أجندات السينما..نقد الرأسمالية في ثلاثة أفلام أوروبية
![]() |
| أجندات السينما..نقد الرأسمالية في ثلاثة أفلام أوروبية |
|
سينما |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
محمد جميل خضر
كشْف عورات الرأسمالية، والتعلّق بالريف بوصفه باب خلاص ودرب انعتاق، يشكّلان العنوانيْن الرئيسييْن اللذين تحرّكت ثلاثة أفلام أوروبية (اثنان إنكليزيان وثالث سويدي) من إنتاج 2026، داخل تجلياتهما، وأبحرت في معطياتهما.
"شجرة العجائب البعيدة": أرض التصالح
بروح طفولية مرحة، ولغة سينمائية خالية من التعقيد، يقترح الفيلم الإنكليزي الفرنسي "شجرة العجائب البعيدة" The Magic Faraway Tree من كتابة سيمون فارنابي وإخراج بِن غريغور، إتاحة مساحة من التناغم الوديع بين تطلعات العصر وطيبة الريف، بين السحر والإنتاج، الخيال والواقع، والأمنيات والممكنات. فيلم يشبه وجبة نباتية خالية من الجشع يمكن أن يتناولها أفراد الأسرة أجمعون. لا جنسية محددة لحكايته، فالعودة إلى الأرض، والتخفيف من أحمال التكنولوجيا، والابتعاد قليلًا عن ذبذبات الأجهزة الذكية، مما بات يشكّل هاجسًا إنسانيًا جامعًا ضد جلافة رأس المال، وأطماع الشركات العملاقة، ومادية البحث عن الكسب السريع. تيم تومسون (الممثل أندرو غارفيلد) وزوجته بولي (الممثلة كلير فوي) يقرران، مع تراكم الديون وازدياد أعباء الحياة، الانتقال من المدينة إلى الريف، ليحصلا على بيت قروي بسعر زهيد قياسًا بأسعار الشقق في لندن والمدن الكبيرة، وليزرعا في الأرض المحيطة بالبيت الريفيّ البطاطا والطماطم، وليصنعا من معجون الطماطم صلصة للمعكرونة التي يتقن تيم ذو الأصول الإيطالية إعدادها. مغامرة احتاج أولادهما الثلاثة (ابنتان وولد) وقتًا كي يتقبّلوها ويتفاعلوا مع مخرجاتها ويلتقطوا البهجة الكامنة فيها. تجاورهم في الريف الذي اختاره تيم شجرةٌ سحرية يقطنها جنيّون طيبون وجنيّات وديعات. ابنتهما فران، عاشقة الكتب قليلة الكلام، تنجذب لتلك الشجرة، ومن هنا تبدأ حدوتة الفيلم المزدان بلوحات ساحرة من جمال الطبيعة وألوانها الفاتنة. يأخذ الجن المقيم في شجرة العجائب على بني البشر أنهم عندما يكبرون يديرون لهم الظهر، المفارقة التي جعلت لسردية الفيلم معنى؛ إذ يتبيّن أن الحنين إلى أصدقائه من سكان الشجرة هو الذي قاد تيم إلى تلك البقعة تحديدًا من الريف الإنكليزي الذي يمتد على مد البصر.فيلم عن الأشياء في صيغتها الخالية من تلوّث المجتمعات وضراوة اللهاث... عن الألفة... والتصالح بين الناس وبيئاتهم ومفردات وجودهم... عن الخير الذي تعدنا به الأرض... والأسرار التي تحضنها في أعماقها... فيلم عن كيف يمكن أن تكون السينما بسيطة وساحرة في الوقت نفسه، بلا موسيقى صاخبة، ولا مؤثرات مفتعلة، أو توتّر مرعب، أو جَفَلات توقُّعٍ مضطرب.
