الأحد 2026/2/22 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.17 مئويـة
نيوز بار
عندما يهتز عرش الدستور... بفعل تغريدة!
عندما يهتز عرش الدستور... بفعل تغريدة!
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب علاء الطائي
النـص :

 

 

 

في زمن تاهت فيه البوصلات واختلطت المفاهيم نقف أمام مشهد عراقي يستحق التأمل والتدبر. مشهد استثنائي في تناقضاته. عجيب في تفاصيله. محزن في نتائجه. وكأن ما يجري في بلد الرافدين ينفلت من كل الأوصاف. الطبقة السياسية التي حملت همّ البلد على مدى عقدين تلك التي تناوبت على كرسي الحكم تحت قبة البرلمان تعود لتطل علينا بوجه آخر. فإذا بنا نرى الكتلة الواحدة وقد تعددت أوجهها والحزب الواحد وقد تشرذم بين مؤيد ومعارض. والإطار التنسيقي الذي جمع الفرقاء يتشظى اليوم ليس بسبب برنامج وطني أو خلاف استراتيجي بل لأن السيد نوري المالكي يترشح لرئاسة الوزراء... أو لا يترشح؟!امتلأت الفضائيات والمنصات الإعلامية بأقبح العبارات وأقسى الألفاظ.  وأصبح المواطن العراقي البسيط أسير سؤال لا ينتهي.  أيصلح المالكي؟  أيرفض؟  يمرر؟ ينسحب؟ من بديله؟ وكأن البلد برمته اختُزل في هذا الاسم. والأعجب من هذا كله أن هذا الزخم من الصراخ والعويل لم يأتِ نتيجة موقف داخلي أو قناعة وطنية بل أتت شرارته الأولى من تغريدة!  نعم تغريدة كتبها رجل قد يُحجر عليه في الشهر المقبل!  رجل فشل في كل الملفات التي تعامل معها.  من جزيرة أوكلاند إلى فنزويلا من الملف الأوكراني إلى السوري من فشله الذريع في مواجهة إيران إلى عجزه عن معالجة ملف غزة ومن فضائحه الأخلاقية في الداخل الأمريكي إلى فشله في ملف الضرائب.  حتى أنجلينا جولي التي حصلت على الأوسكار آثرت الرحيل النهائي عن الولايات المتحدة بسبب سياساته وتدني صورة أمريكا في عهده. هذا الرجل الذي تخلى عنه كبار قادة العالم والذي تهاوت هيبته الدولية الوهمية تطل علينا تغريدته فتهز العراق من أقصاه إلى أقصاه!  فيا لها من مفارقة!  ويا له من انكشاف هزيل لمنظومة سياسية تعلقت بأذيال الخارج وجعلت من كلمة "تغريدة" مرجعاً يغير المواقف ويقلب التحالفات ويبدل الأصدقاء إلى خصوم في لحظة! لكن هل التغريدة كانت السبب حقاً أم أنها كشفت فقط ما كان خافياً من انقسامات وهشاشة؟  أليست هذه الفرقة وهذه التشرذمات موجودة أساساً وجاءت التغريدة لتزيح الغطاء عن واقع مرير كنا نتمنى ألا نراه؟ أي سخرية هذه التي نعيشها؟  يهتز كيان بلد بأكمله  بلد الحضارة والتاريخ والتجربة الديمقراطية الفتية  بسبب حروف عدة نشرها رجل على منصة إلكترونية!  إنه لمن العجب أن نرى أصدقاء الأمس يتنصلون كالبرق من رفيق دربهم السيد المالكي متناسين مواقفه معهم في أصعب الظروف أيام المواجهة والاحتلال. "ماهكذا تورد الإبل ياساسة". والغريب أن نتنصل من المواقف لمجرد هبوب ريح من هنا أو هناك.وهنا يكمن الجرح الأعمق.  لقد كنا - ومنذ عام - نرفع صوتنا محذرين من أن الإطار التنسيقي يظل خيمة لا مؤسسة تجمعه المصالح لا الرؤى وتفرقه التغريدات لا البرامج. قدمنا وثائق وطرحنا أفكاراً وقلناها صريحة.. إما أن يتحول الإطار إلى كيان استراتيجي بآليات واضحة وقرارات ملزمة وإما أن تبقى أبوابه مشرعة لكل ريح. واليوم ونحن نرى ما نرى لا نقول "قلناها" انتصاراً للذات بل تأكيداً على أن الهشاشة الداخلية هي العدو الأكبر وأن التغريدة القادمة قد لا تأتي من ترامب بل من أي طرف يريد اختبار تماسكنا ولن يجد إلا غباراً.والحقيقة التي تغيب عن البعض أن الترشيح في العراق من عدمه يحسم داخل قبة البرلمان وفق الدستور والقانون. فإذا كنتم لا ترغبون في ترشيح السيد المالكي - أو أي مرشح آخر - فلماذا لا تفعلون كما يمليه عليكم صواب العمل السياسي؟ تقدموا إلى البرلمان واستخدموا أداتكم الدستورية "الثلث المعطل". افرضوا رؤيتكم عبر صناديق الاقتراع عبر اللوائح والأصوات لا عبر أبواق إعلامية تملأ الفضاء بالشتائم. أثبتوا للجميع أن العراق يملك نموذجاً حضارياً في التناوب على السلطة بدل هذه الأصوات النشاز التي تخدش الحياء.إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر بل هو تشويه للعقل العراقي وتكريس هشاشتنا أمام التأثيرات الخارجية. إن استغراب شعوب المنطقة من هذا المشهد لا يخفي إعجابها بتجربتنا الديمقراطية القصيرة لكنها ترى كيف تهتز هذه التجربة بفعل تغريدة وكيف أن خطابنا السياسي يخلع رداءه الوطني ليلبس عباءة التبعية والانبطاح.نحن في شهر رمضان المبارك شهر نتعلم فيه ضبط النفس ونترفع فيه عن الصغائر والتفاهات. فهل يعقل أن نحوله إلى موسم للتسقيط والتجريح والتأويل لتغريدة ترامب؟ هل يعقل أن تتحول ليالينا إلى سهرات للصراخ والاتهامات والتنصل من المواقف؟أيها السادة...عودوا إلى رشدكم. عودوا إلى الدستور. عودوا إلى منطق الأشياء قبل أن تضيع البوصلة تماماً. إن العراق أكبر من تغريدة عابرة وأعظم من صراخ إعلامي وأبقى من كل هذه المصالح الآنية. وتذكروا دائماً أن من لا يحترم نفسه لا يمكن للآخرين أن يحترموه.الدستور ليس مجرد وثيقة إنه الملاذ الأخير حين تتعطل البوصلات. وعندما تهتز عروش الدنيا كلها يبقى عرش الدستور هو الحامي.

فهل من عائد؟

المشـاهدات 25   تاريخ الإضافـة 21/02/2026   رقم المحتوى 70658
أضف تقييـم