الخميس 2026/6/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 30.09 مئويـة
نيوز بار
مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة يسقط في فخ الاستسهال وقلة التنظيم
مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة يسقط في فخ الاستسهال وقلة التنظيم
سينما
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

يحتل المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة مكانةً وازنة في المشهد السينمائي القاري، إذ صمد عقودا طويلة شاهدا على تحولات الصورة الأفريقية وصراعاتها الجمالية والسياسية. مهرجان كهذا لم يُبن في يوم وليلة، ولم تتراكم هيبته صدفةً؛ هو ثمرة إرث طويل من النقاشات الجادة، والأفلام الجريئة، والمتلقين الذين آمنوا بأن الصورة الأفريقية تستحق منصةً لائقة. غير أن الدورة السادسة والعشرين جاءت تحمل في طياتها، إلى جانب البهجة والتواصل، جملةً من الأخطاء التنظيمية التي لا يمكن تجاوزها بصمت، لأن الصمت عنها يُعادل التواطؤ معها، ولأن مهرجانا بهذا الثقل يستحق نقدا بهذا الثقل أيضا.والهدف من هذا النقد ليس الهدم ولا الإقصاء، وإنما الإشارة إلى الثغرات بعين من يريد لهذا المهرجان أن يواصل ألقه ويرتقي بمستواه دورةً بعد دورة. إنها مساءلة أخلاقية من داخل الانتماء السينيفيلي.في اليومين الأولين من المهرجان، وهما الأكثر حيوية وإثارةً للشهية السينمائية، عُرضت الأفلام القصيرة والطويلة دون أن تُرفق بترجمة عربية. وهذا ليس سهوا عابرا يمكن تمريره بابتسامة ولا تبرير بأعذار لوجستية، لأنه خلل هيكلي يمس منظومة القيم التي يدّعي بعض أفراد المهرجان أنه يقوم عليها.كيف يُعقل أن يُقام مهرجان على الأرض المغربية، ويستقطب جمهورا مغربيا بالدرجة الأولى، ثم يُقصى هذا الجمهور عن التجربة الكاملة للفيلم بسبب انعدام الترجمة؟ الترجمة العربية ليست هامشا ترفيا ولا خيارا تقنيا قابلاً للتأجيل، لأنها شرط الكرامة الثقافية للمتلقي المغربي الذي لا ينبغي أن يجلس في قاعة مظلمة ليخمن ما يُقال على الشاشة. من حق المشاهد أن يفهم ما يُشاهد، وأن ينفعل معه بشكل حقيقي، وأن يُكوِّن حكمه النقدي انطلاقا من استيعاب تام وليس من أي تخمين وتحليل للإيماءات والحركات.والأجدر بالمنظمين أن يُدرجوا اشتراط الترجمة العربية بندا إلزاميا صريحا بين شروط اختيار الأفلام المشاركة، لا خيارا اختياريا يُترك لحسن نية صُناع الأفلام أو لمزاج المنتج. فمهرجان يفتقر إلى هذا الشرط لا يحق له أن يدّعي الانتماء إلى جمهوره، ولا أن يزعم الحوار مع المتلقي المحلي وهو يضعه في موضع المتفرج الأعمى.ومن ثغرات التنظيم البارزة في هذه الدورة مسألة مَن يتولى تقديم الأفلام القصيرة والطويلة، وهي مسألة تبدو هامشية لكنها في الحقيقة جوهرية. لا يُجادل أحد في أن وظيفة المقدِّم في مهرجان سينمائي تفوق في أثرها قراءة الاسم والمدة الزمنية والجنسية؛ إنه الجسر الأول بين العمل وروحه، وبين الفيلم ومتلقيه. هو من يُهيئ المناخ الذهني والعاطفي للمشاهدة، ويضع الفيلم في سياقه الفني والإنساني الذي يجعل المشاهد مستعدا للانغماس فيه.غير أن ما شهده المهرجان من أداء في التنشيط جاء دون المستوى المأمول بمراحل. فمقدِّمون أفارقة يفتقرون إلى أدنى خلفية جذابة، يلجؤون إلى تلعثم فج أو إلى ملء الفراغ بقراءة على الورق جاهزة، بينما التنشيط في الفعل السينمائي فنٌّ قائم بذاته يستوجب معرفة بالسياق الإبداعي، وحضورا جسديا لغويا يليق بالمقام، وأدنى حدٍّ من الثقافة البصرية التي تجعل الكلمات المنطوقة امتدادا للصور المُنتظَرة. وغياب هذا كله يُشكّل خسارة صامتة لكل فيلم يُفتتح بمقدمة لا تليق به.