الإثنين 2026/2/23 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
التركمان ورمضان.. عبق التاريخ وتلاحم التراث
التركمان ورمضان.. عبق التاريخ وتلاحم التراث
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب محمد هاشم الصالحي
النـص :

 

 

 

يعتبر التركمان مكوناً أساسياً وأصيلاً في النسيج العراقي وهم الذين ضربوا بجذورهم في أرض الرافدين منذ عام 54 هجرية. لم يكتفِ التركمان بكونهم جزءاً من الفتوحات الإسلامية، بل أضحوا بناةً للمؤسسات الثقافية والحضارية. ومع حلول شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الأصالة في طقوس تمزج بين الروحانية الإسلامية والعادات القومية المتوارثة.تُعدُّ العادات الرمضانية لدى التركمان في العراق لوحةً تراثية غنية تجمع بين العبادة، والأصالة، وروح الجماعة. تبدأ الأجواء الرمضانية من البيت التركماني، حيث المائدة التي لا تخلو من الأطباق التقليدية. يتميز المطبخ التركماني بخصوصية عالية، فبجانب التمر واللبن تتربع شوربة العدس وكبة الحلب والدولمة على العرش.ومن العادات الأصيلة لدى العوائل التركمانية هي تبادل(صحون الإفطار) بين الجيران وهي عادة تعزز أواصر المحبة وتضمن ألا يبقى بيتٌ دون زاد.بعد الإفطار، تكتظ المساجد في المناطق التركمانية (في كركوك وتلعفر وطوزخورماتو وكفري وغيرها من المناطق التركمانية) بالمصلين من مختلف الأعمار. تمثل صلاة التراويح نقطة التحول من أجواء البيت إلى أجواء المدينة، حيث يلتقي الأصدقاء والأقارب في باحات الجوامع لتبادل التهاني والدعوات.

 

لعبة الصينية.. تراثٌ يتحدى الزمن

 

بمجرد انتهاء صلاة التراويح، تشهد المقاهي التركمانية حراكاً استثنائياً. هنا تبدأ لعبة الصينية وهي اللعبة الشعبية الأشهر التي توارثتها الأجيال:حيث تتألف آلية اللعبة، من صينية كبيرة تضم عدداً من الظروف (الفناجين) النحاسية المقلوبة. يتم إخفاء حجرة أو خاتم تحت أحد هذه الظروف وعلى الفريق المنافس استخراجها بذكاء وفراسة.لا تقتصر اللعبة على الربح والخسارة، بل هي مهرجان مصغر. الأجواء المصاحبة تتخللها الجلسات أغاني المقامات التركمانية الشجية والدبكات التي تشعل حماس الفائزين، مما يحول المقهى إلى مسرح ثقافي ينبض بالحياة.تستمر هذه الجلسات حتى ساعات الفجر الأولى. وخلال هذه الساعات، يزدهر سوق المشويات، حيث يشتهر التركمان ببراعتهم في إعداد الكباب والتكة والمعلاك والتي تُعد الوجبة المفضلة للساهرين. هذه الأجواء لا تنفصل عن التحضير لـ (السحور)، الذي غالباً ما يكون وجبة خفيفة تعين على صيام يوم جديد، وسط دعوات كبار السن وأهازيج الشباب.شهر رمضان لدى التركمان ليس مجرد شهر للصيام، بل هو وعاءٌ ينصهر فيه التاريخ بالدين، لتخرج لنا صورةٌ حضارية تعكس عراقة هذا المكون العراقي الأصيل.يبقى اليوم الرمضاني التركماني نموذجاً حياً للتمسك بالهوية مع الانفتاح على روح العصر، حيث تظل الصينية وصوت المقام وشذا المشويات علامات فارقة تميز مدنهم وقراهم في هذا الشهر الفضيل.إن شهر رمضان المبارك يتجاوز كونه مجرد إمساكٍ عن الطعام والشراب، ليكون مدرسةً سنوية تُهذب النفوس وتغرس فيها قيم المحبة والتآلف. في هذا الشهر، تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية وتتجلى أسمى صور التكافل الإنساني، حيث يصبح الشعور بالآخر واجباً وجدانياً قبل أن يكون فرضاً دينياً.في رمضان، تلين القلوب وتصفو النفوس. هو شهر "صلة الأرحام" بامتياز، حيث تمتلئ البيوت بالزوار وتُفتح الأبواب التي أغلقتها مشاغل الحياة. هذا التقارب الاجتماعي يخلق حالة من الوحدة الشعورية، حيث يجتمع الصائمون على مائدة واحدة وفي صلاة واحدة، مما يعزز روح الجماعة وينبذ الفرقة والتباغض.إن رمضان هو الفرصة المثالية لإعادة إحياء القيم الإنسانية التي قد تبهت خلال العام. هو موسم القلب الذي نزرع فيه المحبة لنحصد مجتمعاً متماسكاً يرحم فيه القوي الضعيف، ويعطف فيه الغني على الفقير.

المشـاهدات 50   تاريخ الإضافـة 23/02/2026   رقم المحتوى 70676
أضف تقييـم