السبت 2026/6/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.87 مئويـة
نيوز بار
تمظهرات الطقوسية والشعائرية والاحتفائية في ديواني (هكذا تكلم كياسا) و (الُسرة والعشب والخلود)
تمظهرات الطقوسية والشعائرية والاحتفائية في ديواني (هكذا تكلم كياسا) و (الُسرة والعشب والخلود)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

الجزء الاول

                * شاكر مجيد سيفو

 

الشاعر نزار حنا الديراني من أنشط شعراء جيله ، فهو يكتب الشعر والنقد والمقالة وله ما يزيد على 40 مؤلف موزع بين دراسات في الأدب السرياني ومنها كتابه (الكيل الذهبي ، رسالة مار ابن سرافيون ، أوزان الشعر والحلقات المفقودة ( وهي دراسة مقارنة ) ، تاريخ الأدب السرياني و..) وفي النقد كتابه (قصيدتنا المعاصرة ومعالم الحداثة و...) وفي الشعر السرياني لديه ( مقعد شاغر ، صراع الوجود ، المعركة العظمى، كل الأرض عند الحكماء سوي، هكذا تكلم كياسا و.. ومجموعته الشعرية الجديدة (السرة والعشب والخلود و... ) وفي العربي اوراق متناثرة 1،2،3 ...) فضلا عن مجموعة كتبه في الترجمة  والنقوش ... وحضوره الدائم والفاعل في العديد من الأنشطة الثقافية داخل وخارج العراق ....

تمثل العنونة ثلاثية تنتمي الى فضاء ميثيولوجي وعقائدي وأسطوري في هذا الثالوث يدفع الشاعر وظائف كل عنصر فيه الى تشعيره وأقترانه الواحد بالآخر وشد مفاصل علاقاتهما البعض مع البعض الآخر ويرسل الشاعر رسائله الشعرية بلغة شفافة وجدانية ثرة في معانيها وفضائها السير ذاتي ، وعندما نعود الى المتن الشعري للشاعر نزار الديراني نكتشف تشييده للقصيدة الحديثة في طرازاها السردي المكثف ، إذ تحتشد بعناصر إشارية وإشارات علاماتية شخصية فتحت لها مسارات في صوغ الأحلام الذاتية قريبة من أنطولوجيا الشخصي وما يشبه نص الأتوبيوغرافيا ، أمشاجا دالة من التأريخ الشخصي حتى إستثماره الأشياء الصغيرة القريبة من عالم الحياتي الذاتي وصعوده الى التاريخي الحضاري والروحي الميثيولوجي المتجسد في موضوعات الأعياد والأحتفالات والتذكارات السعيدة.

يعتمد الشاعر نزار الديراني على تقنيات المونتاج في هيكلية قصائده عبر متواليات شعرية تتمظهر فيها الإشارات بشكل ظاهري وبخاصة الدال المكاني الذي يتقاسم معه الشاعر الألم والحلم معا ويشيِد الشاعر هذه العلاقة بينه وبين الآخر، إذ تتلمس الذات الشاعرة صور الوجود بدءا من الكينونة وإرتباطاتها الصافية مع الأم والأب والآخر الصديق والطبيعة والأحلام والمكان عبر توترات الواقع وغيرية الذات الشاعرة على مكونات قصائده ، تمتد في أروقة قصائده أسماء الأعلام والأمكنة والأيقونات بترسيمات وخطاطات شعرية فيها يحكمها العالم بالعود الأبدي في تذكرة أو ومضة أو شذرة ما تفتأ الذات تجاوزها نفسها ، والآخر الذي لا يأتي من خارج بل يقيم فيها ويفجرها من الداخل ، الذات والأخر يتساندان ويسكنان الى بعضهما البعض بدون أن يتطابقا أو يتشابها، وهنا تكتشف الذات نفسها الى التطابق معها عن كونهما محض وهم وشكوك وأحلام وألالام فيهما، إذ لا يوجد للشيء إلا في عودته خارج خطية الزمان وتقدمه كما يشير إلى ذلك جيل دولوز ، أمام زخم التعبيرية الذاتية، تنفرد تجربة الشاعر نزار الديراني لتكون الذات وصورة الأب وشخصه مركز جذب التجربة حيث يتحرك الشاعر عموديا في بنيات قصيدته ويعيد الشاعر بناء علاقات الأشياء والموجودات برؤاه الأيحائية المتولدة ، محتشدا بذوات أخر، نازعا الحكاية الشعرية من حكائيتها الى تشعيرها وصبّها برؤى كيميائية الحلم والألم وينتثل الشاعر من وحدلة الدلالة إلى تعدديتها ، وتتكرر هذه الأنتقادات من قصيدة إلى أخرى حيث تفيض بالتوجات الشعرية بقربها من الصوفية والروح العميق للرمز الداخلي بثقله الرمزي إذ يشتغل الشاعر على تفعيل حواسه كلها ، كاشفا عن حضور الذات ببلاغة ملفوظاته اللسانية ، يبتدئ الشاعر مجموعته هذه (بالتصدير النصي) (هكذا تكلم كياسا ) من منشورات المركز الثقافي الاشوري – دهوك –العراق- 2016.

