الإثنين 2026/6/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 29.43 مئويـة
نيوز بار
الصحافة العراقية في عيدها : مراجعة للمكتسبات واستشراف للمستقبل الرقمي سلطة رابعة ام ساحة مواجهة ؟ .. الصحافة العراقية بين مطرقة التحديات وسندان المهنية
الصحافة العراقية في عيدها : مراجعة للمكتسبات واستشراف للمستقبل الرقمي سلطة رابعة ام ساحة مواجهة ؟ .. الصحافة العراقية بين مطرقة التحديات وسندان المهنية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب عبد العظيم محمد
النـص :

 

 

 

يحمل تاريخ 15 حزيران من كل عام رمزية بالغة للأسرة الصحفية في العراق ؛ فهو اليوم الذي يُحتفى فيه بعيد الصحافة العراقية ، تخليداً لصدور أول جريدة عراقية ("الزوراء") عام 1869.فبين ألق البدايات وتحديات الحاضر ، مرت هذه المهنة برحلة شاقة صاغتها التحولات السياسية والاجتماعية .

 

1. فجر "الزوراء": الجذور التاريخية وصناعة الوعي الأول: بدأت الحكاية في عهد الوالي العثماني المصلح مدحت باشا ، عندما تهادت في شوارع بغداد النسخة الأولى من جريدة "الزوراء" في 15 حزيران 1869. لم تكن مجرد أوراق تطبع بمداد أسود ، بل كانت نافذة العراق الأولى على عصر التنوير وصناعة الرأي العام .. ومن ثم توالت بعد ذلك الصحف والمجلات لتشهد الفترات الملكية والجمهورية المبكرة ولادة أقلام رصينة هزت الشارع ؛ مثل الجواهري في جريدته "الرأي العام"، ونوري ثابت في مجلته الساخرة "حبزبوز". تميزت الصحافة في تلك العقود برصانة الطرح ، وعمق التحليل اللغوي والسياسي ، وغرس الوعي الوطني بالرغم من مقص الرقيب الذي كان يظهر ويختفي بحسب طبيعة الأنظمة المتعاقبة.

 

2. في حقول الألغام : المطبات الكبرى ومصادرة التعددية: لم تكن طريق الصحافة العراقية مفروشة بالورود ، بل كانت أشبه بالسير في حقول ألغام سياسية. ويمكن تلخيص أبرز المطبات التاريخية التي واجهتها في محطتين :عقود الحزب الواحد والتأميم (1968 - 2003) : صودرت التعددية الإعلامية بالكامل ، وتأقلمت الصحافة لتصبح صوتاً واحداً يخدم الأيديولوجية الحاكمة اذ غابت الرؤى المستقلة وتحولت المهنة إلى "إعلام موجّه" يخضع لرقابة صارمة وخوف دائم من التنكيل.

 

فوضى الانفتاح بعد 2003

 

انفتحت الأبواب على مصراعيها بعد سقوط النظام السابق ، فظهرت مئات الصحف والقنوات فجأة .. لكن هذا "الربيع" شابه مطب خطير ؛ إذ تحول جزء كبير من المشهد إلى إعلام حزبي ومكوناتي يغذي الاستقطاب الطائفي والسياسي بدلاً من بناء هوية وطنية جامعة .

 

3. معمدة بالدم : تضحيات جسام وقوافل من الشهداء: دفع الصحفي العراقي الثمن الأغلى عالمياً لقول الحقيقة .. فبعد عام 2003 ، تحول العراق لفترات طويلة إلى البيئة الأخطر في العالم للعمل الصحفي وفقاً لمنظمات دولية ( مثل مراسلون بلا حدود ).

 

واجه الصحفيون آلات الموت بمختلف أشكالها :الإرهاب الأعمى : حيث استهدفت التفجيرات والاغتيالات المنظمة المكاتب الصحفية ومراسلي الميدان أثناء تغطية المعارك ضد تنظيم داعش والقاعدة.اغتيال الكلمة الحرة : طالت رصاصات الغدر كوكبة من ألمع الصحفيين والكتاب والناشطين الذين انتقدوا الفساد أو السلاح المنفلت ، فصار لدينا "سجل خالد" يضم مئات الشهداء الذين غُيبوا جسداً وبقيت ذكراهم منارة للمهنة.

 

4. غياب "صاحبة الجلالة" : كيف ولماذا لم تعد المهنة كما كانت؟ يتفق جيل الرواد والجمهور على حد سواء بأن الصحافة العراقية اليوم فقدت الكثير من بريقها وهيبتها القديمة اذ لم تعد تلك "صاحبة الجلالة" التي تحرك الشارع بكلمة رصينة ، ويعود ذلك إلى أسباب بنيوية وتكنولوجية واضحة في مقدمتها التمويل السياسي والمحاصصة حيث أغلب المؤسسات الإعلامية المؤثرة اليوم ممولة من جهات سياسية أو حزبية ، مما جعل الصحفي مقيداً بسياسة "الممول" وغيب الاستقلالية والحياد .. اضافة الى الاستسهال ودخول "الدخلاء" : مع غياب معايير التوظيف الصارمة التي كانت سائدة قديماً اذ اقتحم المهنة من لا يملك أدواتها اللغوية أو المهنية أو الأخلاقية ، مما أدى إلى تراجع رصانة المحتوى المكتوب والمرئي اضافة الىسطوة السوشيال ميديا و"السبق الزائف" : تسببت منصات التواصل الاجتماعي في تحويل الصحافة من عمق التحليل والتحقيق الاستقصائي إلى لثقافة "التريند" والبحث عن المشاهدات ، حيث باتت السرعة والتهويل مقدمة على الدقة والتوثيق .التراجع المادي للصحافة الورقية : غياب الدعم الحكومي والمؤسساتي للصحف المستقلة العريقة أدى إلى إغلاق الكثير منها أو تحولها إلى نسخ رقمية باهتة عاجزة عن دفع أجور مبدعيها .واخيرا لا بد من القول إن عيد الصحافة العراقية ليس مجرد مناسبة للاحتفال ورفع الشعارات ، بل هو وقفة مراجعة حقيقية يتطلع فيها جيل اليوم إلى استعادة هيبة القلم الحُر ، وحماية الصحفيين قانونياً واقتصادياً ، وفاءً للدماء التي سالت من أجل أن يبقى صوت العراق مسموعاً وحراً .

المشـاهدات 28   تاريخ الإضافـة 15/06/2026   رقم المحتوى 71353
أضف تقييـم