، وعلى وفق هذه المعطيات فإننا نجد أن الشخصيّات الثلاث (عبد الله وعبد الكريم والشيخ قرطاس) يعانون من التناقض والانشطار بكل صوره ومعانيه ودلالاته لأنهم أساساً سليلو مجتمع ملتبس ومتناقض، وهذه الأزمة في طبيعة الشخصيّة تحيل الى اشكالية أو أزمة الهوية والتشظّي المهيمن على الواقع، وتصبح الإشكالية تتسّم بالتأزم الفادح وتقترن بفعل (البحث) عن الذات المتشظيّة واضطراب الهويّة والتوّجه، وتلك دالة على ان الشخصيّات تعيش لحظة قلقة وفارقة، في مجتمع قائم على الانشطار والتشظّي، وغياب الهويّة، الهوية بمعناها الجمعي والفردي. ونلحظ الشخصيّتين البارزتين اللّتين تمثلان صورة المرأة في الرواية متمثلة بشخصيتي الزوجة (أحلام) و(ميسون العانس) ابنة الشيخ (قرطاس)، وكلا الشخصيّتين تعيش احباطاً داخلياً وكلّياً، الأولى تعاني من تعثّر العلاقة مع زوجها المقدم (عبد الله) وانشغاله الوظيفي في التحري والتحقيق إذ يصف عبد الله هذه العلاقة التي تعاني الإحباط: "تعمدت المكوث في السرير بحجّة هيجان نوبة المرض المزمن بما يسمّى (داء الشقيقة) الأمر الذي اعتدت عليه في كلّ مشاجرة أو زعل منها، لقد اعتدت منذ زمن بعيد على تصرفاتها مع كل مهمة جديدة، تركتها وخرجت منزعجاً إلى العمل، على أن تتكفل هي بتوصيل الأولاد إلى مدارسهم بسيارتها الهونداي الجديدة". (الرواية: 50).

ونجد الأخرى شخصيّة (ميسون العانس) التي تعاني الإحباط نتيجة العنوسة التي سبّبها لها أبوها الشيخ (قرطاس) وعدم موافقته على الزواج من (عدنان) الذي تحبّه، وجاءت الموافقة بعد ثلاثين عاماً، وبعد أن أصبحت في سن العنوسة، وتأتي هذه العقوبة أو التصرّف غير العقلاني، وغير الرحيم من رجل دين يقضي عمره في الصلاة ونصح الناس على الرحمة والتقوى!! يقول الراوي العليم: "عندما وصل خبر موافقة الشيخ إلى عدنان عشيق ابنة الشيخ هزَّ يده بشيء من الاستهجان على هذه الموافقة الباردة، لم يتحمس للزواج من عشيقته، تلك العشيقة الأولى والأخيرة التي غفل عنها بعد مرارة ما مرَّ به، والظروف القاسية في شوارع بغداد، قال في نفسه: "لم يتبقّ من حبات العمر من بقيّة لتحمل أعباء فكرة الزواج، هذا ما قاله في داخله...". (الرواية: 126).

وقد تكون هذه المفارقة التراجيدية تحمل إشارة خفيّة او نسقاً مضمراً يرتبط بالأحداث السياسيّة وانعطافاتها الحادّة وتأخر الحلول المنتظرة التي تولد باردة وبليدة مثل شبح أو أكذوبة الحريّة في زمن الاحتلال والأحداث تدور في هذه الحقبة لاسيما أن (ميسون) و(عدنان) انتظرا ثلاثين عاماً على حدوث الفرج المنتظر، فرواية (يوتيوب) تتوغل كثيراً في عوالم التناقض والمحتدم.

أمّا نهاية الرواية فقد حملت ملمحاً أو طاقة من الفانتازيا حين يتوصل الرائد (مرتضى جبر الصافي) أحد مساعدي المقدم (عبد الله) إلى فكرة ذهبية تتلّخص بايجاد أو خلق بديل وهمي لشخصيّة (كريم قدحة) وتسويقها للوزارة والإعلام والرأي العام تخلّصاً من الحاح الوزارة، وتأزم الموقف، ويتم العمل على خلق الشخصيّة المختلفة وصولاً إلى نوع من الحل، لكنّ النهاية توحي بأنها نهاية مفتوحة بسبب أن الحل ليس حقيقياً ولا جذريّاً، والنهاية تحمل كثيراً من دلالات الإحالة والترميز إلى واقع مفتوح على الحلول المؤقتّة والأوهام والبدائل غير الحقيقية.

 

([1]) يوتيوب، رواية، خضير فليح الزيدي، منشورات اتحاد الأدباء – بغداد، 2022.

المشـاهدات 3   تاريخ الإضافـة 17/02/2026   رقم المحتوى 70595
أضف تقييـم