يسترسل الشاعر في قصيدة ( الرمح المبتور) بلغة حكائية مستهلا أياها بصيغة الأمر (قم كيّاسا) وكاشفا عن بنية أسلوبية التركيب اللغوي بالسؤال ( ألم ترى ..) (كيف صنعوا) تحتشد القصيدة بعدد من الأسماء التي تتظاهر في تركيب هيكلية القصيدة وتواريخها ومنها (إسخريوطا، أبناء عمر ،أبناء علي ، أولاد الحسين ، المعاوية ) حيث يدخل الشاعر الى المتن العقائدي في منحنيات تراكيبه اللغوية شارحا المعنى السالب بلغة قريبة من الأيحاء والتقريرية بطبيعتي الأمر والسؤال :

قم ...

إلى متى ستكون غارقا في النوم ، ودمك يجري ،

وهو يجرف التأريخ والحقوق و..

ويمسح آثارك ومهدك ...

وهمرات الغرب تسير فوق أضلعك 

وأنت غارق في الجدالات والشجب ..)

ويتابع تأصيل المعاني وأرشفتها بصيغة السؤال والآخر:

قم ... لترى

 من الأحق بيننا 

أستفق لترى

كيف يقترع قطاع الطرق على قميص الوطن ،

أستفق علك تكسر الرمح فوق رؤوس الملائكة الهرمة 

علهم يستفيقون ويتحسسون بأنتصارات الصليب 

يحيل الشاعر عنونات بعض قصائده الى المتن الطقوسي الشعائري الروحي مثلا قصيدته (أوخارستيا) لكنه ينحرف في إستهلالها النصي الى أدخالها في أرومة التاريخي الحضاري العراقي القديم:

  ( السنة تشير الى 6755 

قم أيها الأله مردوخ لترى في نيسان 

كم على شاكلة ششكلو أياديهم ممدودة 

وكم من قلوب صنعوا من الحيات والعقارب قنابل 

من أجل أن يمسح ششكلو وكاوة هيكلك المقدس 

بدماء المساكين ودموع الامهات .

ترشح عن لغة هذه القصيدة المشهدية الكارثية التي غطت بابل منذ سقوطها بيد الفرس الميديين ، ويفصِل الشاعر الحلقات التاريخية الدائرية في حقبها المتعددة ، مستذكرا أكيتو وسميل وصوريا وديرابون في صورها الكارثية ، ممتلئا بحلمه الكارثي في الضربة الختامية للقصيدة :

لولا التزاوج ...

كيف لأكيتو أن يحل بيننا 

وكيف للمسيح أن يبعث من جديد لنقرأ سفر أينوما أيلش ونص التجلي

من أجل أن تتشابك أضلع كلكامش وأنكيدو في جسد واحد ، وتصير جسدا 

ويمتزج دمي ودمك والدماء التي سفكت في كل من سميل وصوريا وديرابون في قلب واحد 

وتتحقق رؤيا الأب يوسف شليطا 

ويكتمل فعل التزاوج

وإلا ,, ستعجز يا كلكامش أن تكون خالدا..)