"اسمي أغنيتا": البحث عن الذات
لا يبتعد الفيلم السويدي "اسمي أغنيتا" Je m'appelle Agneta عن الجو العام الذي تسيّد روح فيلم "شجرة العجائب البعيدة"، إذ تشكّل العودة إلى الريف الثيمة الرئيسية التي تحرّكت مشاهد الفيلم وحكايته في إطارها ودارت في فلكها. ففي فيلمها السينمائي الأول بعد مسلسليْن تلفزيونييْن، تكشف المخرجة السويدية يوهانا رونيفاد عن روح كوميدية مجبولة بحس إنساني ساطع، وتصنع توليفة ذكية بين حاجة أغنيتا (الممثلة إيفا ميلاندر بأداء خفيف الظل) للخروج من قوقعة أيامها المكرورة المملة، والنبش عن أعماق ذاتها وحاجاتها، وبين قدرة الريف الخالي من النفاق على تحقيق ذلك لها.صحيح أن إصرار الغرب عمومًا على إقحام موضوعة المثلية في كل منتج فنيٍّ؛ أدائيٍّ كان، أو بصريٍّ، وصل إلى مديات الإسفاف الفاقد لأي دهشة أو محتوى أو قيمة مضافة، إلا أن نسخة "اسمي أغنيتا" من هذا الإقحام حملت في سياقات تناولها بعض جموحات المسكوت عنه هناك، حول رغبة أبناء الضياع الأطلسي وما حوله في إجراء مراجعة تاريخية كبرى حول جنوحهم نحو تعطيل فرص الطبيعة بأن تعبّر عن نفسها، وتُفرد - حتى لا أقول تفرض- سرديّتها، وبأن تُعطى فرصها الوافية الكافية الشافية بالتمدد والخصب والنماء الطبيعي؛ وهو ما لا يحققه أي انحراف عن نقاء الفطرة، وصحّة التواصل، وجماليات الجدليات/ الثنائيات القائمة أساسًا على: ذكر/ أنثى، أسود/ أبيض، رجل/ امرأة، سالب/ موجب، ظاهر/ باطن، عطاء/ أخذ... إلخ. وهو ما لا تتيحه جميعه، وغيره، مختلف أشكال الخروج عن غائية الوجود، وأخلاقيات الإقامة في الكوكب، ومبررات الكد والكدح والمد والعد والسعي في مناكبها، وموجبات الطمأنينة والتصالح والشعور بشرف ما أنجزناه من أجل إعمار الأرض وتعزيز أركان الحضارة. على كل حال، وبعيدًا عن هذا الاستطراد، فإن الشريط يحتوي على قدر لافت من خفّة الظل، والكوميديا المتآلفة مع لحظتها، والمشهديات اللافتة، والأداء التلقائي المقنع؛ والمحاط أعلاه جميعه بفلسفة وجودية حول الانتماء للمكان، وحول أيامنا المكتظّة بالخطايا والخبايا والضياع... بعض مشاهد الفيلم تقترب من روح الشعر وتغوص فيه: "أمشي في الشارع حيث النافورة والزهور... ما أجمل المنظر... أشعة الشمس تبعث على الدفء... وها أنا أشعر بها في قلبي... أشعر أن الوقت قد حان... يا لها من بهجة... كل شيء مثاليّ... يا للروعة ما أجمل الحياة... أجل، أيتها الحياة، ما أجملك... لا تعتذري... لا تأسفي على شيء... يا للروعة، ما أجمل الحياة...".
