انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي بعد قبول واشنطن للنقاط العشر![]() |
| انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي بعد قبول واشنطن للنقاط العشر |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب احمد صالح سلوم |
| النـص :
في صباح هذا اليوم، الثامن من أبريل 2026، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني رسمياً قبول الولايات المتحدة للنقاط العشر التي تقدمت بها طهران كأساس لإنهاء الحرب المستمرة منذ أربعين يوماً. هذا التطور، الذي وصفته طهران بأنه “استسلام أمريكي مفتوح”، لا يمثل مجرد هدنة أو وقف لإطلاق النار، بل يعلن عن ولادة نظام إقليمي جديد برمته، تعاد فيه صياغة الخرائط السياسية والعسكرية وفق حسابات محور المقاومة بقيادة إيران، بدعم استراتيجي من روسيا والصين. لم تكن هذه الحرب، التي اندلعت في أواخر فبراير 2026 بعد ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت الأراضي الإيرانية، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. لقد كانت اختباراً حاسماً لنمطين متناقضين من أنماط القوة: نموذج الهيمنة الأحادية الذي تمثل واشنطن، ونموذج التعددية القطبية الذي تقوده تحالفات جديدة تتجاوز حدود الحلفاء التقليديين. أولاً: النقاط العشر – وثيقة الاستسلام الأمريكي بحسب الإعلان الرسمي للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فإن النقاط التي وافقت عليها واشنطن تشمل:
عدم شن أي عدوان جديد ضد إيران
استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز
الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم
رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية
إلغاء قرارات مجلس الأمن ومجلس المحافظين
دفع تعويضات الحرب لإيران
الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية القتالية من المنطقة
وقف الحرب ضد محور المقاومة بما فيه لبنان
إطلاق الأصول الإيرانية المجمدة
المصادقة على الاتفاق بقرار ملزم من مجلس الأمن
ما يجعل هذه الوثيقة فريدة في تاريخ الصراعات الحديث أنها لا تمثل مجرد تنازل تكتيكي، بل اعترافاً صريحاً بالهزيمة الاستراتيجية. فالمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أكد أن “العدو أدرك منذ اليوم العاشر من الحرب أنه لا يملك أي قدرة على الفوز، وبدأ منذ ذلك الحين يسعى لطلب وقف إطلاق النار عبر قنوات متعددة”.
ثانياً: أبعاد الانتصار – من طهران إلى صنعاء
اليمن: استكمال تطويق المضيق
لم تكن قدرة اليمن على استهداف السفن المرتبطة بالكيان وإسرائيل مجرد عمل عسكري معزول، بل كانت جزءاً من استراتيجية متكاملة لتأكيد أن معادلة الردع الجديدة تمتد من المحيط الهندي إلى البحر الأبيض المتوسط. القوات اليمنية، التي باتت تمثل نموذجاً فريداً في قدرتها على المناورة والابتكار العسكري، ساهمت بشكل حاسم في إجبار واشنطن على القبول بشروط طهران، عبر استنزاف القوى البحرية الغربية ورفع كلفة التدخل.
العراق: الحشد الشعبي كعنوان للسيادة
في العراق، أثبتت قوات الحشد الشعبي أنها لي مجرد قوات مساعدة، بل عمود فقري في المنظومة الدفاعية للعراق والتصدي لأي محاولات للتسلل البري جعل من المستحيل على واشنطن تحقيق أي تقدم ميداني ذي معنى.
لبنان: الضاحية التي صنعت التوازن
في لبنان، لم تكن الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد معقل سياسي، بل مركز قيادة وإدارة لمعركة استراتيجية معقدة. المقاومة الإسلامية في لبنان أثبتت مرة أخرى أن معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” قادرة على فرض قواعد اشتباك جديدة، تجعل أي عدوان على أي جزء من المحور مكلفاً بشكل غير مسبوق.
