السبت 2026/6/6 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.07 مئويـة
نيوز بار
قصيدة "عنها" للشاعر "منذر عبد الحر" من وجهة نظر "النقد ما بعد الاستعماريّ المتجدِّد
قصيدة "عنها" للشاعر "منذر عبد الحر" من وجهة نظر "النقد ما بعد الاستعماريّ المتجدِّد
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ناصر أبو عون

 

أولا- قصيدة (عنها):

[الماثلة في القلب/ عن ربيعها/ وأغنيتي/ والسحابة الوردية/ التي/ مطرها عطر/ ورعدها موسيقى/ هي/ الثمرة/ على شجرة أحلامي/ البلابل عندها/ قصائد/ وأحلام/ ومواجع سريّة/ (عنها) عن نغمة عالقة في عيون القمر/ ووردة/ تطل من نافذة بعيدة/ من الأمس الشاحب/ من ندى القرية/ وصباحها الملثم/ من شمس محمولة على الظهور/ ونهر جارٍ في رؤوسنا/ من أيدٍ مُحَنَّاةٍ/ وعيون جارية/ وأمهاتٍ تحنطت أكفهنّ على خد السماء/ أدعية/ ووصايا/ وهدهدات للعائدين من السراب/ (عنها) اللائذة بجمّار ذاكرتي/ بخمر أيّامي الذابلة/ وسنواتي المخنوقة بالدرس/ يوم أذكت موقدي/ حرّكت الجمر بأصابع لهفتها/ ففزّت النجوم/ وتناثرت حولي/ صبايا يلعبن بكركرات الضحى/ وينشدن للعصافير/ والعشب الطافح على ربيع ألمي/ (عنها) زهرة الروح/ نكهة الطلع في شتاء شهقتي/ هي/ الكلماتُ/ نسماتٌ تمشّط نسيج  السنوات/ وتهدل/ غنجها مرفأ شجني/ صدى جنوني/ أضحياتُ الأمل المنسيّ في حقيبةٍ هاربة/ (عنها) وهي تجيء خائفةً/ تطلّ من خفقة عطر/ ورفيف محنة/ وضوء يضفر أنشودة الليل/ كم هتفتُ بعينين نابضتين/ وقلب دامع/ وحسرةٍ مطفأة/ لصبحها العسل/ والخمر/ والشاطيء المزروع ترقبا/ للنداء الآتي من موجة/ ضمّت أنين غرقى/ ووصايا عشّاق/ وشموع عاشقاتٍ/ عرف النهرُ/ دموع مناديلهنّ/ وعرف الصيّادون أسرار جراحهن/ الضماد مبلل بالفجيعة/ (عنها) عن المطر اللذيذ في خديها/ والبوح السائل من عينيها/(عنها) عن غصن تدلّت منه همسات/ ووعود/ ومرايا/ وفتن/ هي المتفتّحة بهجة/ وحزنا/ معا ... في ناي واحد/ (عنها) حرائقي/ ولهفتي/ وجنوني].

 

