الثلاثاء 2026/3/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
قصة قصيرة ..الست شُهب ..
قصة قصيرة ..الست شُهب ..
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

    محمود ال جمعة المياحي    

     كان يطلق عليها سفيرة الابتسامة الجميلة، في اغلب الأحيان لن تجدها جالسة خلف مكتبها الانيق كمديرة للإدارة في احد البنوك، وانما تطوف بابتسامتها على الأقسام مع الفرع الرئيسي ، الابتسامة لغة يتفاءل بها الجميع وهي احلى من كلمة صباح الخير  ! ولطالما كانت الست شهب ودودة مع الموظفين ولكنها شديدة مع المخالفين خصوصا المخالفين للزي الرسمي الذي فرضه البنك على الموظفين (البدلة النيلية والقميص الأبيض) !! البنوك واجهات البلد التي يطل بها على العالم كونها مراكز مالية مهمة ، لذا الاهتمام ضروري بالترتيب والاتكيت والاناقة فهي من أولويات العمل التي تحرص الست شهب على توفرها بالموظف ، ففي كل صباح تقوم بعمل (تور) على الأقسام والفرع الرئيسي وإلقاء نظرة فاحصة وهي مؤمنة بقول ابن المقفع (اذا لم تظهر حزمك للناس.. استهانوا بك ) ثم تباشر عملها في مكتبها ، واحيانا لزحمة العمل تتأخر في مرورها على الفرع الرئيسي الذي زارته متأخرة ذات يوم وبينما هي تُـسلم على الزبائن وتراقب اداء الموظفين سمعت احدهم يتحدث بلغة التوسل والاستعطاف مع موظفة خدمة الزبائن وهو يقول .. والله ست آني جاي من المحافظات وهسه يله وصلت وما عندي إجازة غير يوم واحد .. فتجيـبه الموظفة بتهكم واستعلاء. . أستاذ انتهى الدوام اليوم خميس والساعة 11.30ينسد الصندوق والساعة هسة بالـ 12 .. ومن باب كسب الزبائن تقدمت الست شهب نحو الزبون بوجود الموظفة وبادرت بالسلام مع ابتسامة عريضة وقالت .. اهلا بالأستاذ في مصرفنا .. ممكن تتفضل ويايه الى مكتبي انا ست شهب مديرة الإدارة ..!الدبلوماسية بالعمل هي ان تكسب الزبون حتى وان لم تؤدِ له خدمة ! جلس الزبون على كرسي المداولة في مكتب الست شهب وكانت المعاناة واضحة على وجهه ،امرت له بالضيافة من الشاي والماي وقالت له .. تفضل أستاذ اشلون اخدمك؟! كانت هذه الكلمة بمثابة الكبسولة التي امتصت كل تعبه وقلقه فبدأ بالحديث عن نفسه فقال .. ست انا ضابط شرطة في محافظة السماوة وعندي شيك اريد اصرفه. !! ناولها الشيك وبينما هو يتحدث عن سيرته الذاتية اتصلت على مديرة الفرع الرئيسي وطلبت منها بيانات الشيك بعد ان أرسلت لها صورته بالكومبيوتر، وبعد دقائق تم التأكيد ان الشيك صحيح لان التزوير اصبح سمة العصر، هنا ابتسمت الست شهب ابتسامة هادئة وقالت للضيف .. أستاذ لتسهيل مهمتك راح انطيك مبلغ الصك من عندي بس اريد اسمك وتوقيعك والتاريخ بظهر الشيك ..! سحبت الست شهب شنطتها واخرجت المبلغ وناولته للزبون فناولها الشيك وهو لم يصدق ما حصل له من تسهيلات فاراد ان يشكرها ولكن في حالة الفرح تهرب كلمات الامتنان من فكر الانسان فغادرها وهو يبتسم مبهورا بما حصل .

  استمر حرص الست شهب في عملها ناصحة للغير وفاعلة للخير حتى قيام التغيير في عام 2003 وما رافقها من فوضى وإرباك للمشهد الحياتي اليومي،اذ تأثرت البنوك بهذا الظرف تأثيرا كبيرا وهي التي تحتاج اكثر من غيرها الى بيئة آمنه لان راس المال جبان !! وليس الى سماء مملوءة بالدخان والى شوارع مفخخة وازقة ترمى فيها الجثث المغدورة !! ولم يعد كلام الاقتصادي الكبير آدم سمث ( دعه يعمل .. دعه يمر) قررت شهب مع عائلتها مغادرة الوطن الذي اصبح اشبه بمجلس كبير للمآتم والاحزان .. تركت شهب ابتسامة يتشظى منها القلق والعتاب والتساؤل في البنك الذي تعمل فيه وودعتهم بدموع المحبة ولسانها لا يتوقف عن الكلام ..آني راجعة نعم راجعة بس تهدأ الأمور آني راجعة ..!