غزة: صمود أسطوري
في غزة، قدمت المقاومة الفلسطينية نموذجاً في الصمود والابتكار القتالي، حولت القطاع المحاصر إلى مدرسة في حرب المدن غير التقليدية. المقاومة هناك لم تكن مجرد طرف في المعركة، بل كانت القلب النابض الذي أعطى شرعية أخلاقية وسياسية لمحور المقاومة بأكمله.
ثالثاً: القوى العظمى الجديدة – صعود المثلث الذهبي
ما حدث في الأربعين يوماً الماضية يتجاوز حدود الشرق الأوسط. إنه إعلان عن ولادة نظام عالمي جديد، لم تعد فيه الولايات المتحدة القطب الأوحد.
روسيا: الشريك الاستراتيجي في مواجهة الهيمنة
روسيا، التي تربطها بإيران علاقات شراكة استراتيجية منذ 2025، لم تكتفِ بالدعم السياسي. التقارير تشير إلى تعاون عسكري وثيق، يشمل تبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق على أعلى المستويات. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف العلاقة مع موسكو بأنها “تعاون جيد في المجالات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية”. بالنسبة لموسكو، كانت الحرب على إيران فرصة لإثبات أن العقوبات والعزلة لم تنجح في إضعافها، بل جعلتها أكثر قدرة على بناء تحالفات بديلة.
الصين: القوة الاقتصادية التي ترجح الكفة
الدور الصيني كان أكثر دقة لكنه لا يقل حسمًا. بكين، التي تعتمد على إيران لتأمين 13.4% من وارداتها النفطية، لم تكن لترى باسترخاء تهديداً يطال أمنها الطاقي. بعد الضربات الأمريكية في 28 فبراير، كان الرد الصيني سريعاً وحاسماً: إدانة شديدة للعدوان على السيادة الإيرانية، ودعوات لعودة المفاوضات.لكن الأهم هو الدور الصيني في توفير شبكة أمان اقتصادية لطهران، وضمان استمرار تدفق النفط عبر قنوات بديلة، وفي مقدمتها العلاقة المتنامية مع روسيا.
إيران: قلب المحور وعقله
إيران خرجت من هذه الحرب أقوى مما دخلتها. صحيح أن البنية التحتية تعرضت لضربات مؤلمة، لكن البنية الاستراتيجية للدولة لم تنهر. على العكس، الحرس الثوري الإيراني خرج من الصراع مسيطراً بشكل كامل على مفاصل الدولة، معتمداً على استراتيجية “الدفاع الفسيفسائي” التي تجعل من المستحيل توجيه ضربة قاضية للنظام.إن تحول إيران إلى قوة عظمى معترف بها ليس مبالغة. فقدرتها على الصمود في وجه أقوى آلة حربية في التاريخ، وفرض شروطها على واشنطن، وقيادة تحالف إقليمي من أربع عواصم عربية (صنعاء، بغداد، بيروت، غزة)، يضعها في مصاف الدول القادرة على تشكيل النظام العالمي الجديد.
رابعاً: الخاسر الأكبر – “التركي الأطلسي” والكيان والمحميات
على الجانب الآخر من المعادلة، تتكدس الخسائر. المصادر تشير إلى أن تركيا، التي راهنت على علاقتها مع الناتو وموقعها كجسر بين الشرق والغرب، وجدت نفسها على الهامش. التوجهات التركية الأطلسية جعلتها تبدو غير قادرة على اتخاذ موقف حاسم، مما أفقدها فرصة أن تكون جزءاً من النظام الإقليمي الجديد. بالنسبة للكيان الإسرائيلي، فالضربة كانت موجعة بشكل خاص. فخلال أربعين يوماً من القتال، أثبتت المقاومة في غزة ولبنان أن الردع لم يعد حكراً على طرف واحد. القصف المتبادل بين طهران والكيان ، والخسائر الاقتصادية، والعزلة الدولية المتزايدة، كلها عوامل تجعل المكاسب الإسرائيلية المعلنة تبدو هشة وغير قابلة للاستدامة. أما محميات المنطقة، التي راهنت على الحماية الأمريكية، فقد اكتشفت أن واشنطن ليست فقط غير قادرة على حمايتها، بل هي أيضاً على استعداد للتضحية بمصالحها في طاولة المفاوضات. الانسحاب الأمريكي ومعه أدواته من سوريا، السودان، ليبيا، ولبنان ليس مجرد تغيير في تمركز القوات، بل هو اعتراف بأن مناطق النفوذ القديمة قد أعيد رسمها دون استشارة الحلفاء.
