| النـص : في ظل العواصف التي تضرب واقعنا اليوم، لم تعد الطائفية مجرد ( وجهة نظر) او انحياز زائل ، وإنما تحولت الى تهديد وجودي ينهش جسد المجتمع من الداخل. حين ترتفع اصوات الرصاص، يصبح الاحتماء بجدران المذاهب انتحارا جماعيا مؤجلا، فالاوطان لا تسقط فقط بفعل العدوان الخارجي، وإنما تتآكل حين يرى المواطن في شريكه في الارض عدوا يستحق الاقصاء.لكن الحقيقة التي يجب ان تقال بلا مواربة، ان الطائفية لم تولد من فراغ، وإنما صنعت.واول من اشعلها لم يكن البسطاء، وإنما الساسة.السياسيون كانوا السباقين الى استخدامها، لا بوصفها قناعة، وإنما كاداة. خلقوا بها جمهورا، ورسموا عبرها حدود الولاء، ثم حولوها الى سوق مفتوحة يتاجرون فيها بالخوف والهويات. كلما خفِت بريقهم، اشعلوا فتيلها. وكلما ضاق افقهم، وسعوا أنشقاقات المجتمع. لم تكن الطائفية يوما مشروع خلاص، وإنما كانت دائما مشروع سلطة.وهٓم القوقعة.. الطائفية لا تحمي احدا، مهما اوهموكم بذلك. انها تعيد تشكيل الانسان داخل دائرة من القلق، وتختزل وجوده في انتماء ضيق، فتسلبه انسانيته قبل ان تسلبه وطنه. تحول الارض الى خرائط نزاع، والتاريخ الى روايات متخاصمة، والمستقبل الى فراغ مهدد.ماذا كانت الحصيلة؟مدن أشبه بالمهدمة، سيادة مستباحة، وثروات منهوبة، واجيال نشات على لغة الكراهية بدل الامل.والامّر من ذلك ان من حرضك باسم الطائفة، لن يقف معك حين تسقط الجدران فوق الجميع.يكمن الحل في التوطن إذا اعتبرنا البديل ليس شعارا يرفع، وإنما وعي يبنى.
ان نتوطن يعني ان نغادر عقلية الغلبة والمحاصصة، الى فضاء المواطنة والعدالة. ان نكف عن سؤال من انت لنبدأ بسؤال ماذا تقدم. ان نرى في الاخر شريكا في المصير، لا منافسا على البقاء.اهدموا اسوار الطائفة، فهي ليست حصنا يحميكم، لكنها سجن يعزلكم عن شمس الوطن.ان اخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط صراع الخارج، وإنما هشاشة الداخل. تلك القابلية السريعة للانقسام، التي تجعل من كل ازمة شرارة، ومن كل اختلاف فتنة. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل نظل وقودا في معارك غيرنا، ام نصبح شعبا يصنع مصيره؟و نحو فجر مختلف رغم هذا الظلام، يبقى الامل ممكنا… لكنه واجبا.فكل وعي يولد، يطفئ فتيلا. وكل مصافحة صادقة بين المختلفين، هي حجر اساس في بناء وطن لا يهزم.نحن قوة التغيير ، حين نرفض ان نستدرج الى الكراهية، ونكسر الحلقة التي ارادوها لنا.ويكون المستقبل للكفاءة ، بوطن لا يقاس فيه الانسان بهويته، وإنما بعطائه، هو وطن يستحق الحياة.ولابد ان تكون الوحدة فيما بيننا هي الحصن ، حين نتوحد، تتحول الجغرافيا من ساحة صراع الى مساحة بناء.فنحن لم نختر اختلافاتنا، ولكننا نملك ان نختار كيف نعيش معها. اما ان نجعلها سببا للتمزق، او نرتقي بها الى تنوع يغني الوطن.لا تتطائفوا… وتوطنوا.فالوطن الذي لا يتسع للجميع، لن يبقى لاحد…والوطن الذي نحميه معا ،لايقهر.
|