الإثنين 2026/2/23 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب نوري حمدان
النـص :

 

 

 

يتناول المقال دلالات الرسالة الأميركية إلى بغداد بوصفها انعكاسًا لأزمة الدولة العراقية، لا مجرد ضغط خارجي. ويحلل تداخل العوامل الداخلية والخارجية، وأزمة السلاح والفساد والاقتصاد، مؤكدًا أن السيادة لا تتحقق برفض الرسائل، بل ببناء مؤسسات قوية قادرة على حسم القرار الوطني بعيدًا عن ارتهان المحاور.ليست الرسائل الدبلوماسية في العرف الدولي أمرًا استثنائيًا، لكن أن تتحول رسالة خارجية إلى ما يشبه خارطة طريق لحكومة لم تتشكل بعد، فذلك يكشف عن خلل أعمق من مجرد تباين في وجهات النظر بين دولتين. ما كشفه موقع "المونيتور" الأميركي عن مضمون رسالة من واشنطن إلى بغداد، تتضمن مطالب محددة لرئيس الوزراء العراقي المقبل، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبرًا عابرًا في سياق التجاذب الأميركي – الإيراني، بل باعتباره مرآة تعكس مأزق الدولة العراقية ذاته: دولة لم تحسم تعريف نفسها بعد، ولا حدود سيادتها، ولا طبيعة علاقتها بمحيطها.الرسالة، كما ورد في مضمونها، تتحدث عن تشكيل فريق وزاري كفوء ومهني، موالٍ للدولة العراقية ويضع مصالحها أولًا، وعن تعاون وثيق مع الولايات المتحدة لبناء شراكات اقتصادية وأمنية، وإنهاء ما تصفه واشنطن بالتدخل الإيراني، عبر إزالة المستشارين والعناصر المرتبطة بطهران، ونزع سلاح الجماعات المسلحة المتحالفة معها خلال مدة زمنية محددة، وإعادة دمج عناصرها، إضافة إلى مكافحة الفساد وغسل الأموال وإصلاح القضاء، وتحديد دور الحشد الشعبي ووضعه تحت إشراف القوات المسلحة.من حيث الشكل، يمكن لأي مراقب أن يقول إن كثيرًا من هذه العناوين تبدو أقرب إلى برنامج إصلاح داخلي مما هي إلى شروط سياسية خارجية. من يعترض على حكومة كفوءة؟ ومن يرفض مكافحة الفساد أو إصلاح القضاء؟ ومن يختلف على ضرورة أن يكون السلاح بيد الدولة؟ لكن الإشكالية لا تكمن في العناوين، بل في الجهة التي تطرحها، وفي التوقيت، وفي السياق الذي تُدرج فيه.حين تطالب دولة أجنبية بتفكيك جماعات مسلحة خلال فترة زمنية محددة، فهي لا تقدم نصيحة تقنية، بل تضع شرطًا سياسيًا يتصل بتوازنات إقليمية. وحين تدعو إلى إنهاء نفوذ دولة أخرى داخل بلد ما، فهي لا تخاطب فراغًا، بل تتعامل مع واقع تشكل عبر سنوات من التحالفات والتقاطعات والمصالح. وهنا يتبدى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تكمن المشكلة في مضمون الرسالة، أم في قابلية الواقع العراقي لتلقيها؟منذ عام 2003، والعراق يعيش على إيقاع تداخل العوامل الداخلية والخارجية. النظام السياسي بُني في ظل الاحتلال الأميركي، وتطورت معادلات القوة داخله في ظل صعود نفوذ إيراني متنامٍ، وتكوّنت طبقة سياسية اعتادت إدارة التوازنات بدل حسم الخيارات. ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة أزمة نفوذ هذا الطرف أو ذاك، بل أزمة دولة لم تستكمل شروط اكتمالها.الدولة، في تعريفها البسيط، تحتكر العنف المشروع، وتملك قرارها الاقتصادي، وتدير علاقاتها الخارجية وفق مصلحة وطنية واضحة. لكن العراق اليوم يعيش مفارقة مركبة: سلاح خارج المنظومة التقليدية للدولة، اقتصاد ريعي يعتمد على النفط ويرتبط بالنظام المالي العالمي الذي تمسك الولايات المتحدة بمفاصله الأساسية، وجغرافيا سياسية تجعله جارًا لإيران ومجالًا حيويًا لها، وفي الوقت ذاته شريكًا أمنيًا لواشنطن.في ظل هذا التشابك، يصبح الحديث عن السيادة شعارًا أكثر منه واقعًا متماسكًا. فالسيادة لا تُختزل في رفض رسالة خارجية، كما لا تتحقق بمجرد إعلان القطيعة مع هذا المحور أو ذاك. السيادة تُبنى حين تكون مؤسسات الدولة قادرة على فرض القانون من دون انتقائية، وحين يكون القضاء مستقلًا فعليًا، وحين يخضع السلاح لمرجعية واحدة لا لبس فيها، وحين تكون السياسة الخارجية نتاج قرار وطني لا انعكاسًا لضغوط متعارضة.