خامساً: ملامح النظام الإقليمي الجديد
وفقاً للمصادر، فإن المرحلة المقبلة ستشهد:إعادة ترتيب المنطقة: ليس وفقاً لمصالح القوى الغربية، بل وفق حسابات تحالف إيراني-روسي-صيني مع قوى المقاومة.إنهاء الوجود العسكري الغربي: الانسحاب الأمريكي من القواعد في الخليج والعراق وسوريا سيكون شرطاً أساسياً لأي استقرار دائم.مركزية باكستان: يبدو أن إسلام آباد، بعلاقاتها المتوازنة، وباعتبارها جزء من الامتداد الاستراتيجي الصيني ستلعب دور الوسيط والميسر، حيث من المقرر أن تجري الجولة القادمة من المفاوضات في إسلام آباد.اقتصاد ما بعد النفط: روسيا والصين تعملان بالفعل على تعزيز التعاون الطاقي بينهما، مع إدراك أن أمن الطاقة يتطلب تحالفات مستقرة لا وعود غربية متقلبة.
خاتمة: قراءة في مآلات التحول الكبير
قبول الولايات المتحدة بالنقاط العشر الإيرانية ليس نهاية الصراع، بل هو بداية مرحلة جديدة من التنافس الدولي. ما حدث هو اعتراف ضمني من واشنطن بأن نموذج “الهيمنة الأحادية” قد استنفد فائدته. العالم الذي كان يُدار من واشنطن ولندن وباريس، أصبح اليوم يُعاد تشكيله في عواصم جديدة: طهران، بكين، وموسكو وصنعاء .المقاومة التي قادتها إيران وحلفاؤها لم تكن مجرد قدرة عسكرية على الصمود، بل كانت استراتيجية متكاملة أدركت أن الحرب الحديثة تُربح في غرف القيادة ووسائل الإعلام وساحات التبادل التجاري بقدر ما تُربح في ساحات القتال.السؤال الآن ليس ما إذا كان محور المقاومة قد انتصر، فذلك بات أمراً محسوماً. السؤال هو: كيف سيتعامل هذا التحالف الجديد مع مسؤولياته في إعادة بناء المنطقة؟ وكيف سيكون شكل “النظام الإقليمي الجديد” في غياب الرقيب الأمريكي التقليدي؟الأكيد أن الثامن من أبريل 2026 سيبقى يوماً فارقاً في تاريخ الشرق الأوسط والعالم. إنه اليوم الذي انتهت فيه حقبة وبدأت أخرى
|
| المشـاهدات 63 تاريخ الإضافـة 08/04/2026 رقم المحتوى 70996 |
أخبار مشـابهة![]() |
في الصميم
هل نرى نهاية لهذه الحرب؟ |
![]() |
إسرائيل وإيران..ولعبة جر الحبل في الشرق الأوسط. |
![]() |
قراءة في ما بعد الهدنة من زاوية تراجع ترامب وفخ الحرس الثوري في أصفهان
تعليقًا على تحليل الدكتور عقيل الخزعلي حول الهدنة الملغومة |
![]() |
عالم في مرحلة تأسيسية ..لعبة العروش العالمية من غزة إلى نظام دولي جديد
|
![]() |
النشر في المجلات العالمية والترقية العلمية
|
توقيـت بغداد