ثانيًا – القراءة النقدية

في هذه القصيدة التي نطل عليها من منظور (النقد ما بعد الاستعماريّ المتجدّد)، لا يُرصص الشاعر العراقيّ منذر عبدالحر الصور الغزلية على طاولة القلوب النابضة، ولا يبني عمائر من استعارات غزلية تخطف الروح من الشهقة الأولى، ولا يَقُدُّ قميص اللغة من دبر القواميس الهاربة، ولا يُربِّت على كتف القصائد؛ ليستعيد ذاكرة الغزل العربيّ الشفيف، في زمن تعرّى من كل شيء، وكشَّر عن أنيابه لكل تنهيدة عشق صادقة.. وكل ما سبق لم يكن الغاية الكبرى للشاعر في قصيدته المعنونة بضمير الغياب (عنها) فحسبُ، بل هذه القصيدة محاولة جادة لإنتاج خطاب شعريٍّ يُضفِّر الوعي الجمعيّ والذاكرة الجماعية، ويفتلهما معًا في نسيج الذات الشاعرة المعتدة بفردانيتها، ويلضم الغزل العذريّ كقيمة عربيّة كبرى في مفردة الوطن التي صارت تشعّ بتعاريفَ جمّة بعد أن صارت الخيانة مجرد وجهة نظر، ويحاول الشاعر أن يصهر الأنثى بالهويّة الثقافية بعد أن صارت قيمة سائلة تحت وطأة التقانة والعولمة. وخلاصة القول: فإنّ منذر عبدالحر في هذه القصيدة حاول استعادة الإنسان الفارس العربيّ النبيل فينا، وإحياء النشميّ العراقيّ، الذي سقط منا سهوًا غداةَ صعودنا نحو اللاشيء في عالم مضطرب ومتحوّل، بل سعى شاعرنا جادًا إلى ترميم ذاكرة العروبة التي اخترقتها سهام التقنية المعلّبة؛ فسالت من ثقوبها منظومة القيم الجمالية المتوارثة، وحاول جاهدًا أن ينحت لوحة شعريّة تحتفي بالصور الحسيّة الكثيفة، من خلال الطرق على إزميل البلاغة الجديدة، بلغة رمزية مفتوحة

فإذا ما حاولنا تطبيق أدوات (النقد ما بعد الاستعماريّ المتجدد)  على قصيدة (عنها)، اكتشفنا كيف تجاوز منذر عبدالحر الصورة الذهنية للحبيبة التقليديّة، وتحوّل بها إلى (رمز أنثويّ استعاريّ) ليكون هذا الرمز هو المعادل الموضوعي للوطن الضائع، ووالمعادل للذاكرة التاريخية المهددة بالانقراض، والمعادل للهويّة الثقافية المخترقة بتحولات العولمة المتسارعة.

وفي هذا الزمن العربيٍّ المتشظي، ومن خلال الذاكرة الشرقيّة التي تعولمت بأدوات الإعلام الدوليّ والمهترئة تحت ضغط الاستقطابات الطائفية والجهويّة، وفي ظل هويّة سائلة أنبتت لنا شخصيات رخوة لم تعد قادرة على الصمود أمام تحولات العالم وتقلباته القيمية يمكن قراءة قصيدة (عنها) للشاعر منذر عبدالحر بوصفها خطابا شعريًّا مشتبكا مع أسئلة الذات الجمعيّة عبر العديد من المحاور:

أولا- الانتقال من الجماعيّ إلى الخاص: (افتتح الشاعر منذر عبدالحر قصيدته بضمير الغائب المفرد (هي)، "هي/ الثمرة/ على شجرة أحلامي"، ثم خطوة خطوة يأخذ القاريء إلى (ذات جمعية) مهترئة وذاكرة مبتلاة بالفقد تتآكل قدرتها على الصمود، ومعها ينفتح جرحٌ جمعيٌّ يمتد، ولكن تنبّه الشاعر إلى أنَّ صار (الحب) خير أداة للتعبير عن التاريخ المكبوت بعد أن وصلنا إلى هذه النتيجة :"عرف النهر دموع مناديلهنّ" "وعرف الصيادون أسرار جراحهن"، والنهر شاهد تاريخيّ، و"الضماد المبلل بالفجيعة".

ثانيًا- في هذه القصيدة برع الشاعر منذر عبدالحر في (المزج بين الرموز الجمعيّة والمرجعيات العاطفية)، كما في قوله:"من ندى القرية/ وصباحها الملثم/ من شمسٍ محمولة على الظهور"؛ لنكتشف لاحقًا أن (هي) ليست ذاتًا فردية مغلقة، بل كيان متحوّل تتكدس فيه طبقات متعددة الدلالة، وتمثِّل (القرية) تارةً، و(المرأة) تارةً أخرى، و(الأم) حينًا، و(الوطن) أحايين كثيرة، و(ذاكرة الشعب العراقيّ) على حين قصيدة. وبناءً على ما تقدّم نجد الشاعر يحاول استعادة القرية كفضاء ثقافيّ يتوشّى برداء القهر، ويجرُّ التعب في قدميه، ويشي لنا بآثار القهر والألم، والهجرة الداخلية، بينما يُطل خطاب المقموعين والمهمشين من قول الشاعر (الشمس المحمولة على الظهور)؛ وهي صورة استعارية يستعيد من خلالها ذاكرة الإنسان الريفيّ الكادح والمهمّش.