في سنين ما بعد 2005 اكتظت المنافي بالعراقيين وكل واحد منهم يختار وطن مستعار بدل وطنه الذي استبيح من قبل القادمين من مدن الثلج ! وهم ينتظرون لحظة العودة ..لحظة تنتهي معها قرقعة السلاح وصوت الرصاص ورفع الكتل الكونكريتية ونهاية القتل على الهوية ! ولكن الزمن لم يتوقف حتى ولو توقفت بطارية الساعة ! خمس عشرة سنة مضت على شهب وعائلتها تعيش في الوطن المستعار ويوميا تسمع اخبار الوطن الحقيقي هل من عودة قريبة ام هي امنيات مؤجلة، ولكن لا يمكن تأجيل تسجيل اسماء المنتمين الى الوطن ! عندما أعلنت وزارة الداخلية العراقية باستبدال هوية الأحوال المدنية بالبطاقة الموحدة لكل العراقيين في الداخل والخارج ! المواطن امام الدولة عبارة عن بطاقة يحملها في جيبه بدونها لا يعتبر عراقيا ! حضرت شهب مع عائلتها الى بغداد وحضرت الى مديرية الأحوال للبدا بإجراءات الحصول على البطاقة الموحدة وبعد ملئ الاستمارة وتقديمها الى الضابط المسؤول ولكنه قطب حاجبيه وقال ..بياناتج ناقصة لازم اجيـبين صورة قيد العائلة ..!لم تنفع معه نظرات التوسل وكلمات العطف ! استسلمت للامر فاتجهت هي واختها للمغادرة وعند باب المديرية تفاجأت برجل في منتصف الاربعينات من عمره يرحب بها بشكل كبير وهو يقول .. اهلا بالست شهب انت اليوم ضيفتنا !..صُدمت شهب من الموقف وفي نفسها رددت .. يمكن هذا مشتبه بيه بس ذكر اسمي !! اصطحب الرجل شهب واختها وصعدا الى الطابق الثاني وكان يرتدي البدلة السوداء وليس العسكرية والكل يأخذ له التحية ، وفي غرفة هذا الرجل وضعت لوحة تعريفية على المكتب (مدير المديرية .. العميد ..) الاندهاش يملئ وجهها لم تُعِر أهمية لكلمات المديح والثناء التي تفوه بها الرجل، اما اختها فتساءلت مع نفسها .. مَن هذا ياشهب ؟! وبعد ان قّدم لها الضيافة الشاي والماي قال لها .. ست شهب اشلون اخدمك ؟! رنّت هذه الكلمة في ذهنها وبدات بمسح الذاكرة وهي غير متأكدة من معرفة الرجل ثم أوضحت له طلب الضابط ..ضحك بغنج وقال هذه جدا سهلة تناول جهاز اتصال خاص بالمكتب واتصل على جهة أخرى وبعد عشر دقائق بدأت الطابعة بإخراج مستند القيد .. شهب تنظر ومازالت تبحث في ذاكرتها عن موقف جمعها مع هذا الرجل الذي امر الضابط ذاته بإخراج بطاقة الموحدة لي ولاختي، ثم بدأ يتحدث بأريحية عن المشاكل التي تواجه المديرية وقلة وعي المراجعين ثم تحول بكلامه للست شهب وسألها ماهي اخبار البنك ؟! هنا حصل الالتقاء وبدأت تلملم بقايا صورة الرجل الذي ساعدته في صرف الشيك قبل عشرين سنة !!هدأت شهب كثيرا عندما عثرت على تفسير لما قام به هذا الرجل من مساعدة ، وبعد ربع ساعة حضر الضابط ومعه مستند تسليم البطاقات ! استلمتها وهي تردد قول ابي العلاء المعري ..فلتفعل النفس الجميل خيرا ..فلا يضيع جميلا أينما زرعا ..

 

المشـاهدات 70   تاريخ الإضافـة 21/02/2026   رقم المحتوى 70650
أضف تقييـم