في قصيدته الاخرى ( قم يا والدي) يكشف الشاعر عن يومياته في الاستهلال النص السؤالي،:

( أبي ...

 لماذا رحلت مسرعا وتركتني وحدي أقرأ مستقبلي في مرآة مهشمة

أليست تلك المرآة من أوجدت لك طبيبا مشوشا ليلطخ يديه بدمائك ويسلمك الى حارس العالم السفلي ....)

تتسلط الثيمات الروحانية الشعائرية الطقوسية الأحتفالية على جسد القصيدة كله ، وتتراسل بين منحنياته حالات شعرية تحاكي الأستذكارات والأحلام الجمعية وأستحضار الأسماء الروحانية وبخاصة القريبة من المتحف الروحي للشاعر ومنها ( حنا وبطرس برهو وعيسى أيوب ويعقوب ونوئيل توما والأب يوسف شليطا والأب ابلحد وردة ، والأب سالم ساكا) بعناق هذه الرموز بالأعياد الدينية المعروفة (السعانين ، عيد الفصح، تتشارك قصيدته الاخرى (المقبرة) مع قصيدته ( قم يا والدي ) والقصيدة اللاحقة بعد المقبرة (سنة جديدة) في موجهها الأسلوبي في العبارة النصية (يا أبي ) ليرسل الشاعر حجم كارثة حلمه الشخصي تقدم ثيمة التضاد بين عنونة القصيدة (سنة جديدة) في إنفتاح ملفوظها اللساني على البدء الزمني الجديد وكما نعلم هنا قصدية المعنى في ذهن الشاعر فسنته الجديدة تشير الى عمارة البشارة في استهلالها النصي :

( انها سنة جديدة ...

من الذي سينشر حبه على الزرع يا أبي 

ألا تعرف يا أبي

من زمن أكيتو وحتى يومنا

نصلي صلاة أستسقاء الحياة ؟

أستفق يا أبي ... 

ها هي مائدة رأس السنة عامرة ..

تتكرر صيغة السؤال والنداء في قصائد الشاعر نزار الديراني منها قصيدته (الحياة) وقد كرس المعنى الكل للقصيدة في العنونة (الحياة) ومجاورة المفردات (الخبز والملح والخمر) وتلاقحها وتناصها مع مفردة الحياة وتكريس ندائه لأبيه ( يا أبي) :

(قم يا أبي ، وقل لكل الموتى أن يبعثوا 

ليشتركوا في تذكار ماركوركيس

ألم تسمعوا قد قام المسيح في اليوم الثالث 

قم ! وقل لأصدقائك ماريا كوكا ، أسحق يوسف ، عيسى أيوب، كريم موسى ، توما مراد)

وينعطف بالمعاني الروحية والطقسية والإحتفائية على التاريخية الحضارية

 ( ... أن يقوموا ويشتركوا بصلاة أكيتو ليسقط المطر 

وتفوح منه رائحة الخصوبة

أخلت كنائسنا العشرات من أمثال مردوخ 

لنصلي صلاة اينوما ايليش )

تشكل منظومة الأنساق اللسانية الطقوسية السقف الكلياني لمعظم قصائد الشاعر نزار الديراني حيث يؤسس لأستراتيجية نصية تتحرك بدينامية الجهاز اللغوي تجمع بين صيغ الأشراق والألم والحلم , ينحو الشاعر في تشاكلاتها الإشارية إلى الفوتوصورية وتناظرات الزمان والمكان وتواشجهما فالشاعر نزار الديراني يؤرخ لأسطورته الشعرية الشخصية الراسخة في عقله الشعري واتساع مديات الرؤية والرؤيا ، ويحرص بوساطتها تبئير المشهدية الصورية في إشتباك الذات الشاعرة مع المرموزات الأخرى في قصائده وتؤكد هذه الرؤية قدرة الشاعر على تحويل المكونات الصورية الى مشهدية شعرية ضاجة بالأفعال تفصح عن ديناميكية الإشتغال الشعري على تثوير الخطاب الشعري وإيقاع المعاني الظاهرة.. .

المشـاهدات 33   تاريخ الإضافـة 13/06/2026   رقم المحتوى 71289
أضف تقييـم