"عدو من الداخل": طمع بلا حدود
من دون رتوش أو مجمّلات، يفضح الفيلم الإنكليزي "عدو من الداخل" An Enemy Within، من تأليف مايكل كينيدي وإخراجه، مختلف أركان الرأسمالية حين تتحوّل إلى طمع بلا حدود، واستئثار يتحرك وفق قاعدة "الكل أو العدم". لا أحد من أفراد العائلتيْن الأرستقراطيّتين اللتين كشف الفيلم أسرارهما يريد أن يشركه أحد غيره في الثروة الطائلة التي يسعيان لجنيها ومراكمتها فوق ثرواتهما، وعليه لا بد من أن يموت الجميع ويبقى واحد فقط ليستحوذ على كل شيء، غير مدرك أنه في اللحظة التي يحصل فيها ذلك يكون قد فقد كل شيء: نزاهته، وأخلاقه، وخلو سجله من الجرائم، وأخيرًا - وهو الأهم- الفسحة التي بإمكانه أن يتنعّم بكل تلك الثروة في أفيائها؛ فهو سيصبح إما محبوسًا داخل جدران سجن، أو حبيسًا داخل تفاصيل فداحة ما أقدم عليه. لا مشاعر ولا عواطف ولا وقت للحب، أو المعنى، أو الأواصر الأسرية؛ لا وقت لشيء سوى لإدارة الصراع من أجل الثروة حتى آخر رصاصة. فيلم مقيت، وفق هذه المعطيات، بلا هوادة، ولا رحمة، ولا أدنى رغبة في تجميل بعض معطيات هذه اللوثة الرأسمالية التوسعية الاستعمارية الفاقدة لأي بوصلة، المفرطة في الجموح والهيجان واللهاث خلف سراب سعادة يُفترض أن المال، والمال وحده، قد يحققها.الريف، حيث قبيلة من قبائل السكان الأصليين، كان يمكن أن يشكّل حبل نجاة من كل هذا الجري المسعور المتوحش، لكن أحد أفراد واحدة من الأسرتين قرر القضاء على كل أفراد هذه القبيلة لأن أراضيها - لسوء حظها- تقع في قلب مشروعهم التوسعي الاستعماري العابر للحدود، فلا يعود لروح الطبيعة مكان، ولا لأصحابها ورعاة خصبها. فيلم دموي حتى آخر مشهد فيه، خالٍ من أي رأفة، حواراته لئيمة مشبعة بالتهكم والتحكم وشرور الرؤوس وأفكارها وخططها وعقلية المؤامرة في خباياها... تمثيل حقيقي لِما يدور فعلًا داخل قصور الطبقة المتنفذة من أصدقاء الطبقة الحاكمة. كل شيء يحدث ليلة زفاف أحد أفراد الأسرتين على إحدى سيدات الأسرة الأخرى، ولهذا يحمل الفيلم اسمًا آخر هو "حفل الزفاف" The Wedding. موجة من الأحداث والدماء والخيانة والاعترافات المروعة تمتص أرواح الأسرتين المتصارعتين، ومع طلوع شمس نهار جديد يتكشّف كل ما جرى في ليلة الموت والخطايا وجنون رأس المال. مذبحة افتراضية لعلّ الأصل أن تحدث في كل مرّة يصل فيها الطمع إلى مدياته الفاقدة لأي بوصلة أو قيمة أخلاقية يمكنها أن تُبقي للحياة معنى. ليس مهمًا ذكر أسماء الممثلين، فالمخرج/ المؤلف ذوّب أداءهم جميعهم لصالح فكرة عدم التعاطف مع أي أحد منهم. كما أن الفيلم لم يتصاحب مع أي موسيقى. ومعظم مشاهده داخلية ليلية، والريف المغدور لا يُذكر في الشريط كله إلا عرَضًا، من دون أن نراه. |
| المشـاهدات 17 تاريخ الإضافـة 04/06/2026 رقم المحتوى 71142 |
أخبار مشـابهة![]() |
أساطير الرقصة الأخيرة.. مودريتش يبحث عن نهاية سينمائية في المونديال
|
![]() |
منتخب الشباب يستعد في تركيا تحضيراً لمباراة بنما
|
![]() |
وزير التربية يكرم 13 طالباً وطالبة يمثلون العراق في تحدي القراءة العربي
3067 تلميذاً وطالباً يخوضون اختبارات التسريع للانتقال إلى مراحل دراسية متقدمة |
![]() |
مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة يسقط في فخ الاستسهال وقلة التنظيم
|
![]() |
الفنان حسن حسني في عمل عراقي ـ مصري مشترك .. قريباً
|
توقيـت بغداد