ثالثا – فضاء ثقافي روحي واحد: "هي الكلمات نسمات تمشّط نسيج السنوات" من خلال هذا الجملة الشعرية المصاغة باحترفية شاعر متمرس في شكل صورة استعارية حاول الشاعر منذر عبدالحر تفكيك الثنائية الضدية (الحب والوطن) المتوارثة في الثقافة العربية، بل نجح من خلالها في صهر الذاكرة الجمعية والأرض والأنثى في دلالة رمزية واحدة. وبناءً على ما تقدّم يمكننا قراءة القصيدة بوصفها بيانا نقديًّا (مانفستو) يضع الذاكرة  الثقافيّة واللغويّة في مواجهة الاقتلاع المعدّ سلفا والتآكل الممنهج لاقتلاعها من نسيج الوطن.

رابعًا – عودة الهامش إلى مركز البنية الشعرية:"أمهات تحنّطت أكفهنّ على خد السماء

أدعية/ ووصايا"؛ فالأم هنا ليست نوستالوجيا مرضيّة، بل (ذاكرة التاريخ العربي/ العراقي)، وحاملة لواء الهّمِّ الجمعيّ، و"وهدهدات للعائدين من السراب"، بل أضحت قضية مركزيّة في الشعر ما بعد الاستعماريّ، وهي في بنيتها تشكّل صورة شعرية صادمة وكناية عن الخيبات الممزوجة بالحسرة من فشل تحقق الوعود الكبرى، التي ألمّت بالإنسان العربي المعاصر بعد عودته خالي الوفاض من نزوحه الداخلّ وهجرته الخارجية بـ(خُفَي حُنين). ومن ثَمَّ تحولت القصيدة في شكلها الجديد إلى فعل مقاوم، وانحياز للمقموعين، وصوت الجماعات المنسيّة،(الغرق، الصيادون، العائدون من السراب، الأمهات) وساهمت في انتقال هذه الجماعات من هامش القصيدة إلى مركز البنية الشعريّة.  

 خامسًا – إعادة بناء الذاكرة: كلنا لاحظنا تكرار مفردة (عنها)، وهي بالطبع لم ترد داخل القصيدة كزخرفة إيقاعيّة أو أيقونة مضيئة، بل تحولت إلى طقس استذكاريّ، وتقنية فنيّة من أجل إعادة بناء الذاكرة من الشظايا المتناثرة في سماء النصّ، مثل:(دموع المناديل، القرية، العصافير، النداءات، الأمهات، النهر، القرية) المهددة بالانقراض والمحو أمام موجات العولمة والاستهلاك وتقنية الميديا المتسارعة والزاحفة بلا ضابط ولا رقيب؛ بل يمكننا القول: إن القصيدة أنتجها الشاعر كمحاولة جادة للمقاومة ورغبة عارمة لإنقاذ الذاكرة الشعبية من التآكل.

سادسًا – التداخل بين الحواس: هي محاولة من الشاعر لتحرير اللغة من جموديتها وصنميتها، وخلخلة البلاغة من تقليديتها، والذهاب نحو لغة هجينة جمعت بين الفصاحة والعامية المفصّحة، كما في قوله:(جمّار ذاكرتي، "الطلع") مشمولة بلغة حداثوية تحتفي بالصور الحرة مع التوسّل بالانزياح البياني، تعاونه كثافة عالية من الصور الشعرية، التي تتداخل فيها الحواس: (مطرها عطر، رعدها موسيقى، المطر اللذيذ في خديها، ضوء يضفّر أنشودة الليل).

المشـاهدات 17   تاريخ الإضافـة 06/06/2026   رقم المحتوى 71180
أضف تقييـم