غرفة الأضواء
![]() |
| غرفة الأضواء |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
داود سلمان الشويلي هبط الليل. أظلم الفضاء. سكن الناس في بيوتها. نام البعض، وما زال البعض لم ينم. كان الظلام قد عشعش بارجاء الغرفة كما يعشعش دود الأرض في حفر بعيدة عن العين. ظلام كالكحل الأسود سوى بصيص ثلاثة أضوية مختلفة الألوان، بين الأحمر الفاتح، والأحمر العامق، والأصفر الشاحب، وهي تأتي من الجدار المقابل لسرير النوم الخشبي المغطى بالبطانية الملونة، وهو تحتها ممددأ بإسترخاء كخلد تحت الأرض، إذ لم يرَ أي شيء خارج هذه الغرفة. هبط الليل في خارج الغرفة، وفي داخلها، وكان الحر خارجها لا يطاق، حر يترك الأجساد دبقة، فقد دخل الجو فيما يسمى برياح "الشرجي" التي تأتي محملة بالجفاف، والدبق، فينضح الجسد عرقا يفوح رائحة كريهة، وكان باب الغرفة موصدا، يعزل داخلها عن خارجها. الغرفة بقياسات ثلاثة أمتار في أربعة، ولها جدران أربعة، وسقف، والآن هذه الغرفة ظلماء فلا يرى فيها سوى هذه الأضوية المتوهجة كأنها عيون تحدق في المجهول. هذه الغرفة هي الغرفة التي يرتاح فيها، ويكل فيها، ويقرأ، ويكتب فيها، وينام فيها، وله فيها كنتور مصنوع من الألمنيوم ببابين، مع منضدة كتابة فوقها حاسوب نوع "لابتوب"، وبعض الكتب، والمجلات الأدبية، وبعض الأوراق البيضاء الفارغة، مع مجموعة من الرفوف الخشبية على الجدران تحمل بعض الكتب، وصورة كبيرة له، ولأبنائه المتوفين، وثلاجة صغيرة، وهذه الأشياء مرتبة في الغرفة بإتقان، وتنظيم دقيق، فيما تفكيره خاليا من أية فكرة صغيرة أم كبيرة ذلك لأن أفكاره، لو فكر، ليس لها مستقل بهذا العمر الذي وصله، وكانت نافذتها الحديدية الوحيدة مقفلة، ومغطاة بستارة ثقيلة القماش فيها رسوم أزهار، وأوراد. كانت الأضوية الثلاثة ما زالت تتوهج بوميض أرقامها، الأول في أعلى الباقين، وهو أصفر اللون، شاحب، مثبت على جهاز التكييف "السبلت" الشغال، ويقرأ درجة حرارة فضاء الغرفة من خلال الهواء البارد الذي يبثه هذا "السبلت"، وكان يشير الى درجة عشرين مئوية. كان صوت هواء "السبلت" يسمع حفيفه الهاديء، وكانت "صوندته" تقطّر الماء الذي يكثفه هذا المكيف من بخار الغرفة في علبة بلاستيكية زرقاء اللون. *** الضوء الثاني الذي يعكسه جهاز حماية كهربائية "المكيف" فقد كانت أرقامه، وهي تشير الى الرقم220 فولت، متوهجة بلون أحمر غامق مثل توهج عيني أسد مستفز في هذا الظلام الدامس، وبرد الغرفة، وما زل هو ممددا تحت "البطانية" الملونة، وقد لفّ جسده من كل جوانبه. وعند هذا الرقم، تيقن ان التيار الكهربائي من الكهرباء الوطنية قد يطفأ لأن ساعته ذات الأرقام الفسفورية تعكس صورة للزمن المتبقي على إنطفاء هذا التيار. لم يستطع النوم كما في كل ليلة، وهو بإنتظار أن تنتهي فترة الساعتين على توصيل التيار الكهربائي الوطني، فتشتغل مولدة المحلة، وتطفأ هذه الأضوية المتوهجة حتى يعود التيار الوطني بعد ساعتين للاشتعال. *** كانت ثلاجة الغرفة الصغيرة قد توهج ضوء مفتاحها الكهربائي بلون أحمر خفيف، وهي بين الحين، والآخر، وحسب إيصال التيار الكهربائي الوطني، تعمل على تبريد موجوداتها الداخلية، فقد وضعت داخلها بعض علب المشروبات الغازية، وبعض علب العصائر، و"دولكة" فيها ماء، وبعض الفواكه. كانت أمه في طفولته، وصباه، تخشى على لوزتيّه من الالتهاب بسبب شرب الماء البارد، وآكل المجمدات مثل الآيس كريم، والموطا لهذا فهو لم يقربهما. *** كان كل شيء شغال في غرفته الذي يملأها الظلام، وهو يتمدد تحت الغطاء الملون، وبصره لا يحيد عن هذه الأضوية، إذ ما زال يشعر ببرودة تنسل في عموده الفقري كإنسلال الماء تحت كومة من التبن الأصفر. *** رأى أمام عينيه التي خدرهما النعاس، فأطبق جفنيهما، أمه فتذكرت صوتها يناديه من تحت لحافها القطني أن ألتحف جيدا باللحاف القطني خشية أن يصاب بمرض الانفلونزا، ويرشح من أنفه الذي أحمرّ في هذا البرد القارص، فراح يلملم جسده تحت اللحاف، حتى شعر بالدفء، وبخدر النوم يهجم على جسمه البارد، فتداخلت ألوان الأضوية الثلاثة فيما بينهن، وغاب عن الوجود. *** |
| المشـاهدات 44 تاريخ الإضافـة 15/06/2026 رقم المحتوى 71369 |
أخبار مشـابهة![]() |
سابالينكا تخطف الأضواء
|
![]() |
التربية والتعليم العالي تؤكدان على ضمان انسيابية الدوام والاستعداد للبدائل مع تطورات الحرب
غرفة عمليات لمراجعة الخطط التربوية لاستكمال ما تبقّى من العام الدراسي |
الهيئة الوطنية للرقابة النووية تطمئن العراقيين
العراق يفعل غرفة الطوارئ النووية: لا مؤشرات إشعاعية مقلقة من إيران حتى الآن |
![]() |
الرصانة الأكاديمية في غرفة الإنعاش: صرخة من واقع التقييم
|
![]() |
غرفة 726 تتجاوز الحكاية إلى سؤال الوجود
|
توقيـت بغداد








