| النـص :
في الشرق الاوسط لا تسير الصواريخ وحدها نحو اهدافها فخلف كل ضربة عسكرية حسابات سياسية اعمق من الدخان والنار وخلف كل جبهة مشتعلة جبهات اخرى يجري تحريكها بصمت وما يبدو للوهلة الاولى سلسلة احداث منفصلة بين الخليج ولبنان قد يكون في حقيقته جزءا من مشهد واحد تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه الاستراتيجيات ، فمن واشنطن الى تل ابيب تتشكل معادلات جديدة لا تقوم فقط على استهداف الخصوم عسكريا ، وانما على دفعهم نحو ردود فعل محسوبة مسبقاً واعادة رسم ساحات الصراع بطريقة تجعل الاخرين يخوضون المعارك التي تخدم الاهداف الاميركية والاسرائيلية ، فمن هذا المنطلق يمكن فهم كثير من التطورات الاخيرة التي شهدتها المنطقة سواء في الخليج او على الساحة اللبنانية باعتبارها حلقات ضمن استراتيجية اوسع تسعى الى تغيير موازين القوى وفرض وقائع جديدة على الارض ، التصعيد المتسارع في الخليج يكشف عن مشهد اقليمي بالغ التعقيد حيث عادت اميركا الى استهداف مواقع ايرانية ومن الطبيعي في ظل هذه المعادلة ان ترد طهران عبر استهداف مواقع ومصالح امريكية في دول الخليج سواء في الكويت او البحرين او غيرهما وهنا تبرز اهمية التصريح الذي اطلقه ترمب حين اعتبر ان ايران ترد على الاستفزاز الامريكي فالمقصود من هذا الكلام يتجاوز البعد الاعلامي والسياسي المباشر لان ترمب يدرك تماما طبيعة الرد الايراني وحدود تحركاته وهو بذلك يحقق هدفين في وقت واحد الاول توجيه ضربات مباشرة داخل ايران والثاني دفع ايران الى الرد على الوجود الامريكي في الخليج ما يضع الدول العربية في قلب دائرة الخطر ويزيد الضغوط عليها ويدفعها نحو الانخراط في المواجهة الدائرة بصورة او باخرى ، فان هذه الاستراتيجية نفسها تطبقها اسرائيل على الساحة اللبنانية فقبل ايام استهدفت الية عسكرية تابعة للجيش اللبناني ما ادى الى استشهاد ضابطين وجندي لبناني ثم اصدرت عقب ذلك بيانا طالبت فيه الجيش اللبناني بالتنسيق مع تحركاته على الاراضي اللبنانية ، هذا الطلب لم يكن اجراء فنيا او امنيا عاديا وانما رسالة تحمل في طياتها محاولة واضحة لزرع فتنة واقتتال داخلية بين الجيش اللبناني وحزب الله لان اسرائيل في هذه المرحلة ليس فقط المواجهة المباشرة وانما استغلال الفترة التي لا تشهد حربا شاملة مع ايران من اجل دفع اللبنانيين نحو اقتتال داخلي يحقق لها مكاسب استراتيجية عجزت عن تحقيقها عبر المواجهة العسكرية المباشرة ، فان اسرائيل تدرك انها دفعت اثمانا باهظة خلال حربها مع حزب الله وان حالة الاستنزاف التي تعيشها لم تعد خافية على احد وقد عبر عن ذلك عدد من الشخصيات العسكرية الاسرائيلية التي تحدثت بصورة واضحة عن تراجع الموارد واتساع الجبهات وتصاعد الضغوط على الجيش الاسرائيلي فقد جاءت تصريحات الجنرال الاسرائيلي جيحة زوت الذي اكد ان الموارد تتناقص والجبهات تتزايد وان الجيش الاسرائيلي معرض للانهيار في اي لحظة وان الوضع بلغ درجة عالية من الخطورة ، كما جاءت تصريحات الجنرال الاسرائيلي دان حلوتس لتكشف حجم المازق القائم حين قال ان الحكومة الاسرائيلية ترسل جنودها الى لبنان كما لو كانوا ( سربا من البط في ميدان للرماية ) هذه التصريحات تعكس حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وتوضح السبب الذي يدفع تل ابيب الى البحث عن مسارات بديلة تضعف خصومها من الداخل بدلا من الاستمرار في مواجهات تستنزف قدراتها بصورة متواصلة ، من هنا يصبح الهدف الاسرائيلي اكثر وضوحا فتل ابيب تسعى الى خلق ظروف داخلية تسمح باشغال حزب الله واستنزافه بعيدا عن الجبهة مع اسرائيل وبما يضمن تقليص خطر المسيرات والقدرات العسكرية التي تشكل هاجسا دائما للمؤسسة الامنية الاسرائيلية ، وفي المقابل جاءت التحركات اللبنانية الاخيرة لتشير الى وجود ادراك لهذا المسار ومحاولة لمنع اسرائيل من تحقيق اهدافها فزيارة قائد الجيش اللبناني الى باكستان قبل ايام الى جانب التصريحات التي ادلى بها الرئيس اللبناني لشبكة سي ان ان تحمل دلالات سياسية تتجاوز ظاهرها المباشر ، وقد عبر الرئيس اللبناني بوضوح عن هذه الرؤية حين اكد ان اسرائيل لا تستطيع تحقيق هدفها المتمثل في هزيمة حزب الله بصورة نهائية لان حزب الله في جوهره ليس مجرد تشكيل عسكري يمكن القضاء عليه عبر القوة المسلحة وانما فكرة متجذرة داخل المجتمع وافراده هم جزء من الناس وساحة المعركة الحقيقية هي الناس نفسها ، واستحضر في هذا السياق تجربة غزة حين لم تتمكن اسرائيل من انهاء وجود حماس رغم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع لان الحركات المرتبطة بارضها ومجتمعها لا يمكن اقتلاعها بمجرد العمليات العسكرية مهما بلغت شدتها ، لهذا تدرك اسرائيل طبيعة هذه الحقيقة وتسعى الى خيار اخر يقوم على زرع الفتنة الداخلية داخل لبنان باعتباره الطريق الاكثر فاعلية لتحقيق ما عجزت عنه الحرب المباشرة وفي الوقت ذاته تواصل استعداداتها العسكرية في جبهات اخرى حيث تعمل حاليا على تجهيز قواتها البحرية للمشاركة الى جانب القوات الامريكية في عملية فتح مضيق هرمز وقد اشارت التقديرات الى ان هذه العملية قد تجري خلال شهر يوليو بالتزامن مع اجتماع حلف الناتو والتصويت على مستوى المشاركة العسكرية المرتبطة بملف المضيق في خطوة قد تمثل مرحلة جديدة من التصعيد الاقليمي وتوسع نطاق المواجهة في المنطقة .
|