ثمة واقعة في هذه الدورة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لما تنطوي عليه من دلالة أخلاقية خطيرة تمس صميم الهيبة المؤسسية للمهرجان: أحد المنظمين خلط بين الأماكن المخصصة للجنة التحكيم وتلك المُعدَّة للنقاد والصحافيين والجمهور، فمنع أناسا معروفين وقلَّ أدبُه، واحتل فضاءً له وظيفته وقيمته الرمزية.في الفعل السينمائي المحترم، يحمل كل مقعد دلالته ورمزيته ووظيفته: مقعد لجنة التحكيم هو موقع السلطة الجمالية التي ستُقرر مصير الأفلام وتُحدد من يستحق التقدير، ومقعد الناقد والصحافي الثقافي هو موقع الشهادة المستقلة التي تُؤرشف الحدث وتُغذي النقاش العام. الخلط بينهما هو تجاوز يُقوّض منطق المؤسسة السينمائية من داخلها.إن مهرجانا يحمل تاريخا عريقا كمهرجان خريبكة يستحق منظمين على قدر ثقل هذا الإرث، وهناك منظمون فعلاً لهم تاريخ مثل عزالدين غريران وعزيز الثلاث والحاجة مليكة. بينما الاستسهال الجديد في التفاصيل البروتوكولية على حساب الحساسيات الشخصية هو تفريط في الرسالة الحضارية للمؤسسة السينمائية برمتها، وهو ما لا ينبغي للناقد والصحافي الثقافي أن يتركه يمر بصمت.وثمة سؤال يلوح في أفق كل حديث جاد عن السينما الأفريقية: هل نخضع للفيلم الأفريقي معايير النقد ذاتها التي نُطبّقها على الأفلام الأخرى، أم نُخففها ونُحسن النية تحت ذريعة ضعف الإمكانات والتمويل والبنية التحتية؟الإجابة الصريحة هي أن المجاملة للسينما الأفريقية بحجة أنها سينما بؤس وفقر وهشاشة هي في الحقيقة احتقار مُقنَّع يرتدي ثوب التضامن. إنه يقول ضمنًا للمبدع الأفريقي “لا نتوقع منكم ما نتوقعه من غيركم”، وهو موقف أبوي مُهين لصنّاع الأفلام الأفارقة الذين يطالبون بالمحاورة النقدية الجادة والندية. فالعطف النقدي المبني على الإشفاق ليس نقدا، هو صدقة ثقافية تُدمي أكثر مما تبني.أما الداء الحقيقي الذي تعانيه السينما الأفريقية الناطقة بالعربية، فهو أن مساحة الحديث عنها انحصرت في منطق الدعم والتمويل حتى صار هذا المنطق يطغى على كل نقاش فعلي حول الصورة والأسلوب والرؤية: مَن مَوَّل؟ مَن دعم؟ أي صندوق أبدى الاهتمام؟ أي مؤسسة فتحت ميزانيتها؟ وأصبح المنتجون محترفي نحت الملفات ومهارات الحصول على الدعم لا صُنّاع الرؤى البصرية والمشاريع الجمالية الجريئة. وفي خضم هذا كله، نُسي الشيء الأساس والجوهري: الصورة تحكي، الصورة تُقنع، الصورة تُمرّر ما لا تُمرّره الميزانيات ولا تصطادُه الملفات الممنهجة.والفيلم الذي يبحث عن ذاته في الدعم المالي قبل أن يجد ذاته في فكرة حقيقية تستحق التجسيد، هو فيلم ضائع قبل أن يبدأ تصويره. وعليه، فإن النقد الجاد للسينما الأفريقية ليس عداوةً لها ولا تشفيا من أهلها، لأنه أعمق أشكال الرهان على مستقبلها وأكثرها صدقا وأمانةً للصورة الأفريقية التي تستحق ناقدا يواجهها بالجدية نفسها التي خرجت بها من المخيلة إلى الشاشة.وتبقى خريبكة فضاءً سينمائيا ذا قيمة رمزية لا يُنكر، ومهرجانا يحمل في ذاكرته تاريخا حافلا من النقاشات الكبرى حول الصورة الأفريقية وحريتها واستقلاليتها الجمالية. لكن الدورة السادسة والعشرين كشفت أن الاحتفاء وحده لا يكفي، وأن الإرث العريق وحده لا يحمي من الأخطاء التنظيمية حين تتراكم وتتحول إلى ثغرات منهجية.وعلى القائمين على المهرجان أن يُعيدوا تأهيل البنية التنظيمية من جذورها: فرض الترجمة العربية شرطا إلزاميّا لا تفاوض فيه لأي فيلم يُعرض على الجمهور المغربي، انتقاء وجوه التنشيط بعناية مهنية حقيقية تعبر عن ثقلهم الثقافي ومعرفتهم السينمائية، صون هيبة مقاعد الضيوف وترتيبها وتوزيعها بوصفها رموزا تؤسس للمعنى وليس تفصيلا ثانويا قابلاً للتجاوز، وترسيخ ثقافة النقد الصريح والمسؤول على حساب ثقافة التصفيق المجامل.

 

عبدالرحيم الشافعي

المشـاهدات 29   تاريخ الإضافـة 04/06/2026   رقم المحتوى 71143
أضف تقييـم