ولعل أخطر ما في الرسالة الأميركية ليس ما ورد فيها من مطالب، بل ما توحي به من افتراض ضمني: أن واشنطن ترى في الحكومة العراقية المقبلة شريكًا يمكن توجيهه عبر شروط مسبقة. هذا الافتراض، سواء أصاب أم أخطأ، يكشف عن صورة العراق في عيون القوى الدولية: دولة قابلة للتأثر، لا تزال معادلاتها الداخلية مفتوحة على تدخلات الخارج.غير أن تحميل الخارج وحده مسؤولية هذا الواقع ينطوي على قدر من التبسيط. فلو كان النظام السياسي العراقي قد نجح في بناء مؤسسات قوية، ولو أُنجزت إصلاحات جدية في ملف الفساد، ولو حُسمت مسألة السلاح خارج الدولة ضمن رؤية وطنية جامعة، لما بدت أي رسالة خارجية وكأنها برنامج عمل مفروض. المشكلة ليست في أن واشنطن تريد تقليص نفوذ طهران، فهذا جزء من صراع إقليمي معلن، بل في أن هذا الصراع يجد في الساحة العراقية بيئة خصبة.العراق، بحكم موقعه وثرواته وتاريخه، ليس بلدًا هامشيًا في معادلات المنطقة. هو عقدة جغرافية بين المشرق والخليج، وهو سوق نفطية مؤثرة، وهو عمق استراتيجي لإيران، وفي الوقت ذاته شريك أساسي للولايات المتحدة في محاربة الإرهاب وضبط التوازنات. لذلك فإن أي حكومة عراقية مقبلة ستجد نفسها، شئنا أم أبينا، في قلب هذا الاشتباك.التحدي الحقيقي لا يكمن في الانحياز الكامل لهذا الطرف أو ذاك، بل في القدرة على إدارة التوازن من دون أن يتحول إلى ارتهان. وهذا يتطلب أولًا إعادة ترتيب البيت الداخلي. فلا يمكن الحديث عن استقلال القرار السياسي في ظل اقتصاد هش، يعتمد بصورة شبه مطلقة على عائدات النفط، ويتأثر بأدق التفاصيل في النظام المالي العالمي. ولا يمكن الحديث عن دولة قوية فيما تتآكل ثقة المواطن بمؤسساتها نتيجة تفشي الفساد وضعف الخدمات.حين تشير الرسالة إلى مكافحة غسل الأموال وإصلاح السلطة القضائية، فهي تلامس جرحًا عراقيًا حقيقيًا. لكن الإصلاح لا يكون استجابة لضغط خارجي، بل خيارًا وطنيًا نابعًا من إدراك أن استمرار الوضع الراهن يهدد استقرار الدولة ذاتها. الفساد ليس فقط مسألة أخلاقية، بل مسألة أمن قومي؛ لأنه يضعف المؤسسات، ويقوض الثقة، ويفتح الباب أمام تدخلات بحجة المساعدة أو الرقابة.أما ملف الجماعات المسلحة، فهو الأكثر حساسية وتعقيدًا. فبعض هذه الجماعات نشأ في سياق مقاومة الإرهاب، واكتسب شرعية اجتماعية لدى شرائح واسعة، لكن تحوله إلى قوة موازية للدولة يخلق ازدواجية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. السؤال ليس في وجود هذه القوى بحد ذاته، بل في طبيعة علاقتها بالمؤسسة العسكرية، وفي حدود القرار الذي تتبعه. إدماج السلاح ضمن إطار الدولة يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا توافقيًا، لا بندًا في رسالة خارجية، حتى لا يتحول إلى عامل انقسام جديد.العراق اليوم يقف عند مفترق طرق دقيق. الرسالة الأميركية، بما حملته من مطالب، قد تكون تعبيرًا عن لحظة إقليمية متوترة، وقد تكون محاولة لإعادة رسم حدود النفوذ، لكنها في كل الأحوال تضع الطبقة السياسية العراقية أمام اختبار صعب: هل تملك رؤية واضحة لتعريف مصلحة العراق بعيدًا عن منطق المحاور؟ وهل تستطيع أن تبني دولة لا تُكتب سياساتها في عواصم أخرى؟الرهان لا ينبغي أن يكون على رفض الرسالة أو قبولها، بل على بناء واقع يجعل أي رسالة خارجية مجرد رأي لا أكثر. الدول القوية لا تُدار عبر إملاءات، لكنها أيضًا لا تبنى بالشعارات. تبنى بمؤسسات راسخة، واقتصاد متين، وقضاء مستقل، وجيش موحد القرار، وسياسة خارجية متوازنة تعرف كيف تقول نعم حين تقتضي المصلحة، وكيف تقول لا حين تمس السيادة.ليست المشكلة إذن في أن تُرسل واشنطن رسالة، بل في أن يبدو العراق وكأنه ينتظرها. وبين عجز الداخل وضغوط الخارج، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح العراق في التحول من ساحة تتقاطع فوقها الرسائل، إلى دولة تكتب رسائلها بنفسها؟

المشـاهدات 35   تاريخ الإضافـة 23/02/2026   رقم المحتوى 70673
أضف تقييـم