خرائط القوى الكبرى
الحلقة الثانية: لاعب الشطرنج والمصارع المنهك![]() |
| خرائط القوى الكبرى الحلقة الثانية: لاعب الشطرنج والمصارع المنهك |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص :
في الحلقة الماضية، تفحصنا وهم "الخطوط المستقيمة" التي رسمها لنا الآخرون. اليوم، نفتح الخريطة الحية؛ تلك التي تُعاد صياغتها الآن عند أخطر نقاط التقاطع في التاريخ الحديث: حيث تصطدم بقايا الهيمنة الأمريكية بالطموحات الاقتصادية الهادئة للتنين الصيني.
خلال سنوات عيشي في الغرب، راقبتُ عن كثب كيف تُدار الدول وفق مفهوم "العقلانية الأداتية" (Instrumental Rationality)، حيث لا مكان للعواطف في حسابات المصالح. تعلمتُ أن الأمم لا تتحرك بدوافع أخلاقية، وأن الشعارات البراقة حول حقوق الإنسان والديمقراطية ليست سوى غلاف ديبلوماسي أنيق؛ أما المحرك الفعلي فهو "القوة الحافية" والمصلحة القومية البحتة.
في هذا المشهد الدولي المعقد، تبدو الصين اليوم كلاعب شطرنج أسطوري يجلس في ظلال المشهد. يطبق الصينيون ما تسميه مراكز الأبحاث في واشنطن بـ"استراتيجية التسلل الهادئ". يجلسون بصبر، يراقبون خصمهم الأمريكي وهو يستنزف ترسانته العسكرية واقتصاده في حروب استنزاف لا تنتهي في الشرق الأوسط وأوكرانيا، ثم يتحركون في اللحظة المناسبة لحصد الثمار عبر اتفاقيات تجارية، وموانئ، واستثمارات ضخمة، دون أن تتسخ أيديهم بقطرة دم واحدة.
أما أمريكا، فتبدو في المقابل كمصارع وزن ثقيل بدأ يفقد لياقته ورشاقته؛ لا يزال يمتلك عضلات ضخمة ويطلق صيحات التهديد، لكنه يدرك في أعماقه ( وتؤكد ذلك دراسات معهد بروكينغز ) أن زمن "القطبية الأحادية المطلقة" قد ولى إلى غير رجعة.
وعند تتبع ما تنشره النخب الفكرية ومراكز الأبحاث المقربة من صانع القرار في بكين، تلمس بوضوح أدبيات سياسية مغرقة في مفهوم "الصبر الاستراتيجي"؛ حيث يتحدث المنظرون الصينيون بيقين يحمل ثقة آلاف السنين قائلين: "نحن لا نستعجل التاريخ، لأننا نعلم أن مجرى النهر يعمل لصالحنا". وهنا تقفز إلى الذهن فوراً نصيحة الفيلسوف العسكري الصيني القديم سون تزو في كتابه (فن الحرب): "أعظم درجات الانتصار هي أن تكسر مقاومة العدو دون قتال".
لكن السؤال الصادم الذي يفرض نفسه هنا: هل يدرك القادة في عالمنا العربي والإسلامي أبعاد هذه اللعبة؟ هل يستوعبون أن منطقتنا (وثرواتها وممراتها المائية في الخليج والعراق ) تُعامل في مراكز التخطيط الدولي كـ"رقعة شطرنج" يتنازع عليها الكبار، بدلاً من أن نكون نحن اللاعبين الذين يحركون البيادق؟
إن ما نراه اليوم من اشتعال للجبهات في غزة، والتوترات المستمرة حول إيران، والحرب الطاحنة في أوكرانيا، ليست أحداثاً منفصلة أو صدفاً تاريخية. إنها, بحسب الرصد التحليلي الدولي، "مشاهد متسلسلة" في مسرحية جيوسياسية كبرى عنوانها: انكماش الغرب وصعود الشرق.
المأساة الحقيقية لا تكمن في أننا ندفع كالعادة فاتورة هذه التحولات الكبرى من دماء شعوبنا واستقرار دولنا، بل في أن العقل السياسي الجماعي لدينا لم يكتشف بعد كيف يستغل هذا التنافس الدولي لصالح استقلاله الاستراتيجي.
في الحلقة القادمة، سنغادر طاولة القوى العظمى مؤقتاً، لنغوص في تفكيك لغم إقليمي شديد الانفجار: كيف تحولت إسرائيل، بفعل غرور القوة الطائش، من "ذراع استراتيجي" للغرب في المنطقة، إلى عبء وجودي يهدد مصالح الجميع.. بما فيهم أمريكا نفسها؟ |
| المشـاهدات 77 تاريخ الإضافـة 24/07/2026 رقم المحتوى 72577 |
توقيـت بغداد









